العدد 2502 - الأحد 12 يوليو 2009م الموافق 19 رجب 1430هـ

مقدمة الكتاب

اتجه باحثون بحرينيون وغير بحرينيين إلى مصادر التراث الثقافي لعلماء البحرين وخاصة في عصور النهضة العلمية الدينية التي تألقت في القرون الهجرية الأربعة (من القرن العاشر إلى الثالث عشر) وذلك لدراسة موضوعات حيوية متصلة بهذا التراث لمعرفة خصائصه وعوامل نموه وتطوره، وأسباب تدهوره، والظروف التي أثرت سلبا على حركته، وكذلك لدراسة السيرة الذاتية لعلمائه وأعلامه وأدوارهم في التنمية الثقافية لمجتمع البحرين، وما قاموا به كذلك من أدوار حضارية في المجتمعات التي هاجروا إليها واستقروا في ربوعها، وقد تزايد الاهتمام بهذا التراث في السنوات الأخيرة، وأصبحت هذه المصادر ملجأ علميا لباحثين وكفهم في دراسة موضوعات متصلة بتراث علمائنا الأبرار. ومنها على سبيل المثال:

- دور علماء الدين في مقاومة قوى الاحتلال البرتغالي للبحرين في القرن نهاية القرن السادس عشرالميلادي.

- الاحتلال العماني وآثاره التدميرية على الحركة العلمية في البحرين ف القرن الثامن عشر الميلادي.

- اتجاهات الفكر الأخلاقي لعلماء البحرين.

- دراسات عن السيرة الذاتية لشخصية علمائية.

- حركة التأليف في البحرين وأثرها على نضج الفكر الإسلامي.

- تصنيفات إنجازات علماء البحرين في العلوم الشرعية والعقلية.

- القرى البحرينية... المندثرة والعامرة وإسهامات علمائها في النهضة الثقافية.

- الأدوار الحضارية لعلماء البحرين في مجتمعات الهجـرة.

- الألقاب العلمية في الحوزات الدينية.

- طرائق التقويم العلمي في الحوزات العلمية والفقهية.

- السبق الإيماني لأهالي البحرين وفضلهم الروحي.

- الدراسات المنوعة عن شعراء البحرين وأدبائها.

وقد ارتكزت دراسات هؤلاء الباحثين وأبحاثهم على توافر وخصوبة مصادر التراث الثقافي لعلمائنا في فترات من تاريخ بلادنا، ولولا هذه المصادر لنجح البعض في تغييب ملامحه، وإعاقة قدرته على الاتصال الفعال بحاضرنا والدفاع عن قضايا وحقائق يراد لها أن تقبر للأبد، فالباحثون يجدون ملاذهم العلمي الآمن عن التاريخ الثقافي لأعلام الثقافة الإسلامية في البحرين وقضاياه العقلية والأدبية والسياسية والرثائية المتصلة بها في كتب ذات أهمية كـ«علماء البحرين» للمحقق العلامة الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني، وكتاب «اللؤلؤة» للشيخ يوسف آل عصفور، و«تتمة الآمل» للسيد محمد آل شبانة البحراني، و«الذخائر في جغرافيا البنادر والجزائر» للشيخ محمد علي بن الشيخ محمد تقي العصفور، و«أنوار البدرين» للشيخ علي بن حسن البلادي البحراني، و«منتظم الدرين في أعيان القطيف والإحساء والبحرين» للشيخ محمد علي التاجر.

كما اكتسب هذا التراث ثقته العلمية بمزيد من الدراسات عن جوانبه وقضاياه، وعن أعلامه الكبار الأبرار فوجدنا كتاب «حاضر البحرين وماضيها» للشيخ إبراهيم بن ناصر آل مبارك الهجيري التوبلاني البحراني، وكذلك سفر الأستاذ سالم النويدري بمجلداته الثلاثة الذي كان مثالا للاهتمام بهذا التراث من خلال ما دونه من معلومات قيِّمة دوَّنها في كتابه « أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرنا » الذي صدر سنة 1992م، وبعض جهود المحققين البحرينيين كالذي فعله الشيخ عبدالجليل الزاكي بتحقيق كتاب «فهرست علماء البحرين» للشيخ سليمان الماحوزي، وغير ذلك من الدراسات التي يقوم بها باحثون للكشف عن إنجازات علمائنا وما تركوه من تراث ثقافي لايزال صداه مستمرا بتألق لقب «البحراني» حتى اللحظة الراهنة في كتب التراجم وفي الدراسات الفكرية والأدبية عن أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين.

@@@

إنَّ الباحث البحريني يملك بفخر مصادر نفيسة تتيح له ولمجموعات الباحثين المتأخرين دراسة التراث الثقافي لعلماء البحرين في القرون الهجرية الأربعة وما قبلها أو بعدها التي بلغت فيها البحرين أوج تقدمها الثقافي، وعرضت على العالم الإسلامي بخاصة في دول الجوار أسمى اجتهادات العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء وغيرهم، وأن يوظف مخزون هذه الثروة الفكرية التي لم يخلُ منها عصر من عصور التراكم التاريخي للثقافة الأدبية والإسلامية التي صنعها العلماء، حيث أخصب العقل البحريني ثقافتنا وأثراها بإنجازاتها، لهذا كانت هذه المصادر دائما حركة فكر متجدد يساعد مختلف الباحثين على إعداد دراساتهم عن الجوانب المختلفة من تراثنا الثقافي وتعزيز ثقة الناس بمنجزاته.

ومما لا شك فيه أن هذه المصادر طالما أمكنت الباحثين على دراسة موضوعاتهم المختلفة المعبرة عن حيوية تراث علمائنا الثقافي، فإنها قد كانت أحد مصادرنا في التعرف على تاريخ مجتمعاتنا القروية المندثرة والعامرة، فالإشارات التي وردت في هذه المصادر عن قرية معينة حتى لو كانت غير قائمة فعليا الآن فهي تعني حقيقة من الحقائق التاريخية التي شهد بها علماء بحرينيون كبار سابقون لأنهم عاشوها في الواقع التاريخي وسجلوها عن قرب، ونقلوها كإشارات من خلال ألقاب شائعة في مصادرهم، ومن الصعب على باحث مضلل التنكر للحقائق الدامغة طالما أن لها رصيدا كبيرا في هذه المصادر.

وأبرز الإشارات التي عرفنا فيها عددا من القرى البائدة والمندثرة ما كان يستخدمه كتاب التراجم لعلماء بحرينيين من ألفاظ كالألقاب الدالة على انتماءات العلماء ونسبهم الوطني والعلمي، فاللقب «البحراني» شائع في هذه المصادر بلا استثناء، ولتحديد أكثر دقة يلحق به لقب واضح دال على القرية مثل « البربوري، الغريفي، الفاراني، الدونجي، الهلتي، الرويسي» وغيرها من أسماء قرى بحرينية اندثرت، فتساعد هذه الألقاب الجامعة بين مقر «السكن في قرية محددة» وبين اللقب على تحديد هوية العالم من جهة وعلى معرفة قرى مندثرة لم تعد الآن قائمة وغير موجودة إلاَّ من إشاعة ألقاب العلماء التي تنسبهم إلى قراهم الأصيلة، فيقال الشيخ محمد الفاراني، والشيخ ناصر البربوري، والشيخ محمد بن الحسن بن رجب الرويسي، والشيخ عبد الله الغريفي، والشيخ محمود المعني، فهذه ألقاب مأخوذة من أسماء قرى مندثرة، وألحقت بلقب « البحراني » لتحديد هوية العالم بدقة واضحة.

وهكذا تمدنا مصادر دراسة التراث الثقافي لعلماء البحرين ببعض المعلومات اللازمة سواء ما يتعلق بوجود بعض القرى أو معرفة الظروف التي أدت إلى اندثارها سواء منذ زمن بعيد أو خرابها حديث عهد، أو من خلال ما قدمته هذه القرية من انجازات ثقافية، وما أنجبته من علماء وأساطين الحكمة والفقه والأدب والعلم، بل إن هذه المصادر تبين للقارئ الكريم الزمن أو المرحلة التاريخية التي زالت فيه قرية محددة وعوامل ذلك بإشارات مقتضبة غالبا، وبالتالي فإن هذه المصادر هي حاضنة التاريخ الثقافي لعلماء البحرين في عصور سابقة.

وما ذكرناه عن دور مصادر التراث الثقافي في معرفتنا بقرانا العامرة والمندثرة يمكن أن ينسحب على قرية «بربورة» التي كانت قائمة قبل أقل من قرن فخربت مع نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، وكان خرابها حديث عهد، لكنها تركت وراءها تراثا ثقافيا وتاريخا ومنجزات مطوية في بطون الكتب والمصادر الثقافية أو تعبر عن نفسها في ألسن الناس وما تبقى من آثار، ويشهد هذا التراث في النهاية على وجودها، ويتجذر مع الزمان لمقاومة المشككين حتى بالغ المتطاولون عليها في الإنكار والإلغاء وتغيير الهوية بطمس الحقائق واختراع أسماء ومحاولة تأسيس تاريخ جديد على أنقاض التاريخ العريق للقرية الذي يرغب الناس في التكيف معه لأنه ذاتهم التاريخية، وتعبير عن انتمائهم الحضاري للبحرين.

إننا نود أن يتم التعامل مع عناصر هذا التراث كظواهر إيجابية ذات تأثير في العقل والتفكير، فتراث علماء بربورة يستبطن الإيجابية في خصائصه المتعددة، فهو عنصر قوة على وجود القرية والعلماء الذين أنجبتهم، فكل ما شهدت به مصادر التراث الثقافي لعلمائها هو وثيقة تاريخية على وجود كيانها كمجتمع منتج للثقافة الاجتماعية، كما استبطانها لعمليات ثقافية رسا عليها النشاط الثقافي هو الآخر ظاهرة إيجابية في هذا التراث، وتولد عن ذلك إيجابية ثالثة بانطواء هذا النشاط على استخدام أساليب تربوية وتعليمية حتى لو كانت مماثلة للأساليب السائدة في البيئات التعليمية البحرينية، وهكذا فإن جوانب مضيئة بعثت بإشعاعاتها إلينا وأطلت بظلالها الوارفة علينا.

وأخيرا فإنَّ الغاية الأساسية لمجموعة الأبحاث الواردة في هذا الكتاب هي التأكيد على الوجود التاريخي للقرية التي لا يود البعض أن يستمر ذكرها على ألسن الناس، وكذلك ربط الذات البحرينية الحاضرة بتاريخها الثقافي المجيد، ثم فتح عيني القارئ الكريم على حقائق يراد لها أن تغيب أبدا، وكشف ما تمكنّا من التعرف عليه من انجازات علماء قرية «بربورة» التي تلتصق بالنويدرات في خاصرتها اليمنى، والتأكيد على الجوانب المضيئة في تراثهم الثقافي عسى أن يستلهم الهمم ويجد العزائم، فيتابع المتأخرون أمجاد الماضين... فرسان المعرفة.

ويتطرق هذا الكتاب الى محاور الهدف منها التعريف بقرية «بربورة» المندثرة، والقرية البحرينية وأدوارها في التنمية الثقافية، وبربورة في مصادر المؤرخين والنساخين، وعلماء بربورة في كتب التراجم.، بالاضافة الىالجوانب المضيئة من التراث الثقافي لعلماء «بربورة».

والله وراء القصد ،،،،

يوليو 2009م

يوسف مدن

العدد 2502 - الأحد 12 يوليو 2009م الموافق 19 رجب 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً