العدد 1591 - السبت 13 يناير 2007م الموافق 23 ذي الحجة 1427هـ

«المراجل» الطائفية والابتزاز الوطني!

خالد المطوع comments [at] alwasatnews.com

في هذه المرحلة الحساسة بالذات بعد عملية إعدام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، والتي ربما اعتبرت أكبر نقطة انتصار سجلها الدكتاتور لنفسه ولأتباعه ومريديه في أنحاء العالم، في حين أساء ذلك كثيرا إلى سمعة وصورة «الدولة العراقية»، وأشعل في المنطقة سجالا حاميا شهد تصادم رؤى وانطباعات حسية متفاوتة تجاه عملية الإعدام من تعاطف إلى شماتة!

لا أعتقد أننا في هذه المرحلة بحاجة إلى من يذكّرنا ويفتح لنا ملفات جرائم وفظائع صدام حسين ونظامه بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة، فالصورة أصبحت واضحة جيدا لدى القريب والبعيد بل وفاقعة إلى حد إزعاج المشاهدين وتكسير أنظارهم، سواء أكان هذا قبل سقوط نظام صدام، أو بعد إعدامه وجرائمه وخفايا أسراره وحطام الوحدة الوطنية العراقية. كما أننا لا نتوسل أن يتم تعليمنا وتهجئتنا وفقا لأبجدية المظلوميات لا المظلومية الطائفية الواحدة التي خلفتها تركة النظام العراقي المنتهي، ليتم تارة تذكيرنا إياها بنية طيبة عسى أن نتعظ ويتعظ غيرنا، وفي تارات أخرى نخضع لابتزازها الطائفي والاثني مرارا وتكرارا في شتى المحافل ومختلف الأصقاع.

أعتقد ان الحاجة تكبر في هذه المرحلة أن تترك كل جماعة وفئة وطائفة ودويلة اصطناعية ولو من عدم ما تتمسك به من قش وثنايا مصالح، وذلك صوب رقبة العراق التي أصبحت هي الأخرى في نطاق المشانق الغليظة المعلقة، ولو تم الشنق بلا كيس أسود، وناحية بدن هذا العراق المكبل والمحاصر بالميليشيات الطائفية وعصابات الإرهاب والتكفير الديني وفرق الموت الطائفية والمسئولين المستذئبين استخباريا في جنح الظلام الما بعد وطني! أقولها باختصار من بعد إعدام صدام، فلنتحدث عن الأضحية المقبلة وهي إعدام العراق وخزينه الحضاري وهويته الوطنية المدنية. لنتحدث عن مظلوميات الأبناء والأحفاد والأجنة في البطون التي لم يثقبها رصاص أو «دريل» في أن يحظوا ولو بفرصة أخيرة في رؤية وطنهم الذبيح، قبل أن يصبح خالي الوفاض كالروح، أو ينل من بياض الرماد أو حمامة السلام!

في زمن «المراجل» الطائفية، حيث في العراق يتم عبثا تطييف المقاومة العراقية الوطنية الباسلة التي تستهدف الاحتلال وجنده وعملاءه ليكون شرفها حكرا على أهل السنة والجماعة رغم بروز أطياف وطنية أخرى على رأس هذا التيار المشرق ممثلا في تيار الخالصي ومواقف المرجع الشيعي آية الله أحمد البغدادي وغيرهم الكثير، كما يتم في لبنان مهاجمة المعارضة الوطنية الشريفة على رغم حقها في التظاهر والاعتصام السلمي الذي يأتي امتدادا طبيعيا لمشروعية مطالبها، فتتهم بالعمالة للخارج السوري والإيراني «المستحب»، وبتصدير «الصفوية» تارة أخرى من قبل من دأب على امتصاص رائحة الدولار من بين أصابع الامبريالية الصهيوأميركية العالمية التي يغض النظر عنها، وعن غيرها من قوى استعمارية واستكبارية أخرى غرزت وتغرز حاليا أصابعها الطويلة البارزة في الجسد اللبناني حتى آخر عظم.

بين كلا الضفتين بحر شاسع من السخرية والسباب اليباب للجثة القومية الكبرى، وإشهار الإلحاد بالروح الوطنية الواسعة، وإن تمت التمتمات بتسابيحها عرفا لذكرها في محافل الاستذكار والتصنع السياسي. للأسف القومية العربية تسب وجثمانها بنهض ليس من جانب خطيئة الممارسة العملية والتنظيمية ومن سوء «النمذجة» وإنما من جانب القلب المتقد حرقة ولوعة، على رغم كونها الحاضنة التاريخية الأكثر تماسكا في حفظ الصهير الوطني سواء تردد صدى ذلك في واقع محلي أم إقليمي، فلا يسمح لكل من هب ودب ولكل طائفي لم يفطم بعد أن ينكر ذاك التاريخ مفسحا الطريق أمامه لعدمية سوداء غير محمودة العواقب!

استطاب لهذه «المراجل» التي تعيش أحلى أيام عمرها الطائش أن يغلى كل ما أن يكون قابلا للهضم في كل مقلاة طائفية، أكان بصلصة وخلطة «صفوية» صفراء، أم الاستعانة ببهار»أموي» لاذع تحت نيران إقصائية وتكفيرية، على شرف الراحلين والآبدين أمثال «الزرقاوي» أو «أبو درع»!

كما استحلى لها سرعة تحويل الخلافات السياسية والأيديولوجية التاريخية إلى مواجهات واصطدامات حضارية شاملة لم يشفع لها إرث واسع من المشتركات والمتحدات التراثية مادة وروحا، وسرعان ما يتم التقافز حينها من أوحال السياسة المتعكرة إلى أخاديد «الانثروبولوجيا» البشرية عسى أن يبسط حكم اليقين الطافي حول طرفان لا يلتقيان رغم اتحاد نسيجهما الحضاري والثقافي! وأن تبني لها شرفا ووجاهة اجتماعية وبريقا سياسيا من تلك «العرضة» و»المرجلة» و»الاسترجال» الطائفي ليلا نهارا سرا وجهارا، ويكون لها عرش وسط طبقتها الكالحة.

كما أنه ليس غريبا أبدا أن ينفر لدينا محليا في ميدان التصريحات عقب الإعدام الطائفي أحد كبار رجال الأعمال في المملكة ليشيد بإعدام صدام مستخدما للأسف خطابا سخيفا ونبرة طائفية فاقعة، على رغم كونه مشهورا بــ«ليبراليته» المعهودة في مجال التجارة والأعمال، اللهم إن لم تكن تلك «الليبرالية» الرأسمالية الممجوجة إلاّ انتهازية تروم خلق زعامة وكاريزما اجتماعية طائفية في عالمنا هذا، عالم الاسترجال الطائفي!

للأسف نحن في زمن الابتزاز الوطني والقومي والعالمي! ولا ننسَى أنه مع هذا الاستعراض المحموم لــ«المراجل الطائفية» في عصرها الذهبي مع الدعوة لاجتثاث القومية الوطنية لاستبدالها بالوطنية الهلامية الفضفاضة التي لا تتأتى إلاّ بتلقيح مستمر من الدولارات، وحتى يكون هنالك نوع من المودة والحميمية المكتسبة بين فرد منا وآخر لابد من الوعظ والتذكير بأننا سنة وشيعة عربا وكردا نعيش جميعا سواسية في زمن الابتزاز من قبل الاحتلال الصهيوأميركي بكل ما في الجسد النابض من روح، حيث يبتز الرئيس الأميركي بوش الدول العربية «السنية» المجاورة للعراق بأنها في خطر جارف يهدد بقاءها في حال انسحاب الولايات المتحدة وحلفائها من العراق، ربما بسبب مد «سلفي الجهادي»، أو مد «إيراني صفوي»!

في المقابل يبتز بوش الأشقاء «الشيعة» في العراق بمسمى الحفاظ على حقوقهم ومكتسباتهم التاريخية وحماية أرواحهم من عربات التكفيريين النارية ومفخخاتهم القابلة للانفجار ولو بين الطفل الرضيع وحضن أمه! ويتم ابتزاز أهل السنة والجماعة بدعوى منحهم بعض الحقوق وتوسيع حيز مشاركتهم السياسية، وقبلها جميعا حمايتهم من الإبادة والتطهير والتهجير الطائفي الذي تمارسه بحقهم فرق الموت والميليشيات الطائفية المسنودة خارجيا وداخليا من قبل أطراف متنفذة في «وزارة الداخلية» العراقية.

ويتم ابتزاز بعض القيادات الكردية بتهديد العرب لهم، وإمكانية إقامة دولة وكيان تاريخي لهم في حال ما واصلوا تعاونهم مع الاحتلال وتحالفهم التاريخي مع الصهيونية العالمية! ويتم ابتزاز الدول الأوروبية والعالمية من أنه في حال تم الامتناع عن دعم «الحرب ضد الإرهاب»في العراق فإن ذلك يعني إمكانية تعرضهم للخطر بسبب كون العراق بات بؤرة لتصدير الإرهاب والخراب عالميا!

فيكون الابتزاز وطنيا وإقليميا وعالميا في وقت واحد، في حين لا يتجرأ أحد على أن يبتز الولايات المتحدة وحلفاءها في العراق نظير ما مارسوه من تدمير بربري وهمجي للعراق ككيان وحضارة، ولما سرقوه من ثرواته وخيراته، وما سفكوه من دماء أبنائه وبناته، وما حرقوه من خضرة أشجاره، وما جففوه من رواء أنهاره!

لا يجرأ أحد من «مرجلة» الطائفية على ابتزازهم وتذكيرهم بأن غزو العراق لا يعدو أن يكون عبارة عن سطو مسلح لمصرف مركزي مهما قيل ومهما نفخ في الأبواق!

إقرأ أيضا لـ "خالد المطوع"

العدد 1591 - السبت 13 يناير 2007م الموافق 23 ذي الحجة 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً