العدد 1699 - الثلثاء 01 مايو 2007م الموافق 13 ربيع الثاني 1428هـ

عزمي بشارة وتصفية القضية الفلسطينية!

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

تستطيع أن تتفق أو تختلف، قليلا أو كثيرا مع أفكار ورؤى عزمي بشارة، المناضل والمفكر الفلسطيني المعروف... ولكنك لا تستطيع إلا أن تتضامن معه في أزمته الحالية!

عزمي بشارة، الذي لم يرفع السلاح ولم يطلق الصواريخ ولم يقتل فردا واحدا، أصبح متهما من جانب «إسرائيل» بالخيانة وبالتجسس لصالح دول وقوى معادية لـ «إسرائيل»، هما أساسا سورية وحزب الله اللبناني!

هو فلسطيني قح من عرب 1948، الذين يعيشون في «إسرائيل» داخل ما يسمى بالخط الأخضر، ضمن نحو مليون وربع المليون فلسطيني، حملوا قسرا الجنسية الإسرائيلية، وعاشوا في ظل قانونها ونظامها على غير مرادهم، تمسكوا بالأرض وتشبثوا بالبقاء على رغم كل جهود «إسرائيل» لتهجيرهم وطردهم، مثل ملايين غيرهم سبقوهم إلى الشتات والجوع والضياع!

كان كثير من العرب يتهمونهم في الماضي بالخيانة، لأنهم يحملون جواز السفر الإسرائيلي، أصبحت «إسرائيل» تتهمهم الآن بالخيانة، لأنهم خانوا الدولة التي يحملون جنسيتها ويعيشون في ظلها.

لذلك فإن قضية عزمي بشارة المثارة بعنف حاليا، ليست مجرد قضية فرد، لكنها في الحقيقة قضية رمز للفلسطينيين الذين على رغم عيشهم داخل «إسرائيل»، مازالوا يرفضون «إسرائيل»، يعارضون الفكرة الصهيونية التي تبناها مؤتمر بازل في أواخر القرن التاسع عشر، بإقامة دولة يهودية خالصة، يعود إليها يهود العالم من الشتات «الدياسبورا»، والتي ترجمها وبلورها الكتاب المرجعي الشهير «الدولة اليهودية» ورسخها وعد بلفور المعروف، ونجحت العصابات الصهيونية مدعومة بالمساندة البريطانية والأوروبية والأميركية في تحويل الحلم إلى دولة قائمة على جثث الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين.

ومن اللافت للنظر أن توجيه «إسرائيل» تهمة الخيانة والتجسس لعزمي بشارة في هذه الأوقات، وهو عضو الكنيست لثلاث مرات (قبل أن يستقيل منذ أيام) ويرأس المجتمع الوطني الديمقراطي، أثيرت لتطعن رمز العرب داخل «إسرائيل»، بينما يتسابق العرب وخارج «إسرائيل»، للتفاهم والتفاوض معها، تحت شعار إعادة تسويق المبادرة العربية، وهدفهم المعلن أو المخبوء، هو تصفية القضية الفلسطينية بأي ثمن وبأي تضحيات!

التناقض واضح، فالعرب جميعا يريدون التفاهم والتصالح بالتسويق والترويج والتزويق، و «إسرائيل» توجه الطعنات واحدة بعد أخرى، لعرب الخط الأخضر، ولعرب غزة والضفة، ثم توجه الصفعات لعرب الخارج، من المحيط إلى الخليج... تريد التطبيع والتفاوض المباشر مع الجامعة العربية، ومع الدول التي كانت حتى الأمس ترفض وتمانع، ولكنها هي ترفض التنازل أو حتى التفاهم بشأن حقوق الفلسطينيين الشرعية، المعترف بها دوليا.

وبقدر ما أن حكومة أولمرت، أضعف حكومات «إسرائيل» قاطبة، تعيش أزمة الضعف العام وهشاشة العظام وتهاوي القوى، بقدر ما تستقوي على العرب المقبلين الآن عليها، زرافات ووحدانا... ولذلك فإنها بمطاردتها لرمز فلسطيني بارز مثل بشارة، أرادت أن ترسل رسالة للفلسطينيين خصوصا وللعرب عموما، أن قبضتها مازالت هي القوية، القبضة القادرة دوما على شن الحرب وعلى القتل والتدمير في غزة والضفة، من ناحية، وعلى فرض شروطها في قبول أو رفض مبادرة السلام العربية، على رغم كل جهود التسويق والترويج والتزويق المطروحة من ناحية ثانية!

في ضوء ذلك كله، نستطيع أن نقرأ جيدا أزمة عزمي بشارة، الرمز الحي للشعب الفلسطيني، المقاوم لهيمنة الدولة الصهيونية، فهو نموذج قوي للمثقف المناضل، الذي يجمع بين الفكر الفلسفي والعلمي وبين العمل السياسي المقاوم، وهو صنو مروان البرغوثي، القائد الفتحاوي الشهير المأسور حاليا في سجون «إسرائيل»، وكلاهما من قيادات الجيل الوسط، بعد غياب جيل الرواد أمثال أبوعمار وأبوجهاد وأبوإياد وأبوالهول وأحمد ياسين والرنتيسي، الذين قتلوا بالأيدي الصهيونية القذرة.

ومثلما اغتالت «إسرائيل» القيادات الفلسطينية التاريخية، ها هي اليوم تغتال القيادات الجديدة، تتهم البرغوثي بالقتل وتضعه في السجن، وتتهم بشارة بالخيانة والتجسس وتعمل لمحاكمته لتضعه في السجن إن أمكن، أو تطرده وتطارده في الشتات، حتى تطوله بالاغتيال... والهدف هو تصفية كل قيادة فلسطينية واعدة مقاومة رافضة للفكرة والمشروع الصهيوني، متمسكة بالفكرة والمشروع القومي العربي.

وبقدر ما نجح مروان البرغوثي في تعبئة قوات المقاومة الفلسطينية، وإعادة تنظيمها وتأهيلها، انطلاقا من قاعدة فتح، لردع العنف والعدوان الإسرائيلي المسلح، بقدر ما نجح عزمي بشارة في إعادة إحياء الفكر القومي بين الفلسطينيين عموما، وفلسطيني 1948 خصوصا، فمارس الكفاح السياسي المسلح فقط بالفكر السياسي والدعوة التحررية طالبا الحرية والكرامة لشعبه، في وجه الهيمنة الإسرائيلية القامعة، التي وضعت عرب 1948 في مرتبة مواطني الدرجة الثانية والثالثة منقوصي الحقوق، في دولة عنصرية تدعي الديمقراطية لكنها تمارس التمييز والتهميش والعنف الطائفي.

وتهمة عزمي بشارة الحقيقية، ليست في الوقع الجاسوسية، كما تدعي أجهزة «إسرائيل»، ولكن تهمته الأساسية، هي الطرح السياسي الذي قدمه ويتمسك به، متمثلا في شعاره «دولة لكل مواطنيها» تتساوى فيها الحقوق والواجبات بين العرب واليهود، ومن ثم فإن أخطر ما «ارتكبه من آثام»، فهو فضح الغلالة العنصرية لـ «إسرائيل»، وزيف ديمقراطيتها، وإثباته حتى في قاعات الكنيست حقيقة التمييز العنصري الصهيوني، ضد العرب أصحاب الأرض والتاريخ، وتأكيده تكامل الأدوار الفلسطينية المقاومة، بين الكفاح السياسي والمقاومة المسلحة، طريقا مشتركا لاستعادة الحرية والاستقلال الوطني والكرامة القومية.

لقد جاء عزمي بشارة في هذه الأيام، ليطرح مع كثيرين ومن جدد، أفكارا سياسية وايديولوجية، تتحدى وتناقض المشروع الصهيوني الاستعماري بإقامة دولة يهودية خالصة في فلسطين... وربما من المفيد أن نذكر الأجيال الجديدة بأن هذه الدولة قامت أساسا على حلم، تحول إلى واقع بدعم سياسي ثقافي مالي من الغرب الأوروبي الاميركي، استرضاء ليهود العالم، فتحول الحلم ثم الواقع إلى بارجة مسلحة أو دبابة مقتحمة للساحة العربية، ثم إلى ترسانة نووية عسكرية، تعيد اليهود من الشتات إلى أرض الميعاد نسبة إلى الموعد، أو أرض المعاد نسبة إلى العودة، على حساب شعب آخر.

ومن ثم كان ضروريا أن تقوم هذه الدولة على قدمين أولا العنصرية، بمعنى أنها دولة خالصة لليهود، وثانيا على القوة الباطشة لتقهر «الأغيار»، وقد نجحت «إسرائيل» على مدى العقود الستة الماضية في تحقيق هدفها، وانتصرت عسكريا على الأقل على العرب وقهرتهم ولاتزال، بالقدرات العسكرية المتنامية.

لكنها فوجئت الآن، بأن قدرتها على قهر الفلسطينيين في الضفة وغزة محدودة، لكن مفاجأتها الأخطر، تمثلت في اللغم الفلسطيني داخلها، مليون وربع مليون فلسطيني يتكاثرون بخصوبة عالية، فيزدادون عددا وصخبا ومطالبة بحقوقهم المشروعة، ويرفعون راية العصيان الرافض للعنصرية من ناحية ولعنف القوة من ناحية أخرى!

بينما نواتها الصلبة في الداخل تتآكل مع الزمن، فبدأ المشروع الصهيوني يحس بالهشاشة الداخلية، وبدأت الهجرة اليهودية المعاكسة، تنساب ولو بقدر رمزي، من «إسرائيل» عائدة إلى مواطنها في أوروبا وأميركا، تحت ضغوط الأوضاع المتردية، واتضح للجميع أن لعنف القوة حدوده، والدليل الأوضح حرب 1973 من ناحية، وحرب صيف 2006 ضد لبنان من ناحية أخرى... وفي الحربين فشلت القوة المسلحة في قهر العرب خارج الحدود، مثلما فشلت في قهر المقاومة الفلسطينية في الداخل.

وأعتقد أن هنا بالضبط توضع الأزمة المثارة بشأن عزمي بشارة وأمثاله، بهدف اغتيال رموز المشروع المضاد والفكر السياسي المعاكس، الذي ينخر في فلسفة وأسس إقامة الدولة اليهودية المسلحة... بطرحه مخاطر استمرار العنصرية المفرطة مع القوة الباطشة، من دون أمل في التعايش أو السلام العادل.

وبينما علت أصوات المتطرفين اليمينيين والسياسيين الإسرائيليين، مطالبة ليس فقط بتصفية عزمي بشارة وأفكاره «الهادمة للدولة اليهودية الخالصة»، ولكن أيضا المطالبة بطرد عرب 1948 وتهجيرهم قسرا خارج «إسرائيل»، لتطهيرها من القنبلة الداخلية، حفاظا على نقاء الدولة اليهودية، وحفاظا على أمنها.

ومن عجب أنه في الوقت الذي يهرول فيه التيار العام في «إسرائيل»، نحو الحفاظ على الانغلاق العنصري والنقاء الديني، ونحو الحفاظ على صلابة الترسانة المسلحة، ونحو تهجير العرب من جديد إلى الملاجئ والمنافي، فإن الدول العربية، بضغوط أميركية، تهرول وتتحدث هذه الأيام بإلحاح غريب، عن حلول جذرية لملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، بتوطينهم حيث هم، وبالاستعداد لإنفاق مليارات الدولارات على مشروع التوطين المطروحة، إهدارا لحقوق تاريخية، وتحديا حتى لقرارات الأمم المتحدة ذاتها، وفي مقدمتها القرار 194 الشهير. الأعجب والأغرب، أن الإغراء بسلاح المال «من دون رشد سياسي واع» يدخل هاجما، لشراء صمت أصحاب الحقوق، أو لإسكاتهم عن المطالبة بحق العودة لوطنهم المغتصب، فتتلقفه أميركا مرحبة، وتواجهه «إسرائيل» ممتنعة، لأنها تطلب مزيدا من التنازلات والضمانات والإغراءات والتطمينات والتمويلات.

ولايزال حبل العرب ممتدا نحو التنازل والانحدار!

خير الكلام

ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 1699 - الثلثاء 01 مايو 2007م الموافق 13 ربيع الثاني 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً