العدد 239 - الجمعة 02 مايو 2003م الموافق 29 صفر 1424هـ

سورية «والنموذج الأميركي» في العراق

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

بدأ وزير الخارجية الأميركي كولن باول زياته إلى سورية ولبنان بعد أن أنهى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد جولته في منطقة الخليج متفقدا قواته في بغداد. زيارة باول تختلف عن جولة رامسفيلد. الأول يأتي ليفتح ملف نقاط ساخنة ترى واشنطن أن حلها على طريقتها هو الأسلوب الواجب اتباعه قبل التحرك على مستوى حلحلة المسائل العالقة في أزمة «الشرق الأوسط». والثاني انهى جولته مستعرضا قوته في العراق ومتهما بعض دول المنطقة بمخالفة السياسة العامة للولايات المتحدة.

زيارة باول هي الأهم. فوزير الخارجية كما يبدو من تصريحاته أطلق سلسلة أفكار يقول إنه يريد طرحها بوضوح وصراحة وهي في مجموعها تؤشر إلى نوع من السياسة الهجومية على سورية. باول لم يتردد في الكلام عن جغرافيا سياسية جديدة في منطقة «الشرق الأوسط» وان ما حصل من حرب على العراق انتج معادلة اقليمية تختلف عن تلك التي كانت سارية قبل 19 مارس/ آذار الماضي.

وكلام باول في هذا المعنى يختلف في إطاره الشكلي عن ذاك الذي ردده رامسفيلد بعد نجاح القوات الأميركية في دخول بغداد واختفاء رموز النظام العراقي السابق.

رامسفيلد بعد فوز قواته عسكريا ركز اتهاماته على مجموعة نقاط أمنية تتعلق بالنهاية العامة للحرب الأميركية على العراق. وحدد هجومه السياسي انطلاقا من سلسلة أفكار سخيفة من نوع أن دمشق ساعدت بغداد عسكريا (مناظير ليلية) وسهلت هروب بعض قادة النظام أو أعطت بعضهم الآخر حق اللجوء المدني أو... وهذا هو الأسخف في كلام رامسفيلد أن النظام السابق هرب «أسلحة الدمار الشامل» من صواريخ بعيدة المدى وقنابل بيولوجية وكيماوية إلى سورية وطالب دمشق باعادتها أو السماح لفرق دولية بالتفتيش عنها كما ذكر رئيس الحكومة الإسرائيلي أرييل شارون.

الآن وبعد مرور قرابة الشهر على سقوط نظام بغداد (9 أبريل/ نيسان) اختلف الكلام الأميركي وانتقل من التركيز على النقاط الأمنية كما ورد في تصريحات رامسفيلد إلى التركيز على النقاط السياسية كما بدأ يظهر من كلام في تصريحات وزير الخارجية.

باول في هذا المعنى أهم وأوضح... وربما الأخطر في الكلام الجديد الذي أخذت واشنطن تبلوره لتبرير سياستها الهجومية على سورية. الكلام عن تعاون دمشق مع نظام بغداد السابق تراجع (لخفة منطقه وسخافته) ليتقدم إلى مكانه المزيد من الكلام عن استراتيجية أميركية جديدة في «الشرق الأوسط» تستفيد من نتائج الحرب على العراق. والكلام هو محاولة من واشنطن لاستثمار نجاحها العسكري وتحويله إلى انتصار سياسي على مجموع دول المنطقة.

الرد السوري كان أوضح من صراحة باول. وخلاصته ان دمشق مستعدة للحوار ولكنها ليست مستعدة للرد على حوار يصاغ بأسلوب مطالب. والمطالب الأميركية كما أشير إليها في تصريحات المسئولين من وزراء وأعضاء في الكونغرس تتلخص بنقاط لها صلة بالقضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والسورية. إلا أن المسئولين في واشنطن لا يشيرون إلى هذه النقاط بعناوينها الحقيقية بل يضعون لها مسميات جديدة وعناوين مختلفة مثل حزب الله، والوجود السوري في لبنان، والمكاتب الاعلامية لحركات المقاومة الفلسطينية (تحديدا الجهاد وحماس). واشنطن لا ترى في الأسباب مبررا لنشوء هذه الحركات والمنظمات بل تنظر إلى نتائج الاحتلال الإسرائيلي باستقلال عن الاسباب. فرد الفعل برأي أشرار البنتاغون لا صلة له بالفعل وزوال الاحتلال برأي هذه الحفنة من المجانين لا علاقة له باضمحلال المبررات التي قامت من أجلها حركات ومنظمات الاستقلال والتحرير.

عزل النتائج عن الأسباب هو خلاصة تصريحات باول عن أزمة «الشرق الأوسط» وقضايا الصراع العربي - الإسرائيلي. فالاحتلال برأي أجهزة التخطيط في البنتاغون لا صلة له بـ «الارهاب». فالأخير يأتي من «الكراهية» لا من الحق والحقوق، ومعالجة «الكراهية» مسألة مستقلة عن تلك التي لها صلة بالاحتلال الإسرائيلي ونتائجه السياسية.

إضافة إلى عزل النتائج عن الأسباب هناك مسألة أخطر وهي قلب الحقائق ووضعها بطرق متعاكسة. مثلا «إسرائيل» تملك أسلحة الدمار الشامل، وتملك الصواريخ والطائرات الحديثة القادرة على نقل رؤوسها إلى آلاف الأميال مهددة دول المنطقة كلها المجاورة أو البعيدة... مع ذلك تقول تل أبيب إنها خائفة وتطلب من الولايات المتحدة حماية أمنها في المنطقة. وبسبب سياسة قلب الحقائق تدعي واشنطن أنها مكلفة بحماية «إسرائيل» من جيرانها ولذلك قدمت وتقدم إليها المزيد من الأسلحة الفتاكة والمزيد من الدعم المالي (مليار دولار) وضمانات القروض (ثمانية مليارات إضافية).

«إسرائيل» دولة تحتل أراضي الغير، وتخالف القوانين الدولية، وتعارض تنفيذ قرارات صدرت عن مجلس الأمن منذ العام 1967 وجدد صدورها في العام ,,1973. هذه الـ «إسرائيل» برأي أشرار البنتاغون دولة خاصة ويحق لها ما لا يحق لغيرها وعلى الدول المجاورة الاعتراف بهذا الأمر والاقرار به سلما... وإلا فإن واشنطن مستعدة لتكرار تجربة العراق مع أية دولة أخرى مجاورة.

قال الرئيس الأميركي جورج بوش في خطبة من خطبه بعد فوزه العسكري على نظام بغداد إن العراق سيتحول إلى «نموذج» لدول المنطقة. البعض فهم من كلامه أن الولايات المتحدة تطمح إلى تحويل العراق إلى دولة ديمقراطية دستورية تحترم القوانين والاعراف والجيران وتصبح قدوة في مثالها السياسي للدول المجاورة.

هذا التفسير خطأ. هناك تفسير آخر لكلام بوش وهو الأقرب إلى الواقع منه إلى المثال (النموذج) وهو أن الولايات المتحدة تطمح إلى تحويل العراق إلى دولة محتلة تسيطر عليها القوات الأميركية وتستخدم قواعدها ومطاراتها إلى مهابط للطيران وممرات للهجوم على دول الجوار والجيران مطيحة بكل القوانين والأعراف الدولية كما سبق وفعلت في حربها على العراق.

إذا ربطنا كلام بوش عن «النموذج» العراقي بكلام باول عن سورية ومعادلة الشرق الأوسط والجغرافيا السياسية في المنطقة عشية وصوله إلى دمشق وبيروت نفهم مقاصد الرئيس الأميركي عن «الدولة - النموذج» في العراق.

والنموذج الذي قصده حاكم واشنطن لا صلة له بالدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة وانما هو إشارة إلى تكرار تجربة العراق في مكان آخر.... وفي الزمان الذي تختاره إدارة البيت الأبيض.

وهذا هو «بيت القصيد» من كلام باول عن معادلة جديدة في منطقة «الشرق الأوسط». فهو كلام موصول وصلته مرتبطة بالمصالح العامة للمشروع الأميركي واستراتيجية الهجوم الدولية التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة والعالم

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 239 - الجمعة 02 مايو 2003م الموافق 29 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً