العدد 17 - الأحد 22 سبتمبر 2002م الموافق 15 رجب 1423هـ

هل تتجه أوروبا إلى استنساخ مترنيخ؟

عصام فاهم العامري comments [at] alwasatnews.com

.

التصريحات الصادرة عن الأوساط الحاكمة في دول الاتحاد الاوروبي تشي بأن الأوروبيين صاروا أكثر اقترابا من أي وقت مضى لمراجعة أنفسهم واعادة التفكير في علاقاتهم مع واشنطن. فالازدراء الذي تمارسه الولايات المتحدة في فرض سياستها على شركائها الأوروبيين صار دافعا ضاغطا نحو الوحدة واستقلالية القرار السياسي بالاضافة إلى تزايد التفكير في الاسراع لتكوين القوة العسكرية الأوروبية المستقلة. واعتماد واشنطن مبدأ الأحادية في القضايا الدولية والتناقضات الاقتصادية بين الجانبين والتي تنطوي على ملفات خلافية متعددة، صارت كلها تدفع إلى انسلاخ أوروبي عن أميركا.

بالطبع الصدارة الأميركية الكلية والشمولية بمفرداتها تمنع أوروبا من التفكير في مناطحة القوة العظمى الوحيدة، وعلى رغم بروز بعض عناصر الوهن في الاقتصاد الأميركي راهنا، فإن ذلك لا يجعل أوروبا على مقربة من القوة الأميركية لدرجة تسمح بالتوازن معها. مع ذلك تظل هناك رغبة أوروبية لتقليص سطوة الأحادية التي تنتهجها واشنطن في صياغة السياسة العالمية.

والرغبة آخذة في التبلور سياسيا على نحو يبشر بدور الموازن أو حافظ الميزان. وإذا كان بعض الأوروبيين يعتقد أن هذا الدور لا يمكن أن تتوافر شروط القيام به إلا في ظل التوازن الكامل سواء كان من النوع الثنائي الذي استقر نموذجه ابان الحرب الباردة، أو من نوع التوازن المتعدد الذي شكل النموذج المتكرر للنظام الدولي في القرن الدبلوماسي وخلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وتاليا من الصعب أن تتحقق شروط القيام بوظيفة حافظ الميزان في ظل النظام العالمي الحالي الذي تسود فيه قوة عظمى وحيدة. غير أن بعضا آخرا من الأوروبيين يرى العكس، مذكرين بتجربة مترنيخ الذي يعتبر الأبرع في لعب دور الموازن بما جعل بلاده (النمسا) ليس فقط تحافظ على استقلالها وحسب، وإنما أيضا مكنها من لعب دور الدولة القائد في التوازن الذي حفل به القرن الدبلوماسي (القرن التاسع عشر)؛ وحدث ذلك في وقت لم يكن قد تبلور فيه بعد شكل التوازن وفي ظل جموح نابليون (امبراطور فرنسا) للهيمنة والسطوة على أوروبا. وكانت النمسا آنذاك في عهد مستشارها مترنيخ أدنى قوة من فرنسا أو روسيا أو حتى بريطانيا،، ومع ذلك فإنه استطاع أن يرتفع بالنمسا لتصبح الدولة القائد في صياغة التوازن عبر براعة دبلوماسية تمكن من خلالها أن يدفع الميزان دفعة صغيرة وبرشاقة تجعلها غير بينة، على حد تعبير هنري كيسنجر. استطاعت النمسا لعب دور الموازن في نظام دولي مضطرب ومن ثم الوصول إلى لعب دور الدولة القائد في نظام توازن متعدد باعتماد على مبدأ العلاقات الدولية المتكافأة. وهناك الآن أوساط سياسية كثيرة من رجال السياسة والفكر في ألمانيا وفرنسا يتحدثون عن إمكان استنساخ مترنيخ على ضوء الرؤية القائلة إن النظام العالمي الحالي نفسه لم يستقر بعد على شكل محدد لتوزيع مكوناته الرئيسية. فالسياسة العالمية قد انتقلت من نظام القطبية الثنائية الذي ساد إبان الحرب الباردة إلى لحظة ساد فيها القطب الواحد والذي تجلت معالمه إبان حرب الخليج الثانية، وهي تمر الآن في عقد أو عقدين يسود فيهما نظام هجين (أحادي - متعدد الأقطاب) قبل أن تتحول إلى التعددية القطبية في العقود القادمة. فالنظام العالمي الراهن يضم قوة عـظمى واحدة هي (الولايات المتحدة) وقوى كبيرة عدة (فرنسا وألمانيا والصين وروسيا والهند) وأن حسم قضايا دولية رئيسية يتطلب فعل القوة العظمى الوحيدة ولكن دائما بنوع من التضافر مع الدول الكبيرة. وإذا كانت أميركا تفضل نظاما أحادي القطب تكون فيه هي القوة المهيمنة وهي تعمل في الغالب كما لو أن هكذا نظام قائم بالفعل، فإن الدول الكبيرة تفضل نظاما متعدد الأقطاب يمكنها من متابعة مصالحها بشكل انفرادي وجماعي من دون أن تتعرض للقيود أو القسر أو الضغط من جانب القوة العظمى الأقوى، كما أن جهود القوة العظمى الرامية إلى إنشاء نظام أحادي القطب تحفز جهدا أكبر من جانب الدول الكبيرة الأخرى من أجل التحرك نحو إقامة نظام متعدد الأقطاب. سيما وأن الأولية التي تعنى بها السياسات العالمية للدول المختلفة أضحت تنصرف نحو تحقيق الرخاء الاقتصادي وتحسين نوعية الحياة وتلبية متطلبات الرفاهية. وانطلاقا من ذلك فإن أميركا أضحت غير مستعدة لدفع تكاليف الزعامة الكونية الأحادية ولا القبول بمخاطرها. والرأي العام الأميركي بدوره لا يرى حاجة إلى توسيع الجهود والموارد لتحقيق الهيمنة. كما أن الشعب الأميركي في غالبيته لا يبدي حماسة لما يحدث على المستوى الدولي. والمهم في ذلك أن أميركا غدت تفتقر إلى القاعدة السياسية المحلية اللازمة لإقامة عالم أحادي القطب. ولذلك فالزعماء الأميركيون يهددون بشكل متكرر ويعدون بالعمل ولكنهم يعجزون عن فعل شيء حقيقي من دون مساندة من قبل غالبية مؤثرة من المجتمع الدولي؛ وخصوصا من جانب دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين. وفي الكثير من القضايا الدولية باتت دائرة الحكومات التي ترى مصالحها تتوافق مع المصالح الأميركية تضيق باستمرار، بل ان الاستياء من الاستفزازات الأميركية متصاعد إلى درجة تنبئ باحتمالات الفعل الجماعي المضاد. وحوادث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول لم تغير هذا الوضع على نحو كلي. نعم انها اكسبت أميركا تعاطفا من جانب الغالبية الدولية؛ كما أن الرأي العام الأميركي صار يمنح قيادته السياسية تأييدا كبيرا للرد على تلك الهجمات، لكن لا الرأي العام الأميركي ولا الدول الكبرى ولا الأسرة الدولية منحت أميركا صكا على بياض لممارسة سياسة احادية الجانب. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن اخفاق أميركا في إيجاد صلة بين العراق وحوادث سبتمبر بدأ يبلور رفضا متزايدا من الأسرة الدولية كما يقلل من حماسة الأميركيين لنوايا ادارتهم في شن حرب جديدة على العراق.

أوروبا تجد نفسها أمام حافز قوي لممارسة حنكة دبلوماسية تستنسخ عبرها نموذج مترنيخ للعب دور الموازن بما يجعل أميركا تنهج سياسة تستجيب إلى المنهج التعددي في تقرير السياسة العالمية، بل إن الأوضاع الراهنة تتيح لأوروبا صوغ جبهة تضم مع اليابان وروسيا والصين لتشكيل ثقل موازن لأميركا. سيما وأن الشعور متزايد بأن التفوق الأميركي ليس أبديا، وأن صدارة تفوق الاقتصاد الأميركي آخذة في التلاشي. ومع اتجاه أميركا إلى زيادة نفقاتها العسكرية فإن عملية تصنيع الانهيار الاقتصادي ستتواصل. الأوروبيون صاروا يشعرون أن هناك فجوة بدت بارزة ما بين قوة أميركا وافتقارها لرؤية استراتيجية واضحة في إدارة الشئون العالمية؛ الأمر الذي من شأنه أن يظهر السلوك الأميركي إزاء الكثير من الأزمات من موقع رد الفعل، بل ويجعلها تتعامل مع الكثير من الأزمات على طريقة فم ءٌّف. وهذا يجعل من قوتها طائشة تخفق في إنجاز أهدافها. ولكنه في المقابل يحرض أوروبا على امتلاك رؤية استراتيجية ودبلوماسية نشطة وواعية تجعلها أقدر على لعب دور حافظ الميزان وأن تحقق نتائج على غرار ما حققته تجربة مترنيخ في القرن التاسع عشر... غير أن ذلك كله مازال قيد التبلور ولم يتحول بعد إلى آلية تنفيذ

العدد 17 - الأحد 22 سبتمبر 2002م الموافق 15 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً