العدد 2218 - الأربعاء 01 أكتوبر 2008م الموافق 30 رمضان 1429هـ

أسواق المال... والعودة إلى أنظمة الحماية

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

عشرات المليارات من الدولارات تبخرت خلال ساعات من على شاشات البورصات العالمية يوم الاثنين الماضي. فالهزة المالية كانت هائلة الحجم وهي الأكبر منذ العام 1987 وجاءت ردة فعل عن فشل الكونغرس الأميركي في الموافقة على خطة الإنقاذ التي طرحتها إدارة الرئيس جورج بوش. الخطة قضت بضخ 700 مليار دولار في السوق المالية بهدف تعويم أصول وعائدات عشرات مؤسسات الائتمان والمصارف والرهن العقاري. ولكن الكونغرس رفض الخطة بغالبية بسيطة بسبب عدم وضوح وجهة الإنفاق واعتراضه على تفصيلات لم تشتملها تلك البنود التي وردت في مشروع الإنقاذ.

سقوط خطة بوش في الكونغرس ولد ردود فعل مالية دولية انكشفت خلاله الكثير من الثغرات في النظام النقدي العالمي، وهي ثقوب قد تسبب في حال عدم المسارعة في سدها المزيد من الانهيارات المصرفية.

تخلخل أسواق المال طرح أسئلة سياسية تتصل بموضوع الثقة بقوة الدولار والاقتصاد الأميركي وأحرج قوى مالية أوروبية تتعامل تقليديا مع سوق مفتوحة على نظام يتحرك من دون رقابة أو حماية. وهذا الأمر جعل فرقاء الكونغرس يتحركون مجددا لإعادة البحث في مشروع خطة الإنقاذ بهدف تعديل بعض جوانبها تمهيدا لإقرارها رسميا من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. والسبب الذي دفع الكونغرس إلى تغيير رأيه يعود إلى أن كلفة عدم الموافقة على خطة الإنقاذ قد تفوق بالمليارات كلفة الموافقة عليها. وبين الموافقة وعدم الموافقة تصبح خسائر الثانية أعلى من الأولى، لأن النظام النقدي العام يعتمد كثيرا على الثقة وتقديم ضمانات ثابتة لحماية أموال المستثمرين وتوظيفاتهم المالية.

مسألة الثقة تلعب دورها النفسي في تسويق لعبة تداول المال وعمليات الشراء والبيع التي تحصل يوميا في البورصات. وانهيار الثقة يعادل في قيمته التداولية مليارات الدولارات، بسبب الترابط الكوني (عولمة المال) بين الأسواق والبورصات والشركات المتعددة الجنسية والمهمات والوظائف. وهذا ما شجع الحزب الديمقراطي وبعض نواب الحزب الجمهوري المعارض للخطة إلى إعادة التفكير حتى لا تنهار السوق المالية وتتحمل الطبقات الوسطى وفئات الدخل المحدود نتائج الكارثة التي ستجرف معها الفقراء إلى جانب الأغنياء.

موضوع الأغنياء والفقراء نال حظه من النقاش السياسي. مجلة «تايم» الأميركية نشرت مقالا هاجمت فيه المؤسسات المالية واتهمتها بضعف الإدارة والمغامرة وطالبتها بتحمل المسئولية لوحدها ورفضت خطة بوش الإنقاذية واقترحت ترك السوق تتحرك آليا لتتكفل بتصحيح الخلل حتى لو أدى الأمر إلى إفلاس عشرات الهيئات والمصارف الفاشلة. الرئيس البرازيلي شن هجوما على الإدارة الأميركية وانتقد سوء استخدامها للسلطة المالية ورفض أن تتحمل الدول الفقيرة (العالم الثالث) مسئولية فشل الدول الغنية وبالتالي تدفيع الفقراء كلفة إهمال نجم أصلا عن ضعف في التنسيق والتنظيم والتداول ارتكبته مؤسسات تحتكر الأسواق.

الانقسام الحزبي في الكونغرس الأميركي ترجم نفسه سياسيا على مجموعة انشطارات في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والعالم. في أميركا تضاربت في داخلها وجهات النظر بين مطالب بضرورة الإنقاذ حتى لا تنفتح الثغرات وتنهار مئات المؤسسات بسبب انعدام الثقة وبين داع إلى ترك اللعبة المالية تأخذ مجالها الزمني في السوق حتى تكون الكارثة درسا لتلك المؤسسات التي احترفت التلاعب بالأسعار من دون اكتراث للمخاطر والتداعيات. في أوروبا انقسمت الآراء بين تيار يعتبر أن الكارثة المالية في الولايات المتحدة ليست أميركية ولن تقتصر سلبياتها على سوق واحدة بل أنها ستولد موجة ارتدادية كونية ستطيح معها الكثير من الحلقات الصغيرة المتصلة بتلك الحلقة الكبرى وبين تيار يطالب بتحييد السوق الأوروبية وحمايتها بالقوانين التدخلية والضمانات النقدية حتى تمنع الموجة الأميركية من اجتياح الصناديق والمصارف والمؤسسات. في روسيا قرر الكرملين إقفال البورصة ومنعها من التداول لمدة ثلاثة أيام ضاربا بعرض الحائط النظام المصرفي ولعبة السوق الحرة وماتعنيه من فلسفة اقتصادية وآليات البيع والشراء. وخطوة موسكو (الإقفال) أعطت فكرة عن مدى تراجع الثقة بمبدأ اقتصاد البورصة وأسعار الأسهم وعدم اكتراث الكرملين بكل تلك المفاهيم «الرأسمالية» التي دخلت حديثا إلى روسيا.

أزمة مفاهيم

عموما شكلت أزمة النقد التي عصفت بالعالم في الأسبوعين الماضيين مناسبة دولية لإعادة تقييم أفكار اجتاحت العواصم في العقدين الماضيين ويرجح أن يبدأ البحث في سحبها من تداول السوق بعد أن ظهرت مخاطرها الاقتصادية والقانونية على «الرأسمالية» نفسها. فالكارثة التي زعزعت استقرار الأسواق أظهرت أن الدول التي تتبع أنظمة الحماية والرقابة كانت أقل عرضة للاهتزاز من تلك الدول المفتوحة على كل الجهات والمشرعة أبوابها للداخل والخارج من دون قيود وشروط. ويرجح أن يلعب هذا المشهد المالي دوره في تعزيز نظرية التدخل ويعيد لنظام «القطاع العام» بعض ثقة فقدها في السنوات الماضية. فالإشراف والتخطيط والتوجيه المرسوم ليست سيئة دائما حتى لو عطلت أو أخرت بعض الخطوات المطلوبة لتسريع عمليات التنمية. وتدخل الدولة للإنقاذ، كما هو حاصل الآن في خطة بوش المقترحة على الكونغرس، لا تعني دائما الحد من الحرية المالية وحق التنافس والمضاربة وإنما هي تعطي ضمانات (حمايات) تمنع الأسواق من الانزلاق نحو مغامرات غير مدروسة في أرقامها وجدواها.

فكرة العودة إلى الرقابة التي كانت تتخوف منها قطاعات مالية بدأت تتحول بعد كوارث الأسبوعين الماضيين إلى مطلب تقوده مؤسسات ومصارف وصناديق ائتمان ورهن بعد أن اكتشفت أن قوانين السوق الحرة والمفتوحة لعبة خطيرة قد تنقلب رأسا على عقب وتطيح بالكبار قبل الصغار. وهذا التحول في المشهد المالي يفسر إلى حد كبير اندفاع بعض الاقتصاديين إلى رفض خطة الإنقاذ ومطالبة البعض الآخر بمعاقبة أصحاب نظريات شجعت سابقا كسر الحواجز وتحطيم الأقفال وفتح الصنابير لتدفق الأموال من دون قيد أو شرط.

هناك تيار قوي في العالم يضغط باتجاه الانتقام من تلك المدارس التي أشغلت الناس بالنظريات الجديدة عن «الليبرالية» و«الرأسمالية» ولكنها فعلا أورثت المؤسسات النقدية مجموعة كوارث يمكن أن تؤدي إلى نوع من الركود في الاقتصادات الدولية. والتيار الذي دعا للثأر لم يقتصر على زعماء في أميركا الجنوبية (الرئيس البرازيلي) ووزراء مال في العالم الثالث وإنما شمل عشرات التوجهات الاقتصادية في أوروبا (وزير المالية الألماني) والولايات المتحدة (مجلة تايم). فهولاء في مجموعهم حاولوا قراءة الأزمة من جوانب سياسية ودولية تتجاوز سقف الانهيار المالي باتجاه عملية إصلاحية تصحح الخلخل في المفاهيم الاقتصادية التي اكتسحت الأسواق في العقدين الماضيين.

الآن تبدو موجة الإفلاسات المتتالية دخلت مرحلة التراجع والجمود بعد أن أبدى الكونغرس استعداده لإعادة النظر في موقفه السلبي من خطة بوش الإنقاذية. والخطة المعدلة التي يرجح أن يوافق عليها أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري ستترك مفعولها الايجابي لوقف الاضطراب في البورصات الدولية وأسواق المال. هذا جانب من الصورة. أما الجانب الآخر فهو يتعلق بتصويب المفاهيم وبدء مرحلة تصحيح نظريات تبين بالملموس أنها تحتمل الكثير من الأخطاء والثغرات.

موافقة الكونغرس على خطة بوش الإنقاذية المعدلة التي يتوقع حصولها اليوم، تشير إلى نوع من التجاوب الدولي مع نزعة العودة إلى سياسة التدخل وأنظمة الحماية المعمول بها في الكثير من الدول الأوروبية والآسيوية والعربية (الخليجية). والعودة تعني في الأفق البعيد إشارة إلى بدء هزيمة أيديولوجية لقطاع واسع من الاقتصاديين. فالثقة ضرورية في صنع السياسة النقدية لكونها تلعب دورها في تنظيم حركة الرأسمال وترتيب قنوات الدخول والخروج في الأسواق والصعود والهبوط في البورصات.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2218 - الأربعاء 01 أكتوبر 2008م الموافق 30 رمضان 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً