العدد 1780 - السبت 21 يوليو 2007م الموافق 06 رجب 1428هـ

في ضوء ندوة «الوسط» بخصوص تسقيط العلمانية... حقيقة المشكلة

عباس هاشم Abbas.Hashim [at] alwasatnews.com

في الندوة الأخيرة التي عقدتها «الوسط» عن الضجة المثارة فيما يتعلق بشعار «فلتسقط العلمانية»، يتبنى إبراهيم شريف أمين عام جمعية وعد فكرة الديمقراطية كآلية تمثل مرجعية الأكثرية، وفي هذا يلتقي مع التيار الإسلامي في نطاق واسع. إلا أن الحقيقة أن المسألة أبعد من ذلك بكثير، إذ إن موقف التيار العلماني عموما حيال الكثير من القضايا يعكس تبني الديمقراطية في عمقها الفلسفي ولم يكتف بكونها آلية لتمثل رأي الأكثرية حين اعتبر هذا التيار ما جرى - مثلا - في ربيع الثقافة يدخل في نطاق الحق في الحرية الشخصية وبنى موقفه على مبدأ حماية هذا الحق. وهذا الموقف ينسجم مع المفهوم الليبرالي الغربي، لأن الديمقراطية في حقيقتها ليست مجرد آليات لتمثيل رأي الأكثرية وكفى، بل الديمقراطية آلية لتمكين الأفراد من ممارسة الحق في حريتهم السياسية كجزء من المفهوم الليبرالي، بجانب الحريات الثلاث الأخرى المعروفة، وهي الحرية الاقتصادية، وحرية الفكر والتعبير، والحرية الشخصية. وهذه الآلية - الديمقراطية - تم اختراعها كأفضل وسيلة لتجنب الاختلاف الحتمي بين الأفراد فيما يتعلق بإدارة الشأن العام للمجتمع حين ممارستهم حريتهم السياسية.

وتكمن المشكلة التي تقلل من نقاط الالتقاء بين التيار الإسلامي وبين عامة التيار العلماني في الاختلاف عن حدود مفهوم حقوق الإنسان، ومنها حق الحرية الشخصية، وهذا الاختلاف يعود لكون فكرة الحق نفسها ليست علمية قابلة للقياس والملاحظة التي لا يمكن الاختلاف على نتائجها، يقول الإمام الصدر معلقا على هذه المسألة:» «وحتى في أوروبا، فإن الاتجاه العام في ميادين المادة كان يختلف عن اتجاهها العام في الحقل الاجتماعي والمجال التنظيمي للحياة. فهي في ميادين المادة كانت علمية، إذ قامت أفكارها عن دنيا المادة على أساس الملاحظة والتجربة، فأفكارها عن تركيب الماء والهواء، أو قانون الجذب، أو فلق الذّرة أفكار علمية مستمدة من الملاحظة والتجربة. وأما الميدان الاجتماعي، فقد تكوّن العقل الغربي الحديث على أساس المذاهب النظرية، لا الأفكار العلمية. فهو ينادي- مثلا - بحقوق الإنسان العامة التي أعلنها في ثورته الاجتماعية... وفكرة الحق نفسها ليست علمية، لأن حق الإنسان في الحرية - مثلا - ليس شيئا ماديا قابلا للقياس».(الصدر، محمد باقر: المدرسة الإسلامية1، مؤسسة الهدى الدولية، قم، ط1، 1421هـ، ص 30 -31).

بالمثل التيار الإسلامي يرفض بشكل صريح وبشكل قاطع رأي الأكثرية - على الأقل نظريا - فيما يتعلق ببعض الموارد المتعلقة بالخصوصية المذهبية، فلا يمكن أن يقبل الديمقراطية كآلية قد ينتج عنها فرض قانون للأحوال الشخصية على كل فئات الشعب من دون تمييز، فالإسلاميون السنة لا يمكن أن يقبلوا بآلية تفرض قانون نابع من المذهب الشيعي وكذلك الإسلاميون الشيعة سيرفضون أية آلية ديمقراطية لفرض قانون منبثق من المذاهب السنية الأربعة عليهم. وكما يطلب الإسلاميون باستثناءات فيما يتعلق بالخصوصية المذهبية كتقنين، على الشاكلة نفسها موقف العلمانيين تجاه الحريات الشخصية القريب للمنظور الغربي، حتى أنه لا يمكن استيعاب دور ما جاء في المادة الثانية حين نصت على أن الإسلام دين الدولة في ضوء هذا الفهم للحرية الشخصية.

ويتضح جليا عدم التوافق حتى في فهم الديمقراطية المطلوبة محليا، ويتجلى الخلط بينها كآلية وبين كونها جزءا من الفكر الليبرالي واضحا في مواقف التيارات العلمانية بشكل فاقع. ولو كان فهم الديمقراطية لدى التيار العلماني مجرد آلية كما طرح شريف، لما طرح التيار العلماني مسألة حماية الحق في الحريات الشخصية بالمفهوم الغربي كما وضح من الموقف من ربيع الثقافة، فعلى رغم التوافق من حيث المبدأ على حماية الحريات، إلا حدود مفهوم العلمانيين يختلف عن مفهوم التيار الإسلامي الذي رفض بشدة بعض ما جرى في ربيع الثقافة واعترض بقوة على حفلة نانسي عجرم. فلو عُرض كل ذلك للتصويت الشعبي، فلن يقبل التيار العلماني النتيجة، لأن الفكر الليبرالي يحمي الحريات الشخصية ليس فقط من سطوة الدولة بل ومن سطوة المجتمع أيضا، ويقنن ذلك في مواد الدستور والقوانين المحلية، ويتدرج هذا الفهم لدرجة التطرف في بعض الدول الغربية لحد تقنين العلاقات الجنسية المثلية باعتبارها حريات شخصية، ولهذا فإن الديمقراطية كآلية في الفكر الليبرالي الغربي من أجل تفعيل حرية الأفراد التي لا يسمح الإطار الفكري الليبرالي بالحد منها، وفي إطار قريب من هذا الفهم تتحرك العلمانية في البحرين كما اتضح من مواقف العلمانيين تجاه عدد من القضايا، ولهذا يرفض أقطاب التيار الإسلامي التقليل من هواجسهم حيال ما يطرح في وسائل الإعلام بالإدعاء أن هذه القضية ليست معركة التيار أو ما يثيره بعض العلمانيين ليس من الأولويات، فالتيار الإسلامي يرى أن كيانه قد حفظه سيادة الفكر الإسلامي لدى القاعدة الشعبية وليس الدساتير والقوانين التي نادرا ما تم الإلتزام بالعمل بها طيلة 4 عقود.

يبقى أن ما مضى تنظير يحول بينه وبين وجوده على الواقع ما جرى من تعديل على دستور 73 أضعف دور الشعب وهمّش السلطة التشريعية والرقابية تجاه الحكومة، وهذا يعني أن هذا الطرح الذي تفضّل به شريف والذي يوافقه عليه التيار الإسلامي من دون الدخول في التفاصيل في اعتبار الديمقراطية آلية لتحقيق حكم الأكثرية سيبقى مجرد طرح نظري لا مجال لتفعيله من دون تعديلات دستورية مجزية، بجانب تعديل قانون الدوائر الانتخابية.

إقرأ أيضا لـ "عباس هاشم"

العدد 1780 - السبت 21 يوليو 2007م الموافق 06 رجب 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً