العدد 5275 - الثلثاء 14 فبراير 2017م الموافق 17 جمادى الأولى 1438هـ

قصة قصيرة... كبرياء

هنا… حيثُ كلّ شيء بات مُعِتماً، الشّمس لم تغب بعد. ولكن بعض الضمائر لم تعد تشرق من جديد.

أمشي وكأني قد صحوت من سباتٍ طويل، تُأرجِحُني كدمات الأرض المتعرّجة، كطفلٍ يمشي من أوّل وهلة، وخلفه والده يسنده إذا همّ بالسقوط.

أمشي وأتلفّت مرتجفاً، ليس لبردٍ أو لهواء، بل لتعجّبٍ ودهشة.

أمشي وقد أُنير دربي بشموعٍ أشعِلَتْ، من لهاب نيرانٍ أكلت، جمال هذا الطريق…

أمشي وأبحث عن منزلها، لا آبه لصوت الأنين الذي بدا كموسيقى تصوّرُ هذا المشهد العجيب، لا آبه حتى لصوت بكاء الجنين. كنت أظنّ أنّها تقطن في الطابق العُلْوِيْ، إلى أن وصلت وأدركت بأن جميع السكّان باتوا يقطنون في ما تحت السّفلي.

اسندت رأْسها إلى فخذيّ الملتويين، وتمدّدتْ أمامي، وبدأْتُ أمسحُ جراحها وأنا أطَبْطِبُ على خدّيْها وهي تُبعِدُ رأسها وتُديرُ وجْهَها، مغمِضةً عينها، وكأنّها لا تريدني أن أراها.

كانت لا تخرج من منزلها إلا بعد أنْ تُرطّب شفاهها وتسرّحَ رُموشها وتمسحُ خدّيْها باللّوْنِ الورْدي.

ولم تنسَ يوماً المرور من عيْنيْها الواسِعتيْن بقلمها الكحليْ، بدا كتوقيعٍ للوحتها التي رسمها خالقها سبحانه.

تمشي واثقةً، والكبرياءُ يملأ كيانها الأُنثوي. كانت لا ترضى أن ألتقط لها صورةً، وإن فعلتْ، أعادتني إيّاها ألف مرّة، إلى أن تُعجبها.

اليوم، وهي بين ذراعيْ تتنهّدْ، وبين كفيّ تنزِفْ، لم ينزف منها ذلك الكبرياء لحظةً! بل نزفت دموعي التي لامست خدها فامتزجت بخدوشها حتى أحرقتها، فأخذت توبّخُني…

تسألني عن كُحلِها وعن رمشها وعن وجهها؟! تسألني وأنا أضحك وأبكي، أضحك على وعْيِها في صلب هذا الألم. وأبكي لتصنّعها الذي يخفي وجعا وهزلاً.

إنّها تكابِرْ!! لا تريد منّي أن أرى ضعفها وهزلها بعد أن عاشرْتُ عُنْفُوانَها.
ثم تستسلم وتبتسم سائلةً: "ماذا كُنتَ تقولُ لي إذا هممت إلى النّوْمِ قبل أن أُغْلِق؟ “
فابتسمت باكِياً، ثم أجبت: "أحبَك!".

فعقّبَتْ: "والآن قد تعبت وأريد أن أنام، فعاجلني بها قبل أن أُغْلِقْ".
فزادت دموعي انهماراً، وشهقت متألّمّاً: "أحبًك... أحبك!".
فأكملت ابتسامتها الهزيلة، وأدارت رأسها، وأخذت تغفو بهدوءٍ وصمتْ.





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً