العدد 2526 - الأربعاء 05 أغسطس 2009م الموافق 13 شعبان 1430هـ

«فتح» ومؤتمر استعادة المبادرة

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

هل تنجح حركة «فتح» في تجاوز العقبات وتحتوي أزمتها الداخلية وتتقدم خطوة إلى الأمام؟ المؤشرات ترجح هذا الاحتمال لأن الخيارات الأخرى تعني التفكك والانهيار.

أزمة «فتح» كبيرة وهي متشعبة على مسارات مختلفة. فهناك أولا مسألة الهوية التي تميزت بها الحركة منذ تأسيسها ثم أخذت بمغادرتها تباعا إلى أن خف بريقها ولم تعد تشكل جاذبية للأجيال الفلسطينية الشابة والصاعدة. هناك ثانيا مسألة الخطاب السياسي وعدم قدرتها على تجديده وتأهيله ليكون في موقع الطرف الجاهز والقادرعلى استيعاب المستجدات. وهناك ثالثا مسألة البيروقراطية (تكلس مفاصل السلطة) وترهلها ما أعطى فرصة للخصوم أو القوى المنافسة على الحضور في ساحة كانت «فتح» تلعب دور القائد الفاعل في تعديل التوازنات. وهناك رابعا مسألة المصالحة أو التوفيق بين الخطاب التاريخي والبرنامج المرحلي والمهمات المباشرة التي تواجه حركة تحرر وطنية لا تزال في طور الاحتلال ولم تنجز مهمة الاستقلال وتحقق السيادة على أرضها ودولتها. وهناك خامسا مسألة الاستيعاب وما تتطلبه من حيوية تتكفل في قراءة ظروف المرحلة ومقتضياتها السياسية والثقافية والحياتية.

المهمات الخمس تشكل في مجموعها أزمة «فتح» الداخلية. ضياع هوية الحركة أضعف قدرتها على التمايز. وغموض خطابها السياسي أفسح المجال لنمو تيارات داخل الحركة لا تتجانس في تطلعاتها. وظهور قشرة بيروقراطية عطل عليها إمكانات التفاعل مع المحيط واستقطاب القوى الجديدة التي تطمح بلعب دور سياسي على الساحة الفلسطينية. والفشل في الربط بين الأساسي والمرحلي أعطى فرصة للقوى المنافسة أن تتزاحم في تقديم بدائل ترد على أسئلة تحتاج إلى أجوبة. وعدم القدرة على الاستيعاب أدى إلى نهوض تجمعات أيديولوجية مجاورة نجحت في استغلال الاكتفاء الذاتي لـ «فتح» وترددها في تنشيط أجهزتها لاحتواء تيارات كانت تبحث عن موقع ودور وتمتلك ذاك الاستعداد النفسي الذي يسمح بلعب وظائف اجتماعية في مختلف الميادين.

أزمة «فتح» داخلية أساسا وهي تشكلت من تلك المعطيات الخمسة ما فرض على قيادتها أن تتحرك بعد 20 سنة من المراوحة. والتحرك الذي بدأ قبل ثلاث سنوات، ردا على تحدي حركة «حماس» ونجاحها في تعبئة الفراغ بعد رحيل القائد المؤسس ياسر عرفات ومصادرتها الكثير من القطاعات التي كانت تسيطر عليها السلطة، لا بد في النهاية أن ينتج هيئة قادرة على الاستجابة للتحدي.

حتى الآن تختصر حركة «فتح» معركتها مع «حماس» في إطار الصراع على السلطة. وهذا الاختصار يشكل نقطة ضعف لـ «فتح» ويلعب لمصلحة حماس لأن الأخيرة قادرة على توظيف أخطاء السلطة (اتهامات الفساد والإهمال وغيرها) لإظهار قدرتها على إدارة الأجهزة بأسلوب أفضل. موضوع التنافس على السلطة يشكل نقطة ضعف «فتح» في المرحلة الراهنة باعتبار أن أخطاء التجربة تتحمل مسئوليتها منفردة في نظر الشارع الفلسطيني. لذلك فإن المطلوب من قيادة «فتح» البحث عن عناصر أخرى تعطي ذريعة لسلطة رام الله في مواصلة قيادة مشروع التحرر الوطني وتأسيس دولة ذات سيادة.

الخروج من عنق السلطة لا يعني مغادرة المواقع والتخلي عن المهمة التاريخية التي لم تتحقق حتى الآن، بل يتطلب إعادة إنتاج عناصر تجدد قنوات التواصل بين الأجيال وتعيد ربط الماضي بالحاضر من خلال إحياء مشروع «فتح» الذي توقف عن التفاعل مع المستجدات منذ التوقيع على اتفاقات أوسلو.

«حماس» ليست سلطة فقط ولا حكومة غزة ولا ذاك الانقلاب الذي ارتكبته بحق أهالي القطاع وإنما هي ظاهرة فلسطينية تشكلت من مجموعة روافد سياسية وثقافية واجتماعية طرأت تباعا في موجات شبابية على الشارع مستفيدة من الفراغ الذي نتج عن ترهل مفاصل «فتح» بسبب الاكتفاء الذاتي والاسترخاء.


أخطاء حماس

«حماس» الآن بدأت تدخل في تجربة الأخطاء وهي أخذت تتراجع عن خطابها الأيديولوجي منذ أن نجحت في السيطرة على غزة مستخدمة قوة الأجهزة للتحكم بشرايين الحياة في القطاع. وبسبب انجرار «حماس» إلى دائرة السلطة بدأ خطابها الأيديولوجي يتفكك بين دعوة للتحرير وأخرى للتفاوض السري مع تل أبيب وأخيرا للبحث في صيغة هدنة توقف إطلاق الصواريخ مقابل حكم ذاتي يضمن أمن «إسرائيل» ويحرس حدودها ويتابع تحويل القطاع إلى معتقل جماعي.

تجربة «حماس» في غزة التي انتهت بفرض رقابة على الصحف والهيئات المدنية والمؤسسات الأهلية ومطاردة الخصوم واعتقال المنافسين ومنعهم من السفر تشكل مادة غنية و يمكن الاعتماد عليها للكشف عن خطأ الانقسام وأضراره السلبية على الوحدة الوطنية والقضية الفلسطينية. ولكن كل هذه المواد الخام الطيعة ليست كافية لاكتساب عطف الشارع الفلسطيني واستعادة تلك الثقة التي كانت تتميز بها «فتح» تقليديا.

نقد سلطة «حماس» في غزة ليس كافيا للتعويض أو حتى المقارنة باعتبار أن موضوع الأزمة يتجاوز حدود إدارة السلطة مع طرف محلي منافس. قوة «فتح» تكمن في مكان آخر وهي تمتلك عناصر فعالة تتجاوز حدود المفاضلة بين سلطة في رام الله وأخرى في غزة. والعناصر الفعالة تبدأ بإعادة صوغ خطاب سياسي متصالح وطنيا في مواجهة الاحتلال. فالمعركة الأساس مع «إسرائيل» وحكوماتها وليست مع «حماس». وإعطاء الأولوية للرئيسيات على حساب الثانويات يسحب تلك الذرائع الأيديولوجية المتهالكة التي استخدمتها «حماس» في معركة التنافس على السلطة.

الآن انكشفت «حماس» أيديولوجيا حين بدأت تتراجع عن خطابها بعد نجاحها في السيطرة على قطاع غزة. وانكشاف خطاب «حماس» في المجال الميداني يعطي فرصة لخطاب «فتح» باستعادة شعبيته انطلاقا من ترتيب أولويات في برنامج مقاومة الاحتلال لا المنافسة على السلطة.

منافسة «حماس» تأتي في نهاية جدول الأعمال باعتبار أن من يقود المعركة ضد الاحتلال يمثل الإرادة الجامعة التي توحد الشارع تحت مظلة وطنية مشتركة. هناك الكثير من النقاط التي لم تستهلك في معركة الأولويات في الضفة والقدس تشكل إطارات سياسية للتمايز عن «حماس». المعركة ضد تهويد القدس تأتي أولا، والمعركة ضد توسيع المستوطنات ثانيا، ومعركة تحطيم جدار الفصل العنصري ثالثا، ومعركة إزالة الحواجز الترابية والعسكرية التي تفصل القرى والمدن عن بعضها رابعا، ومعركة المياه والآبار وتأمين المجاري الصحية خامسا، ومكافحة الفساد والترهل سادسا.

كل هذه النقاط تشكل أولويات لسلطة رام الله وهي في مجموعها تؤسس قوة تعطي شرعية وطنية للتفاوض مع حكومة الثنائي نتنياهو - ليبرمان. قوة السلطة تكمن في إعادة إحياء حركة «فتح» ونقطة ضعفها هي تركيز معركتها مع «حماس» على استرداد قطاع غزة.

ابتعاد «فتح» عن نقطة الضعف يخرجها من عنق زجاجة التنافس مع «حماس» على السلطة ويطلق حيوية مفقودة تحتاجها الحركة التاريخية لإعادة تجديد خطابها في إطار برنامج أولويات يؤكد يوميا وجود مهمات كثيرة ضد الاحتلال تتطلب تلك الجهود المكثفة لتحقيقها وانتزاعها. وتركيز «فتح» على هذا البرنامج الوطني بدعم ورعاية من السلطة في رام الله يولد صدقية سياسية جامعة تعطل على «حماس» إمكانات التنافس في ضوء فشلها الأيديولوجي في الممارسة العملية في قطاع غزة.

هناك الكثير من المعطيات الايجابية التي ظهرت في مؤتمر «فتح» السادس في بيت لحم. فالمؤتمر لم ينزلق إلى دائرة صغرى تختصر الأزمة بالتنافس على السلطة في غزة بل فتح الباب أمام قراءة المأزق من الداخل وملاحقة التشعبات الموزعة على مسارات مختلفة. وهذا الانتباه إلى المصادر المتنوعة للأزمة أعطى مؤشرات تدل على إمكانات تجاوز العقبات والتقدم خطوة إلى الأمام باتجاه استعادة «فتح» زمام المبادرة بعد انكفاء محدود فرضته الظروف وضروراتها.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2526 - الأربعاء 05 أغسطس 2009م الموافق 13 شعبان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً