تطور صناعة السفن في البحرين

ذكرنا في الحلقة السابقة العثور على نماذج لصناعة السفن في الكويت يعود تاريخها للألف الخامس قبل الميلاد، ولكن لا نعلم بالتحديد حجمها أو كيف صنعت أو بما صنعت. وفيما يخص صنع السفن في جزر البحرين وشرق الجزيرة العربية فهناك ذكر لسفن دلمون في نقوشات تعود لفترة حكم سارجون الأكادي، أي في الألف الثالث قبل الميلاد في حدود 2200 ق. م. من تلك النقوش:

أن سفن دلمون جلبت إلى (اور نانشه) عطورا

عسى أن تجلب إليك العقيق الجذاب الثمين

وعسى أن تجلب إليك بلاد ماجان النحاس الجبار

أوثقوا سفن دلمون بالأرض

واحملوا سفن ماجان إلى السماء

وسفن دلمون هذه لم يعثر لها إلا على صور محفورة على الأختام الدلمونية التي عثر عليها في البحرين ومناطق مختلفة من الخليج العربي، أما الأثر الفيزيائي فلم يعثر إلا على مرساة إحدى السفن في موقع قلعة البحرين، وهي عبارة عن صخرة كبيرة منحوتة بشكل أقرب للبيضاوي (أبعادها 52 سم × 37 سم) وبها ثقب مربوط به حبل، ويعود تاريخها للفترة 2000 ق. م. - 1800 ق. م.


سفن دلمون والأختام الدلمونية

هناك توثيق للعديد من الأختام الدلمونية التي نقشت عليها رسوم لأنواع من السفن، ويرجح الباحثين أن هذه السفن صنعت من الأخشاب، وغالبية تلك السفن المنقوشة تبدو ذات رأسين، ولها صارية في الوسط ودفة في طرفها، وفي أحد الأختام يظهر شكل مثلث أعلى الصاري مما يرجح استخدام الأشرعة في ذلك الوقت المبكر.


أدوات صناعة السفن في دلمون

الأدوات المطلوبة لصناعة السفن في تلك الحقبة المبكرة عبارة عن الأخشاب والليف الذي يصنع منه الحبال سواء ليف النخيل أو ليف جوز الهند و أخيرا القار. الحبال والقار ليسا مشكلة ولكن التساؤل عن مصدر الأخشاب، فجزر البحرين في الوقت الراهن لا يبدو أنها تحتوي على مصادر جيدة لأخشاب لصناعة السفن، ولكن بالرجوع النصوص القديمة والدراسات الأركيولوجية يمكننا أن نميز أنواعا من الأخشاب التي كانت تصنع منها السفن في البحرين قديما منها ما مصدره أشجار تزرع في جزر البحرين وأخشاب أخرى تستورد من شمال حضارة الرافدين.


- الأشجار المحلية

من النباتات التي كانت تصنع منها السفن قديما هو نبات «القرم» والذي مازال موجودا ليومنا هذا، أما النبات الآخر الذي استخدم بصورة أكثر فيرجح أنه نبات السنط (acacia) وبالتحديد السنط النيلي المعروف بمقاومته للماء. لا توجد دراسة توثق وجود نبات السنط النيلي في جزر البحرين في الوقت الراهن، ولكن هناك توثيق لوجود أنواع من السنط بصورة نادرة في البحرين وكان ذلك في السبعينيات من القرن المنصرم وربما يكون أنقرض الآن. ولكن يرجح بعض الباحثين أنه قبل آلاف السنين كان السنط النيلي ينمو بصورة طبيعية في البحرين. سنعرض هنا دراستين تعرضتا لهذا النبات في جزر البحرين، الدراسة الأولى لويلكوكس في بداية التسعينيات من القرن المنصرم ويشير فيها لنص أورده ثيوفراستس نقلا عن قواد الأسكندر الذين زاروا جزر البحرين في القرن الرابع قبل الميلاد والذي جاء فيه:

«ويقولون إٍن في جزيرة تايلوس (أي جزر البحرين)، مقابل الساحل العربي، نوعا من الخشب يبنون به سفنهم، وإٍن هذا الخشب يكاد لا يتعفن في ماء البحر ويدوم أكثر من مئتي عام، إٍذا بقي في الماء، بينما يتفسخ في وقت أبكر إٍذا ظل خارج الماء، ولو كان خلال مدة قصيرة» ويرجح ويلكوكس أن النبات المعني هو السنط. وفي الدراسة الثانية لتينجبيرج و لمبارد في العام 2001م (باللغة الفرنسية) التي ركزت على بقايا النباتات التي عثر عليها في قلعة البحرين يتضح أن السنط النيلي كان ينمو على جزيرة البحرين في حقبة دلمون.

2# - الأخشاب المستوردة

كشفت دراسة تينجبيرج و لمبارد السالفة الذكر وجود آثار لأخشاب أشجار الصنوبر و أشجار الدردار في البحرين في حقبة دلمون، وأخشاب هذه الأشجار تستخدم في صناعة السفن و بالأخص أشجار الدردار المقاومة للماء. ويعتقد أن هذه الأخشاب كانت تستورد من شمال حضارة الرافدين.


طريقة صنع السفن في البحرين قديما

من المرجح أن السفن كانت تصنع بطريقة القشرة أولا السالفة الذكر في الحلقة السابقة، وأن الألواح يتم تثبيتها عن طريق خياطتها بالحبال المصنوعة من قشر نبات النارجيل (القنبار) أو تلك المصنوعة من ألياف النخيل، على أن أقدم وصف للسفن في الخليج العربي جاءت في كتاب «الطواف حول البحر الأحمر» لمؤلف يوناني مجهول و يرجح أنه كتب في القرن الأول الميلادي، وجاء فيه:

«ويحمل اللبان من قنا إلى عمانة (أي عمان) أيضا. وتحمل من عمانة إلى جزيرة العرب السفن المحلية المخيطة المسماة مدارات».

ويتضح من الوصف أنها سفن كانت تخاط ألواحها بالحبال، ويعلق جلازير (1890م) على مدارات بقوله «مدارات: المدرعات أي المربوطة بحبال ألياف النخيل». وقد عجز البعض عن تفكيك هذه الملاحظة، فالبعض يرجح أن كلمة مدرعات من العربية و هي جمع ومفردها مدرعة وهي مشتقة من درع. في الواقع إن كانت هذه السفينة موجودة في القرن الأول الميلادي فلابد أنها طورت من سفن معروفة في العهود الأقدم، ولا نمتلك دليلا على تواجد القبائل العربية على سواحل الخليج قبل الميلاد أو حتى القرن الأول الميلادي، فلا نعلم بالتحديد أصل الاسم «مدارات».


العرب وسفن الخليج العربي

عندما استوطنت القبائل العربية ساحل الخليج العربي في حدود القرن الثالث الميلادي خالطت الشعوب القديمة و تعلمت منها ركوب البحر، وخاصة البحرين وشرق الجزيرة العربية، فإن طبيعة منازل سكان البحرين فرضت جوا من الاتصال بالبحر. و تذكر الأخبار أن الخليج العربي عرف الازدهار التجاري منذ القرون الأولى للميلاد عندما كانت موانؤه تعج بالحركة وتستورد البضائع والمنتوجات من الهند والصين، ويرى المؤرخ أمانيوس أن عرب الخليج كانت لهم عدة موانئ وأنهم كانوا على مقدرة فائقة في استغلال ثروات البر والبحر، وكانت الأخشاب التي تبنى منها السفن عندهم تستورد من الهند، وتجلب في بعض الأحيان من المناطق الشجرية والغابات في أرض عمان. وكان في البحرين موانئ بحرية عديدة وأشهرها الخط والعقير، ودارين، والزارة، وأوال وغيرها، فالبحر والموانئ والموقع كلها تضعنا أمام حقيقة صنع سكان البحرين للسفن وركوبهم البحر.


صناعة السفن على سواحل الخليج

لم يتعلم العرب فقط ركوب البحر بل أيضا تعلموا صناعة السفن بنفس الطريقة التي كانت تصنع بها قبل استيطانهم للمنطقة، والطريقة التي صنع بها العرب السفن موثقة توثيقا دقيقا في المعاجم العربية القديمة وكتب الرحالة على مر العصور، حتى المصطلحات العربية التي وصفت صناعة السفن في تلك الحقبة ما زالت تستخدم حتى يومنا هذا. سنبدأ هنا بشرح تلك المصطلحات ونحن نَصفُ طريقة صناعة السفن.


- التقليف

التقليف هو خياطة ألواح السفينة ببعضها باستخدام الحبال، جاء في لسان العرب «قلفَ السَّفينَةَ قَلْفا: خَرَزَ أَلْواحَها باللِّيف، وجَعَل في خَلَلها القارَ نقله الجَوْهَريُّ كقَلَّفَها تَقْلِيفا، نقله الصّاغانِيُّ والاسْمُ القِلافَةُ ككِتابَةٍ». وما زال يعرف صانع السفينة ليومنا هذا بالقلاف حتى بعد استخدام المسامير الحديدية بقي اسم الصانع مشتق من فعل التقليف أي الخياطة.


- التدسير

ما يفهم من عملية التدسير هي عملية دق دسر أي أوتاد خشبية في الثقوب التي عملت في الألواح لعملية الخياطة، وذلك لإحكام غلق هذه الثغور، وقد ناقشناها في الحلقة السابقة في ذكر السفينة التي صنعها أوتنابشتيم المذكورة في ملحمة جلجامش. في المعاجم العربية تعرف الدسر بالمسامير التي تدق في السفينة أو الحبل الذي تخاط به الألواح أو كلاهما معا، ولا أحد يوضح ماهية هذه المسامير. وأما الفراهيدي المتوفى سنة 786 م في معجمه «كتاب العين»، وهو من أقدم المعاجم، فقد انفرد بمعلومة فريدة توضح لنا معنى الدسر، وهذه المعلومة توجد في هامش في المخطوط، وجاءت في نسخة المعجم الذي حققه كل من الدكتور مهدي المخزومي و الدكتور إبراهيم السامرائي، وقد جاءت كالتالي:

«جاء بعد هذه العبارة في الأصول المخطوطة: قال غيره: الدسر مسامير من خشب، وأهل الأندلس يعمدون إلى قشور شجر البلوط فيظاهرون بعضه على بعض ويدسرونه بمسامير الخشب ويركبون البحر فيه وإنما يفعلون لخفته، وأنه لا يغرق فإن دخله الماء أطالوه حتى يخرج الماء منه شبه الزورق» وسنرى لاحقا وصفا للتدسير عند ابن جبير.


- الجلفظة

تسميها العامة في الخليج القلفطة والجلفطة، وقد تغير مفهومها مع الزمن بعد زوال عملية خياطة الألواح فأصل المصطلح على ما جاء في المخصص لابن سيده:

«الجلفاظ - الذي يجلفظ السفن وهو أن يدخل بين مسامير الألواح وخروزها مشاقة الكتان ويمسحه بالزفت والقار».

وبما أن السفن الآن لا تخاط فقد أصبحت الجلفطة تعني سد الشقوق بين الألواح باستخدام خيوط من القطن مشربة بزيت السمك (الصل).


وصف صناعة السفن عند ابن جبير

قدم ابن جبير وصفا لمراكب الحج في البحر الأحمر المسماة «الجلاب» وذلك في كتابه الذي وصف فيه مذكراته التي وصف فيها رحلتة المعروفة برحلة ابن جبير، والتي سميت باسم « تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار» والذي كتبه نحو سنة 582هـ/ 1186م، حيث جاء فيه:

«والجلاب التي يصرفونها في هذا البحر الفرعوني ملفقة الإنشاء لا يستعمل فيها مسمار البتة إنما هي مخيطة بأمراس من القنبار، وهو قشر جوز النارجيل يدرسونه أن يتخيط ويفتلون منه أمراسا يخيطون بها المراكب ويخللونها بدسر من عيدان النخل، فإذا فرغوا من إنشاء الجلبة على هذه الصفة سقوها بالسمن أو بدهن الخروع أو بدهن القرش، وهو أحسنها، وهذا القرش حوت عظيم في البحر يبتلع الغرقى فيه. ومقصدهم في دهان الجلبة ليلين عودها ويرطب لكثرة الشعاب المعترضة في هذا البحر. ولذلك لا يصرفون فيه المركب المسماري. وعود هذا الجلاب مجلوب من الهند واليمن، وكذلك القنبار المذكور».

يلاحظ أن ابن جبير ذكر صناعة السفينة بخياطة ألواحها بخيط مصنوع من ليف جوز الهند أو القنبار، ثم علل سبب خياطة القوارب وعدم استخدام المسامير الحديدية وذلك لتكون الألواح مرنة لو ارتطمت بشعاب مرجانية وكذلك لو ارتطمت بساحل البحر، وذلك عندما تصعد السفينة على الشاطئ. فهناك خرافة منتشرة منذ القدم عن عدم استخدام المسامير الحديدية وهي أن السفن لو مرت بصخور المغناطيس سوف تتساقط المسامير الحديدية في البحر، وقد ذكرت هذه الخرافة عند الكاتب بروكوبيوس المتوفى في العام 565 م ويعتبر أقدم توثيق لهذه الخرافة.


تطور صناعة السفن

لاحظنا كيف كانت تصنع السفن عبر التاريخ منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وقد تم الحفاظ على تفاصيل تلك الصنعة وبناء القشرة أولا وخياطة الألواح بالحبال وباقي التفاصيل التي تطورت شيئا فشيئا، واستمرت الطريقة ذاتها مع تغيرات طفيفة حتى بداية القرن العشرين، ويبدو أن هذه الطريقة من الصناعة لها ميزاتها التي جعلتها تبقى وتستمر، ولا نعلم بالتحديد متى بدأ استخدام مسامير الحديد في بناء السفن في الخليج العربي إلا أن البعض يرجح أن بداية ذلك كان مع بداية الغزو البرتغالي لمنطقة الخليج وذلك في القرن السادس عشر الميلادي. وباستخدام المسامير بدأوا أيضا ببناء الهيكل أولا ومن ثم تثبيت الألواح بالمسامير في الهيكل. ثم إن استمرار الاتصال بالمراكب الأوروبية على امتداد السنوات التي أعقبت مجيء البرتغاليين أدى لإدخال تغيرات في أشكال السفن التي تصنع وبذلك خرجت طرزا جديدة من السفن وتعددت التسميات لها، وهي التسميات التي عاشت حتى القرن العشرين.


«البحارنة» وانتشار صناعة السفن

أشتهر شعب البحرين منذ القدم بصناعة السفن كما رأينا، وقد استمر أبناء دلمون وأبناء أوال في صناعة السفن وتميزوا بصناعتها، وقد أدى هجرة العديد من شعب البحرين لسواحل الخليج لانتشار تقنيتهم في صناعة السفن لتلك المناطق. ففي الكويت أسس شعب البحرين «فريج البحارنة» الذي أصبح مدرسة يخرج أساتذة بنائي السفن حتى أن دكتور يعقوب الحجي في كتابه عن صناعة السفن في الكويت يشير إلى أن مفردة «البحارنة» أصبحت مفردة بديلة تعني صانعي السفن. كذلك على سواحل الإمارات العربية المتحدة وبالتحديد سواحل دبي تأسس أيضا «فريج البحارنة» وبدأ مع تأسيسه تأسيس صناعة السفن. ذكر محمد التيتون في كتابه عن تاريخ صناعة السفن في البحرين أسماء لأساتذة بناء السفن هاجروا من البحرين وكذلك فعل الدكتور الحجي في كتابه.

العدد 2526 - الخميس 06 أغسطس 2009م الموافق 14 شعبان 1430هـ

التعليقات (2)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً