العدد 5252 - الأحد 22 يناير 2017م الموافق 24 ربيع الثاني 1438هـ

حدَّاد: يمكن لمدَّخرات التجارب السابقة أن تنصهر في شكل إبداع جديد

شهادات أدباء بحرينيين قبل 33 عاماً في «كلمات»...

غلاف العدد الأول
غلاف العدد الأول

هل تتغير الشهادات الإبداعية بتغيّر الزمن؟ هل الشهادة التي تُقدَّم هي تعبير عن زمنها بالدرجة الأولى، ولا تحمل بالضرورة رؤية متجاوزة ارتباطاً بأزمنة مقبلة؟ ماذا يعني أن تقدم شهادتك؟ هل تقدّم مثل تلك الشهادات جانباً من الشهادة على التاريخ؟ تاريخ الكتابة والنصوص ومستويات الوعي بهما على الأقل؟ هل يتحكّم العاطفي في مساحات كبيرة من تلك الشهادات، وبالتالي تضيع قيمة كبرى منها؟

كيف يمكننا النظر إلى شهادات قُدّمت قبل أكثر من 33 عاماً لعدد من كتّاب القصة القصيرة والرواية والشعر؟ وكيف يمكننا قراءتها اليوم، ضمن سياقها التاريخي، وبعيداً عن ذلك السياق؟ هل تستوي القراءة الأخيرة، بعيداً عن سياقها التاريخي؟

العدد الأول من مجلة «كلمات» خريف 1983م، والتي تصدر عن أسرة الأدباء والكتّاب في البحرين، حمل بين مواده مثل تلك الشهادات التي شارك فيها كل من: القاص والروائي محمد عبدالملك، الشاعر والكاتب قاسم حداد، القاص عبدالقادر عقيل، الشاعر علي الشرقاوي، والقاص والروائي أمين صالح.

تبدو بعض الشهادات بمعزل عن الأخرى. بمعنى، لا موضوع محدداً لتلك الشهادات، وهو المفترض أن يكون، في جانب من الاستدراج للإدلاء بالشهادة، كأن يدير الشهادة محور محدد: الكتابة الجديدة مثلاً. الانحياز إلى الشكل أو المضمون. بقراءة شهادة محمد عبدالملك، نكاد نجزم ألَّا رابط بين الشهادات جميعها. يكشف الخلطة والسر أمين صالح في السؤال الذي يستأنف به كتابة شهادته: «لماذا أكتب»؟ لأنني أريد أن أتصل بالآخر، الذي يقرؤني طبعاً، ولأني أريد أن ألهو... هل ثمة ازدواجية أو تناقض في الاتصال واللهو؟ محتمل». هنا جوانب من تلك الشهادات عملنا على ائتلافها من جهة، وبدت باختلافها من جهة أخرى.

عبدالملك: المغامرة لا تبهرني

تبدو قضية المغامرة في البحث عن أشكال جديدة، تزامناً مع مضامين جديدة بالضرورة، ذات حضور متحفظ لدى القاص والروائي محمد عبدالملك. لا يخفي تحفظه ذاك، وإن بدت المغامرة هنا ذات وجهين، وذات تأويلين في الوقت نفسه، كما يتضح في ثنايا تقديم شهادته: «النقاد لهم رأي، والقراء، والأحكام والقرارات ليست ملكاً للكاتب، لأن القصة ليست ملكاً له وحده، لذلك ما أملكه هو أن أقتنع أو لا أقتنع وأمضي كما اريد لكن يجب أن تكون نوافذي مفتوحة لأننا دأبنا على تسمية كل جديد بالمغامر، وعلينا أن نعرف مغامرة مشروعة بدونها لا يكون جديد، وأن هناك مغامرة من أجل المغامرة وهي لا تضيف، كما ولا يجب أن نعتقد أن من يبدي رأيه (يتجنَّى). لا تتوافق الآراء في الأدب وهي تختلف في الغالب، المهم أن نكتب وأن يكون ما نكتبه صالحاً لأن يقرأ فيه المتعة والفائدة».

يضع عبدالملك محاولات بعض الأصوات الشابة في تلك الفترة بالاعتناء بالشكل أكثر من المضمون، في حدود التوقيت السيء، ويربطها بزمن يبدو مريضاً، تراجع المد القومي... الترف... النكبات... الهزائم السياسية. تبدو رؤية مربكة. وكأنها دعوة للتماهي مع تلك الأوضاع ألَّا نحرك الأشكال، والّا نمس المضامين!

«الكثير من الكتّاب الشباب العرب يعتنون بالشكل أكثر من المضمون... الوقت، وقت انتشار هذه المغامرة الأدبية سيء أيضاً ومثير للريبة... وقت مرضي، انحسار سياسي عربي رهيب... تراجع بعد المد القومي العظيم... حياة استهلاكية، ترف، نكبات، هزائم سياسية وعسكرية، وتصور أن كل ذلك في غياب الوعي، وعي تاريخي بكل ما يحدث، إذن فقراري في اختيار الشكل والنمط لم يحدث بشكل عفوي... العفوية لها لحظات واحدة فقط هي لحظات الإبداع، وحتى هذه العفوية مشروطة بالوعي».

قاسم حداد: الشعر بوصلة الوقت

ظلت الرؤية إلى الكتابة بالنسبة إلى قاسم حداد على ارتباط بطبيعة فهمه للسؤال الشاخص: لماذا أكتب. ليست الإجابة هنا هي ما يمنح النص قدرة إقناعه، أو مشروعية بقائه في الوقت نفسه. تلك مسألة يعي قاسم البرازخ التي ستقوم عليها وبعدها. الانشغال بالنص أولاً. كلما توطدت علاقتك بالنص، كلما استطعت أن ترى ابعد وأعمق. وكشف سر العلاقات الشاهرة والسرية في لغز اسمه الكتابة. ليست المسألة في أن تسمِّيه بقدر ما أن تكون مشغولاً بمزيد من الألغاز في الكتابة. يكتب حداد «في لحظة الكتابة عندما يحضر الشاعر في القصيدة يتجرد من تلك النظرة ذات العقل البارد وشرفة النقد، هو الآن في لحظة التأجّج حيث درجة الانفعال غامرة إلى الدرجة التي تصير فيها الموهبة هي القائدة المسيطرة، ويمكن لمدخرات التجارب السابقة أن تنصهر في شكل إبداع جديد. وبقدر نجاح الشاعر على استيعاب تجاربه السابقة تأتي تجاربه الجديدة باحتمال أكبر من التطور والتحول الفني، ومغايرة السابق بتجاوز ملحوظ.

لكن الأكيد أن الشاعر وقت كتابة القصيدة لا يكون متقصداً بوعي مختبري لعملية التحول الفني من الوجهة الإبداعية، فعل الإبداع يغلب عليه الانفعال والعاطفة، مع قدر من جماليات الصنعة. ولا يحضر الوعي إلا في صورة طيف شفاف».

وعن الشاعر الذي عليه تخليق محطاته الخاصة والوسائل يكتب. عما أسماه بالتجارب الضعيفة والفاشلة والتشابه السائد بينها، بعكس التجارب الناجحة المشغولة بتحقيق الإبداع. الإبداع الذي لا تشابه فيه.

«ليست هناك محطات تنتظر الشاعر... على الشاعر أن يخلق محطاته الخاصة ويبتكر وسائلة، تماماً مع بعضها، خاصة في مجال الإبداع، يمكن أن يحدث التشابه أحياناً في التجارب الضعيفة الفاشلة، لكن التجارب الناجحة التي تحقق إبداعاً لا يمكن أن تتشابه إلا بالدرجة التي تتشابه بصمات الأشخاص... الإبداع هو فعل فردي إلى أقصى حد».

عقيل: أخاف من كل شيء

إنها الأسئلة التي لا تتوقف عند محطة ما. يتناول القاص عبدالقادر عقيل محور الكتابة من مدخل له علاقة بعالمه. عالم القصة. يستند هذه المرة إلى اليوميات البعيدة. اليوميات الأولى... إلى ذات طفولة وفاقة ووجل وخوف من الموت. يسبق ذلك المباشرة في تناول المحور بإشارته إلى أن «القصة القصيرة هي فن اللحظة، الومضة التي تسطع فجأة في قلب الظلام فتتبدّى للعين الكثير من الأشياء التي كانت متوارية. القصة القصيرة هي محاولة للكشف عن الأعماق البشرية، للولوج إلى الداخل، والوصول إلى القاع».

بيئة الأسئلة... مجتمع الأسئلة... بشر الأسئلة. هل عليك أن توجد أسئلتك قبالة الأسئلة التي تتمخض وتتناسل وتطلع من البيئة التي تولِّد اسئلتها الخاصة؟ يأخذ عقيل بتلك المتوالية... الأسئلة التي تولد منها أسئلة أخرى. «ولأن عصري ومجتمعي وبيئتي تطرح عليَّ الأسئلة، فإنني أحاول الإجابة عليها من خلال القصة القصيرة، فأكتشف أنني بدوري أطرح الأسئلة التي تخلق الأسئلة. القصة القصيرة هي فن السؤال».

عودة إلى تفاصيل رهيفة وحادة تأخذ بالأنفاس أحياناً. يجعلها عقيل مدخلاً لابد منه، وخصوصاً أن الأسئلة لم تكن بمعزل عن الكتابة. يكتب: «عشت طفولة غريبة وعجيبة، ومع ذلك فكثيراً ما أتحسر على أنني كبرت. لقد مررت بتجربة مرض طويل، وكان غريباً، في الصيف يأخذ شكلاً وفي الشتاء يأخذ شكلاً آخر، لذا فإنني كنت أصاحبه طوال العام. عشت خوفاً خرافياً في سنوات الطفولة: أخاف من كل شيء، وكان حلول الظلام كل ليلة يعني رعباً جديداً بالنسبة إليَّ. رأيت الفقر وحياة التنقل من بيت إلى بيت آخر. والعائلة المحشورة في حجرة واحدة. أبي كان يعمل عاملاً لتفريغ حمولات السفن الكبيرة، وكان أحياناً يسافر أو يتغيَّب عن البيت بسبب ظروف العمل، وفي كل مرة كنت أتوقع أن شخصاً ما سيجيئ ويخبرنا عن وفاته. وكانت فكرة الموت هذه تزلزلني. من سيحميني من هذا العالم المرعب إذا فقدت أبي»؟

الشرقاوي: البحث عن النقاء والتنوع

لا يصدر الشاعر علي الشرقاوي عن عمق في ما يُطرح من أسئلة. لا أتحدث هنا عن الإجابات البليدة والتي تحاول أن تكون مبتسرة. الشرقاوي كاتب جيد، ومتحدث سيء. وكاتب سيء أيضاً حين يتعلق الأمر بمنهجيات ورؤى تتعلق بالكتابة. لا تبدو إجابته على محور الشهادة ملفتة أو عميقة أو فيها ما يمكن أن يسجَّل كإضافة. يأخذك إلى العادي من الكلام، حتى وإن بدا خارج تلك المباشرة. تأتي مساهمته على الشكل الآتي «أكتب لأنني لا أملك ما أقف فيه ضد الموت سوى الكتابة. هذا من الجانب الذاتي، أما الجانب الموضوعي، فأنا لا أريد أن أعبّر عن نفسي فقط، إنما أعبّر عن الإنسان بشكل عام، وهو الوقوف ضد الموت بشتى أشكاله، وما دمت أعرف أن الموت قدر محتوم، وأنا بين ظلمتين، ظلمة الرحم وظلمة القبر، لذلك لابد أن أحمل القصيدة المصباح، لأنير طريقي وطريق الآخرين الذين لا يملكون المصباح».

حتى في محاولته تقديم مقاربة مما أنتجه لا يبدو موفقاً بإسباغ صفة العلاقات الإنسانية الفطرية على «بدويِّه» في «تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة»... يتكلم عن التشيؤ... عن الترْس... الآلة، لكننا لا نقف على ما يمكن أن نتزوّد به في محور شهادته. ليس لأنه غامض، بل لأنه واضح حد الهذيان... الهذيان الذي لا يقول شيئاً.

«ضمن هذا المنطلق، فأنا أكتب ضد تشيُّؤ الإنسان وتحوله إلى رقم في ترس الآلة. ولذلك أكون البدوي الذي لا يعرف غير الحب والطيبة والعلاقات الإنسانية الفطرية ضد الآلة وليس الآلة كآلة محددة ومصنوعة من الحديد. وهذا ما حاولت أن أطرحه في (تقاسيم ضاحي بن وليد الجديد)».

صالح: أن أمتلك اللامرئيّ بالمفردة

يأتي أمين صالح الشهادة من مداخل مجيئه إلى النص، وتكاد لا ترى حداً أو فارقاً بين العالمين: عالم النص في استوائه، وعالم تقديم شهادة عن النص وعالمه. هل يذهب صالح متقصِّداً في تقديمه الشهادة تلك؟ ما ساعد على تحطيم الحدود الفاصلة بين العالمين، أن موضوع الشهادة لم يتم التقديم له، تُرك هكذا من دون محاور محددة، ومن دون إطار يحدد مساراته على أقل تقدير. لم نعهد في موضوعات من هذا القبيل، تَرْك القارئ معلّقاً هو الآخر للوقوف على طبيعة الموضوع في تبويب دورية أسرة الأدباء والكتّاب، لولا عنوان الباب نفسه «شهادات».

صالح يريد أن يلهو بموازاة الكتابة التي يريدها. لا يضع فاصلاً بين الاثنين. وكأنه يضعنا هنا أمام محور رئيسي لباب الشهادات، وهو محور لم تتم الإشارة إلى مُحدَّد فيه، يكشفه لنا هنا صالح بالبدء بـ «لماذا أكتب؟ لأنني أريد أن أتصل بالآخر، الذي يقرؤني طبعاً، ولأني أريد أن ألهو... هل ثمة ازدواجية أو تناقض في الاتصال واللهو؟ محتمل».

مضيفاً «كإنسان وككاتب أهفو إلى تحقيق الاتصال مع الآخر، وأن أنقل له ما أشعر به وأفكر فيه، بدءاً من القضايا التي تؤرقني: التناقضات المريعة، العلاقات المشوهة، القيم المضادة، التشيؤ واللاأمان. الخ. من جهة أخرى، ألجأ - لأنني أؤطر أحاسيسي وأفكاري في شكل فني معيّن - إلى الحيل المعروفة: الدعابة، الغرابة، الميلودراما، التشويق، الألاعيب السحرية... وغيرها... أي ألهو به ومعه لكي يصغي إليَّ باهتمام أكثر، وكلما شعرت بأنه يشيح بوجهه عني... ضيقاً أو ضجراً أو لامبالاة، ألملم ثانية حروفي لأحدّثه بصيغة أخرى. وغالباً ما أحدّث نفسي لأنني لا أجد من يصغي إليَّ».

تناول صالح الكتابة التي لا تغري للاقتراب منها، وفي ذلك الوقت المبكِّر، لم ينْهِ إشكالاً مازال قائماً. إشكالاً يتحدَّد في الذهاب وفق شهوة وسطوة ومزاج القارئ: أن تكتب ما يفهمه، أو ذلك الذي يريد أن يفهمه. لم ينتهِ الإشكال؛ إذ ثمة من لم ينفصل عن تلبية حاجات والإذعان لشروط القارئ. نعم اليوم وفي العام 2017. كتَّاب بحسب الطلب، وبحسب الفهم أيضاً، لذا يكتب في الشهادة المذكورة: «كتاباتي لا تغري الكثيرين للاقتراب منها، ربما لأنها تفتقر إلى الجاذبية، أو لأنها لا ثير الاهتمام، أو لأنها تستعصي على الفهم... رغم وضوحها... مع ذلك فما زلت أكتب دون خجل لأنني أحب أن ألهو، أن أنثر ألعابي النارية، وأن أستمع إلى أصدائها».

محافظو الأمس بعضهم أقل قراءة. بعضهم اليوم «دودة قراءة»، لكن أمضى أدواتهم وأكثرها سطوة وأذى: القمع في أكثر من صورة. جزء كبير من تلك المحافظة هي تلوث بحد ذاته، وقبل الدخول في الممارسة. ساعة الدخول في الممارسة ستكون الصورة أكثر وضوحاً في قمعها ومصادراتها.

«المحافظون - في الأدب - أثاروا لغطاً وضجيجاً لا طائل من ورائه دفاعاً عن قدسية الشكل التقليدي - بشتى تسمياته - للقصة القصيرة، وخوفاً من أن (يلوّث) الشعر هذا العالم الخاص. الكاتب الحقيقي يسعى وراء المغامرة والاكتشاف، الكاتب المحافظ لا يكف عن الشكوى والثرثرة... والقمع أيضاً».





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً