العدد 5150 - الأربعاء 12 أكتوبر 2016م الموافق 11 محرم 1438هـ

«نخلة التمر في المعتقدات الشعبية»... وبينها حالات عشق

البروفيسور إبراهيم... ضمن أبحاث «الثقافة الشعبية»...

للنخلة تقسيمات من بينها: الشرِّيرة والملساء والطيِّبة والبخيلة
للنخلة تقسيمات من بينها: الشرِّيرة والملساء والطيِّبة والبخيلة

«نخلة التمر من الأشجار التي قدَّسها العرب عموماً، وشعوب منطقة الخليج العربي خصوصاً؛ حيث نُقشَت على الأختام في الحضارة القديمة، وذُكر اسمها في الأساطير السومرية». في بحث تناول معتقدات متداولة تقول بأن النخل له حالات عشق بين الفحْل والنخلة. ذلك ما نقرأه في بداية بحث البروفيسور عبدالباسط عودة إبراهيم، والذي حمل عنوان «نخلة التمر في المعتقدات الشعبية»، ونُشر ضمن أبحاث ودراسات مجلة «الثقافة الشعبية» في عددها الخامس والثلاثين لخريف العام 2016.

العالم الإيطالي أدواردو بيكاري يرى أن «موطن النخل الأصلي هو الخليج العربي»، بينما يرى العالم دو كاندول بأن نخل التمر «نشأ منذ عصور ما قبل التاريخ في المنطقة شبه الحارة الجافة التي تمتد من السنغال إلى حوض الأندوس، وتنحصر غالباً بين خطي عرض 15، 30. وقد نشاهد نماذج منه مزروعة شمال هذه المنطقة لأسباب غير اعتيادية». وتعد المناطق التي أشار إليها دو كاندول من أكثف مناطق زرع نخل التمر منذ اكتشافه وإلى الوقت الحاضر.

يبدأ إبراهيم بمسمَّيات نخل التمر، من المسمى البابلي «جشمارو»، والآرامية «دقلة»، والعبرية «تامار»، والحبشية «تمرة» «ويقال تمر تلمون عن تمر البحرين، وتمر مجان عن تمر عُمان، وفي الهيروغليفية يسمى بنر (BNR) وفي الهندية خرما، والاسم اليوناني فينكس».

ويحيلنا إبراهيم إلى بعض الدراسات التي تشير إلى أن النخلة قد تكون قد جُلبت إلى أرض سومر من منطقة الخليج العربي للإكثار «وقد نظر السومريون إليها باحترام نظراً لجدب أرضهم واعتبروها صهر النحاس». مشيراً إلى أن النخلة كانت فائقة في تقديرهم، ومكرَّمة في الشعائر والأساطير «ففي ترنيمة للآلهة ننسينا، تعلن فيها عراقة مدينتها أيسين التي هي أقدم من دلمون فتقول: بيتي وُجد قبل دلمون، وكان طرازه من شجر النخيل».

وحظيت النخلة بنوع من التدليل بحيث لابد أن يقوم الإنسان على العناية بها وتعهُّدها، كي يتم ضمان تحقيق محصول وافر، وكانت العناية تلك من المشاهد المألوفة، بحيث أنتج مثلاً سومرياً نصه «كانو يدللون ملوكهم كما تدلل نخيل دلمون»، ما يكشف عن الكيفية التي كان أهل دلمون يقدِّسون فيها النخيل، وتجاوزت الأمثال لتدخل في النصوص الشعرية السومرية القديمة، كتلك التي كتبها الملك شلجي الذي حكم سومر ما بين 2094 ق.م - 2047 ق.م)، وفيها يمدح نفسه ويصف النخلة في سياقها «أنت مدلل من ناينيجالا كنخلة في أرض دلمون المقدسة».

بعض المعتقدات في العراق

يورد البروفيسور عبدالباسط إبراهيم، أن شجرة النخيل كانت وما تزال ذات سطوة عند العامة «إذ لا يجوز قطعها إلا لغاية أساسية، وعند قطع شجرة النخيل يجب قراءة الصلوات، وترديد التعاويذ الحامية، وغلا تعرَّض قاطع النخيل، وفق المعتقد الشعبي العراقي للأذى الإلهي»؛ حيث إن النخلة كانت - قديماً - تدخل في طقوس التقرُّب للآلهة «وكانت توضع الفسائل الصغيرة في أكواز فخارية أمام الإله الذي تجري طقوس التقرب إليه (...)».

وفي بغداد القديمة بمجرد أن يصاب أحد الأطفال بالحمَّى، تعمد أمه أو قريبة منه إلى أخذ سعفة وتوقد مقدمتها في ليلة الجمعة «وتدور بها ثلاثة عقود؛ أي شوارع فرعية معتقدة أن الحمَّى ستزول، أما إذا صادفت إحداهن حاملة السعفة الموقدة وسألت عن السبب فإن الحمَّى باعتقادهم ستنتقل إلى السائلة ويشفى المريض».

ويورد إبراهيم بعض معتقدات سكان مناطق زراعة النخيل في شط العرب والأحساء، فمن بينها إذا كانت النخلة مائلة إلى جهة ما فما عليك إلا أن تعلق في جهة ميلانها جمجمة حصان، وعندها ستشعر النخلة بالخوف وتعتدل!

وإذا كان لديك فحْل (نخلة مذكرة) بذري صغير العمر وأردته أن يتحول إلى نخلة مؤنثة فما عليك إلا أن تقوم بشرخ الخوص في السعف كله، وفي السنة المقبلة يتحول إلى نخلة مؤنثة!

ومن بين المعتقدات أن النخلة المؤنثة الكبيرة التي لا تثمر، يمكن جعلها تثمر بتهديدها، بحمل آلة قطْع وتبدأ بتهديدها بالقطع وتحاول ضربها أكثر من مرة على الكرَب، وعندها ستثمر في الموسم المقبل!

النخل العاشق!

حتى الحب بين النخيل دخل في المعتقدات تلك، بحسب ما يورد إبراهيم في بحثه الذي بين أيدينا، ومن ذلك، قال أحدهم إن نخلتهم عاشقة، فقيل له كيف؟ فأجاب: تم تلقيحها من أحسن الفحول ولكنها لم تستجب وتتقبَّل التلقيح. وسُئل أحد المزارعين القدامى، فقال: ربما يوجد فحْل قريب تحبه، ولما تم البحث في المنطقة وجدت نخلة مذكرة فتية عند الجيران وتم تلقيحها بلقاح منه فنجحت عملية التلقيح وحملت النخلة!

ومن بين علامات عشق النخلة ما يضعنا أمامه البروفيسور عبدالباسط، وهو ميلها إلى جهة النخلة المعشوقة، وقلة حملها، وهُزالها وضعفها من غير ما سبب واضح، مورداً بعض العلاجات التي يلجأ إليها أصحاب النخل منها: أن يُلقى شيء من قلب المعشوقة - من طلْعها - في قلب العاشقة، أو أن تُعلَّق سعفة من المعشوقة على النخلة العاشقة، أو أن تُعلَّق أربع سعفات من سعف المعشوقة على أربع جهات من النخلة العاشقة، أو شد حبل بين النخلة العاشقة والنخلة المعشوقة، أو يوضع حجر مربَّع في قلب النخلة المعشوقة لمدة ثلاثة أيام، ثم ينقل إلى قلب النخلة العاشقة!

العمانيون من أشهر الذين تعهَّدوا النخلة ومنذ زمن سحيق، ولهم في ذلك بعض المعتقدات التي ظلت شبه قارَّة في الوعي الشعبي، من بينها قولهم إن أشجار النخيل المؤنثة تحنُّ إلى ذَكَر النخيل، فعند زراعة شجرة مذكرة (فحْل) وسط الأشجار المؤنثة فإنها تميل رؤوسها باتجاه الفحل لوجود حالة الهيام بين الإناث والفحل.

تقسيم النخل... الوحش «الخبابا»

يشير البروفيسو عبدالباسط إبراهيم إلى أن الذين يطلعون النخل يقسِّمونه مثلما يقسَّم البشر فهنالك النخلة الشريرة: التي تعب الطالع عليها، أي الملساء، والنخلة الطيبة التي تنبت لنفسها سلالم لمساعدة الطالع عليها، والنخلة البخيلة، التي تقاوم ملامسة قدم الطالع عليها فهي غير مضيافة للبشر، والنخلة الحزينة، والنخلة المبتهجة.

وبالنسبة إلى ما قرَّ في الخيال الشعبي والمعتقدات، تلك المتعلقة بالنخيل الشرير أو الوحش، يضعنا إبراهيم أمام تقسيمات، تصل بنا إلى البحرين التي يقول بأنه في بعض قراها، وحتى وقتنا الحاضر، ينصح كبار السن الصغار بعدم الدخول إلى أحراش النخيل لأن بها «الخبابا»، والأمهات تخوِّف أبناءها من «الخبابا» حتى تنام، و «الخبابا» في النخيل يقصد به الوحش المسمى «دعيدع في البحر».





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 9:38 م

      منذ نعومة أظافري و أنا أسمع والدتي رحمها الله تردد و تلقي على مسامعنا قول الرسول (ص) .. أمكم النخله .. إن مالت سندوها .. و إن طاحت إبكوا عليها .. زرع والدي (الأكار) بداخلنا حبها حتى اضحت حديقتي تعج بخيرة نخيل البحرين من الخلأص و الخنيزي و الغرى.. ولد النبيه صالح

اقرأ ايضاً