العدد 2138 - الأحد 13 يوليو 2008م الموافق 09 رجب 1429هـ

وفي المعامير ينفق البشر أيضا!

خالد المطوع comments [at] alwasatnews.com

هل سمعوا عن نفوق البشر أو المواطنين البحرينيين في المعامير وذلك بعدما جدوا واجتهدوا في ما يتعلق بنفوق «العفاطي» و»الميد» وغيرها من الأسماك؟!

يقولون إن هنالك في المعامير بشر ينفقون كما تنفق الأسماك على الساحل، وأن القرية قد أصبحت «مقيال» لملك الموت (عزرائيل)، وأنها ستستمر في ضيافتها السوداوية له إلى ما ليس له قرار، ولكن وبعد أن بح صوت أهالي المعامير وأبنائها عن مأساة قريتهم الوادعة ومأساة كل البحرينيين من حجم التلوث الوبائي الذي تعاني المعامير من تركزاته والذي يتم وأثكل ورمل هذه القرية بأبنائها وربما آخر من فقدته المعامير توفي بعد رحلة شاقة عكف فيها على انتشال أوساخها وقاذوراتها إلا أن المسكين (رحمه الله) لم يعلم أن هنالك أوساخا مسرطنة لا تبصر بالعين المجردة وأن هنالك غشاوة أعمق في الأنفس البشرية التي لا ريب أنها لا تقيم وزنا لمعاناة البشر.

يا ترى ما الذنب الذي اقترفه أهالي المعامير أو المواطنون البحرينيون حتى لا يكون لنفوقهم حجم ذلك النفوق للـ «العفاطي» و»الميد»؟! ما هي جريرتهم ليلاقوا من صنوف الحرمان والتجاهل والسكوت رغم كون مأساتهم المجلجلة هي مأساة إنسانية ترتبط بمطالب البقاء على قيد الحياة ولم تكن قط مأساة سياسية حمالة للأجندة أو «الأجندات» السياسية كما قد يروم البعض؟!

إن نفوق البشر المواطنين في المعامير بسبب الأمراض السرطانية والالتهابات الرئوية والجلدية لا يختلف عن نفوق إخوتهم من بني آدم في الصين أو في إيران أو في الهند وغيرها من أقطار العالم بسبب التلوث، غير أنه وفي الأنظمة الديمقراطية وحتى الأنظمة الأوتوقراطية السلطوية يتم في النهاية دراسة الوضع جيدا وتشريحه ورصد كافة العوامل والمسببات لهذا النفوق البشري الذي يلحق أفدح الخسائر في أغلى الثروات التي من الممكن أن تصنع لتكون نماذج مواطنة سامية أو حتى نماذج لرعايا أوفياء، ولكن إذا لم يختلف أحد على إنسانية ذلك النفوق البشري المريع، فأين نحن في البحرين من الديمقراطية والأوتوقراطية وإن كنا لا نقيم للإنسان والمواطن وزنا ونصم آذاننا عن أبسط مطالبة بالبقاء على قيد الحياة وبالأمان وبتنفس الهواء النقي والاغتذاء على السمك غير المسموم ولا يظن أن «لوهة» حوار أو ضب «الصخير» أو عقرب «العَمر» أو حمار «المزارع الشمالية» وآخرهم «عفطي» المعامير أو خليج توبلي يفوقونه أهمية أو يختلفون عنه في مطالبهم تلك بالبقاء على قيد الحياة وإن اختلفت مراتبهم جميعا في «السلسلة الغذائية» المبسطة؟!

ما قد يعرفه المسئولون جيدا ويعرفه معهم النشطاء البيئيون ومن يتابع القضية تنظيرا وعملا ميدانيا هو أن منطقة المعامير هي منطقة مشبعة بالتلوث والملوثات والسموم جوا وساحلا، وهم يعرفون أنها منطقة مهملة ومعزوف عنها من دائرة الاهتمام الرسمي كما لو أنها منطقة منبوذين ومنكوبين يشكلون عقبة وعائقا، ولكنهم مع ذلك ربما لا يعرفون شيئا عن نفوق البشر في المعامير، وعن جنون البشر في المعامير، وتشوه البشر في المعامير!

ماذا يريدون من المعامير وإلى متى سيستمر أهلها في دفع الثمن غاليا؟! هل هم يحتفظون بسقف محدد لنسبة النفوق البشري حتى يتحركوا؟! كم يريدوا أن ينفق من البشر والمواطنين في المعامير حتى تكون القضية قابلة للأخذ والرد؟! لماذا لا يجربوا شيئا من شجاعة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير حينما التهم ذات يوم طبقا من الدجاج للبرهنة على عدم إصابته بانفلونزا الطيور ولطمأنة مواطنيه عسى أن يشيدوا لهم فللا وقصورا يسمونها «جنة المعامير» ليثبتوا أن نفوق البشر في المعامير إنما هو من فرط الدلال أو لجذب الانتباه؟!

هل يريدون أن يجتهد أهل المعامير وإخوتهم في تدويل القضية والمطالبة بإجراء بحوث ومسوح ميدانية علمية على تربتها ومائها وهوائها، فتكون تلك البراهين والكشوفات العلمية أسلحتهم الوحيدة التي في المتناول بعدما طبقت عليهم المقولة الستالينية «موت إنسان واحد هو مأساة في حين موت جماعة هو إحصائية» أو ربما مقولة مبدعة مثل «نفوق العفاطي مأساة في حين أن نفوق البشر هو إحصائية»؟!

قد يقول قائل إن مأساة أهل المعامير هي في كيفية نفوقهم، فهم يصلون على الجثث ويدفنون الجثث في الأجداث، ويوارونها الثرى عوضا عن أن يتعلموا شيئا من جاذبية نفوق الأسماك على الساحل، فسيكون عليهم لزاما أن يضعوا حصيلة النفوق البشري على السواحل أو بالقرب من الطرقات العامة أو أن يضعوها ربما على أبواب ونوافذ المسئولين! ولكن ماذا لو كان هنالك من المسئولين الساكتين من يقرأ شعرا؟!

حتما سيطبق ببرودة دم قصيدة الشاعرة البولندية فسوافا شيمبورسكا الشهيرة حول «الحرب» وذلك على واقع النفوق البشري في المعامير، والتي تقول فيها:

بعد كل حرب

ينبغي على أحدهم أن يدفع الأنقاض إلى جانب الطريق

حتى تتمكن العربات الغاصة بالجثث من المرور!

هل دمهم بارد جدا تجاه نفوق البشر في المعامير، ومع ذلك هم شعراء في مواساة ما دون بني آدم؟!

إقرأ أيضا لـ "خالد المطوع"

العدد 2138 - الأحد 13 يوليو 2008م الموافق 09 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً