العدد 2247 - الخميس 30 أكتوبر 2008م الموافق 29 شوال 1429هـ

الصراع على علة الزمان

المسلمون والاختلاف على تعريف الزمان وعلته (3)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

في كتابه «الزمان في الفكر الإسلامي» تناول الباحث إبراهيم العاتي فكرة الزمن عند ابن سينا (370 - 428 هجرية 980 - 1037م) ومحمد أبي بكر الرازي (251 - 311 هجرية 865 - 923م) والشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري. فوجد أن الزمان عند ابن سينا هو «كم أو مقدار لكنه ليس مقدارا للمتحرك وليس مقدارا للمسافة، وهو مقدار الحركة لكن ذات الحركة غير ذات الزمان، والزمان موجود بشكل موضوعي وهو عدد الحركة إذا انفصلت إلى متقدم ومتأخر لا بالزمان بل بالمسافة، والزمان موجود في المادة يتوسط الحركة فبدون حركة لا يوجد زمان، ويشكل «القبل» و «البعد» أساس التغيير، لأن الزمان لا يوجد إلا مع تجدد حال ويجب أن يستمر ذلك التجدد وإلا لم يكن زمانا أيضا، وبما أن الحركة متصلة فالزمان متصل». بينما يرفض ابن الجوزي (توفي 597 هجرية) مساواة المعلول للعلة ويرى أن «الزمان مخلوق وليس قبل الزمان زمان» (تلبيس إبليس، ص 64).

ويرى الرازي «أن الزمان موجود. وأن وجوده بديهي لا يحتاج إلى البرهان». ويقسمه إلى أول و «هو الزمان المطلق وهو المدة والدهر، قديم متحرك غير ثابت» وثانٍ وهو «الزمان المضاف أو النسبي الذي يعرف بحركات الأفلاك وجريان الشمس والكواكب». وميز «بين المدة وبين الزمان بوقوع العدد على أحدهما من دون الآخر» لأن «الزمان المقدر بالحركة يبطل ببطلان المتحرك، ويوجد بوجوده إذ هو مقدر حركته، بينما الزمان المطلق هو المدة قدرت أو لم تقدر، فليست الحركة فاعلة المدة بل مقدرتها، ولا المتمكن فاعل المكان بل الحال فيه».

يختلف المعري عن تفسير ابن سينا الحسي للزمان. فالزمان في نظر الشاعر الفيلسوف «ليس الحركة» لذلك لا ينبغي أن يوصف كما توصف الحركة بالسرعة والبطء، فهو «أبدي أزلي لا بداية لوجوده ولا نهاية». ويشبه المعري الزمان «بالوعاء الذي يشتمل على الحوادث» فهو لم يميز «بين الزمان والدهر واستعملهما بمعنى واحد». ويرى أن حقيقة الزمان «تختلف عن حقيقة المكان لأن أصغر جزء من المكان لا يمكن أن يشتمل على شيء» بينما «الزمان شيء أقل جزء منه يشتمل على كل المدركات».

إلى الزمان يختلف الثلاثة (ابن سينا والرازي والمعري) على مفهوم «الآن» أو الحاضر (اللحظة) إذ لم يأتِ الرازي على ذكره «في وقت أكده المعري وابن سينا». فمفهوم «الآن» عند ابن سينا هو «الحد المشترك بين الماضي والمستقبل» بينما يرى المتكلمون «أن الزمان مركب من لحظات أو آنات منفصلة متتالية» بينما يراه ابن سينا «كم متصل من آنات متوالية». ويخلص إبراهيم العاتي في بحثه عن فكرة الزمان عند المسلمين إلى أن ابن سينا والرازي والمعري حاولوا «العبور بفكرة الزمان من مجال الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة ومن النسبي إلى المطلق ومن الزمانية إلى السرمدية».

إلى مسألتي الزمان والصفات بدأ الاختلاف يتفرع زمنيا من جهة إلى أخرى وأخذت تنمو على ضفافه منظومات فكرية انشغلت في تغليب النقل على العقل وغيرها تغلب العقل على النقل وأخرى تخلط بينهما. فلم تعد مشكلة الاستخلاف هي القضية بعد أن ترسخت دعائم الدولة وراثيا، منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، فانحرف النقاش إلى بحث مسألة الاستخلاف نصيا لا سياسيا. وبات السؤال لمن السلطة العليا؟ ولم يكن قصد الفقهاء والفلاسفة وأهل السلف من بحث مسألة السلطة الجانب السياسي الزمني للحكم بل الجانب النصي للحاكم. فسؤال لمن السلطة كان يتعلق بمن يحكم الحاكم بالعقل أو بالنص وتاليا من يتحكم بالآخر العقل أم النص.

دار الجدل حول السلطة (أحاديتها أو ثنائيتها) واستمر من القرن الرابع الهجري (الفارابي) الذي كان يشدد على فكرة «العقل الفعال» إلى مطلع القرن السادس الهجري عندما أوضح الإمام الغزالي أن هناك العقل وهناك من هو وراء العقل أو «حاكم العقل».

يميز الباحث البير نصري نادر بين نظرية «الفيض» عند ابن سينا واختلافها عن الفارابي. فالفيض عند ابن سينا «ثلاثي لا ثنائي مثل ما قال الفارابي». فعند ابن سينا هناك العقل الأول ويلزم عنه عقل تحته أو عقل ثانٍ هو النفس إلى أن يصل إلى العقل العاشر وهو «العقل الفعال» وهو واهب الصور لأن «واجب الوجود أبعد من أن ندركه نحن، فهو ليس علتنا ولا غايتنا». ويرى نادر أن «كلا من الفارابي وابن سينا اعتنقا النظرية الغنوصية» وهي التي تجعل «الفيض عن طريق التعقل».

كانت بدايات التفلسف دينية (القرن الهجري الأول). ثم اختلطت الفلسفة الدينية بالفلسفة اليونانية من الثاني الهجري إلى نهاية القرن الخامس. بعده انقسمت الفلسفة إلى مدارس وبدأ الاستقلال المعرفي للفلسفة الإسلامية عن الأنظمة الأخرى وانطلقت من مطلع القرن السادس الهجري وصاعدا (أبوحامد الغزالي).

لم تنهض الفلسفة الإسلامية دفعة واحدة ولم تكتمل زمنيا في فترة محددة بل تمرحلت في تطورها وانقسمت على نفسها. في المرحلة الأولى كان الدين هو الفلسفة ثم تدرجت على هامشه نحو تشكل منظومة فكرية مستقلة في القرن الثالث الهجري. ولعب تيار المعتزلة الفلسفي دورا تأسيسيا في الأمر من أبي الهذيل العلاف (توفي 230 هجرية) وإبراهيم بن سيار النظام (توفي 230 هجرية) ثم الجاحظ (توفي 255 هجرية). ثم تفرعت الفلسفة وخرجت عن طورها الأول وبلغت قمتها في سياق مستقل عن حركة المعتزلة على يد الفارابي (توفي 339 هجرية) فارتقت عنده إلى القمة ثم جاء ابن سينا (توفي 428 هجرية) ثم دخلت في مرحلة جمود إلى أن أقدم الإمام الغزالي (توفي 505 هجرية) على توجيه ضربة إلى هذه المدرسة وأصل الفلسفة إسلاميا على قواعد مختلفة. وانشقت الفلسفة بعد رحيل الغزالي إلى تيارين خط الحكمة (فقهاء الفلسفة) وخط الشريعة (فلاسفة الفقه).

يؤكد نظام الترابط المعرفي الإسلامي الذي تشكل تاريخيا بتدرج زمني على مسألة مهمة وهي أن الاختصاص أو الاختلاف لم يكن متوافرا في بدايات القرون الثلاثة الأولى لكن الاستقلال الذي تم لم يحصل لو لم تتوافر له كل التراكمات التي تجمعت بجهود مضنية امتدت على أكثر من 200 سنة.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2247 - الخميس 30 أكتوبر 2008م الموافق 29 شوال 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً