العدد 2526 - الأربعاء 05 أغسطس 2009م الموافق 13 شعبان 1430هـ

لقطات صحافية من العراق الجديد

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

المعادلة في العراق تغيّرت... وعلى الخارج أن يتعامل مع هذه الحقيقة بحكمةٍ ومسئوليةٍ... وتفهمٍ واعتدال.

عندما تزور العراق اليوم وتلتقي مع المواطن العادي، تكتشف أن هناك شعورا عاما بأن كابوسا كان يجثم على الأنفاس قد انزاح.

الوضع الاقتصادي تحسّن، وهم يتكلّمون بالأرقام. الأمن تحسّن نسبيا والرواتب ارتفعت بصورة كبيرة، والمواطن أصبح بمقدوره أن يشتري الأجهزة الكهربائية، ولكن الكهرباء مازالت تنقطع، ففي اليوم الواحد ينقطع التيار عدة مرات، فما فائدة أن تشتري الأجهزة ولا تستفيد منها كما قال أحدهم.

في أحاديثهم اليومية، كثيرا ما تسمع عبارة: «يوم السقوط»، فهناك ما قبل وما بعد السقوط، فقد أصبح هناك يومٌ فاصلٌ في وجدانهم وتاريخهم الحديث. وتشعر أنهم ما كانوا يحلمون بانزياح الكابوس، وأنهم سيظلون يتذكرون آخر الطغاة طويلا، كما ظلوا يتذكّرون الحجّاج الثقفي. ويستشهدون على بشاعة حكمه بما فعله حتى بأزواج بناته من غدرٍ بعد أن أعطاهم الأمان. ويسوقونها للعبرة... أن أفراد عشيرته هم الذين أخرجوا جثته ومثّلوا بها، ثأرا لأقربائهم المغدورين.

مظالم الماضي القريب لم تُنسِهم الواقع السياسي الجديد الذي لم يستقر بعد، فهم ينتقدون الأحزاب وفي مقدمتها الدينية، ويشدّدون في الانتقاد، لشعورهم بخيبة أملٍ كبيرة. فالمواطن عادة لا يعرف النظريات، ولم يعد يؤمن بالخطب والوعظيات، خصوصا وهو يرى الصراعات الحزبية والتناحر على المصالح تعرّي الكثيرين. وهم لا يوفّرون أحدا من الأسماء الكبرى في الساحة، فلا رقابة أمنية ولا خوف ولا ملاحقة أجهزة، ويمكن لأي شخصٍ أن يشتم المالكي أو الحكيم أو البرزاني أو المشهداني أو السامرائي دون أن يتعرض له أحدٌ بسوء.

خلال أسبوعٍ قضيت أغلبه بين كربلاء والنجف، حاولت الحصول على الصحف عبثا، وعندما سألت قيل إن باعة جائلين يوزعونها مطلع الصباح فقط. هناك مكتباتٌ صغيرةٌ تبيع الكتب أغلبها دينية وفكرية وتاريخية، وهناك إقبالٌ على الشراء، وتزامن وجودنا مع معرض للكتاب شاركت فيه أكثر من خمسين دار نشر عراقية وعربية.

في المدن المقدسة -ولا أدري عن بغداد- من الصعب أن تحصل على خط إنترنت، ولكي تبعث بخبٍر مع صورتين للصحيفة، احتجت إلى ثلاث ساعات حتى تمكّنتُ من الوصول إلى المركز الإعلامي بالحرم الحسيني، وعبر وساطة أحد الفنّانين، لأكمل هذه المهمة البسيطة جدا. وفي اليوم التالي احتجت إلى ساعتين ونصف لأوصل خبرا آخر بمركز إعلام الحرم العباسي أيضا، فالبيروقراطية موجودةٌ حتى في المدن المقدسة... وهو ما دعاني للكفّ عن التفكير في إرسال أية أخبارٍ أو تغطياتٍ أخرى حتى الرجوع.

هذا الوجه لا يخفي الوجه الآخر للعراق، فهناك وعيٌ جديدٌ وإقبالٌ على الثقافة والعلم، وعندما تحضر أمسية شعرية هنا، تسمع شعرا فراتيا ينعشك حقا، فالعراق الذي أنجب المتنبي والحلي والجواهري، لم يعقم عن إنجاب حناجر شعرية جديدة، بعد أن جفّت في مناطق أخرى من العالم العربي. وتسمع من العراقيين أن بلدهم لو تُرك يتعافى دون إرهابٍ أو تدخلٍ من دول الجوار، لشهد نهضة حقيقية تعيد له الكثير من الأمجاد.

كثيرون يكتبون عن العراق من وراء مكاتبهم فتكون تصوراتهم أسيرة لما تنقله الفضائيات، ولكن عندما تذهب وتسمع وتقرأ وترى، تنكشف لك الكثير من الحقائق وتزول الكثير من الأوهام.

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 2526 - الأربعاء 05 أغسطس 2009م الموافق 13 شعبان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 6:24 ص

      إلى قاسم حسين

      كم أحترم قلمك الساطع يا استاذ قاسم لأنه يضيء لنا دائما جوانب فكرية ترتقي بمفهومنا لقراءة الحياة العصرية بتحضر ،واعتذر لك عن بعض الأخوة الذين لا يفهمون جوهر المقال بقدر ما يتمسكون بالقشور حيث هذا ديدنهم .. وهذا هو لب الخلافات

    • زائر 4 | 4:56 ص

      رجاء

      الواضح انك مشتاق للعراق وكما تقول العتبات المقدسه مع العلم ان القدسيه لثلاث اماكن فقط وهي مكه المكرمه والمديته المنورة و القدس الشريف فلم لاتطلب الجتسية العراقية وتعيش فيها خصوصا ان الوضع في تحسن والرواتب ارتفعت ... في الفقره قبل الاحيرة تقول ( او تدخل من دول الجوار ) ياريت تذكر الدول التي تتدخل في زعزعة الامن في العراق تمنياتنا للعراق بلازدهار

    • زائر 3 | 3:57 ص

      رزقنا الله العودة

      الله يتقبل يا سيد، ومشكور على المقالات من قلب كربلاء، هيجت أشواقي للعودة والزيارة، بس على فكرة في مقاهي انترنت وايد في كربلاء، في زيارة الأربعين وكنت أحصل بالراحة، حتى فيهم مولدات كهرباء تحسبا للانقطاعات المتواصلة!

    • زائر 2 | 3:07 ص

      كتّاب الفضائيات

      فعلا الكثير من الكتاب في الصحف ، لا يقدم اي جهد من أجل الكتابة ، إنما ما يسمعه في الاخبار يصيغه بطريقة جديدة على الورق ويقوم بنشره، مبادرتك لزيارة العراق واكتشاف الاوضاع فيها عن قرب ، هي ما تعطي كتاباتك مصداقية وقوة تجاه ما يدور في العراق ، فنحن نأمل منكم الكثير من الكتابة عن هذا البلد المعطا.

اقرأ ايضاً