العدد 1782 - الإثنين 23 يوليو 2007م الموافق 08 رجب 1428هـ

الفروق العظيمة بين الكفاح والجريمة

محمد غانم الرميحي comments [at] alwasatnews.com

أن يعود المجرم عن سابق عمله ويعترف بخطئه فذلك عمل عادة ما يقدر إيجابيا من المجتمع الذي يعيش فيه، وعادة ما يذهب محللو الفعل الجرمي من المتخصصين للبحث في دوافع العمل الإجرامي وخلفيته الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، الظاهر منها والمباشر كما الخفي البعيد.

الجريمة ظاهرة إنسانية، بمعنى وجودها في المجتمع ممكن، واحتمال انتشارها قائم، إلا أن الجريمة مدانة لا يجد أحد من العقلاء مدخلا لتبريرها لذلك تبنى المجتمعات قاطبة السجون وتقيم النظام القانوني من أجل ردع الجريمة بالقصاص، ومن جهة أخرى تدرس المجتمعات أسباب الجريمة وتعالج جذورها في الوقت نفسه.

في صحيفة «الشرق الأوسط» خلال الأسبوع الماضي نشرت على حلقات للجمهور العام ومن يريد أن يعرف، قصص عدد من الشباب السعودي الذين عادوا لسبب أو لآخر من العراق، كل له قصة مختلفة، إلا أن التبرير الذي أعطي لقصص هؤلاء تبرير غير مقنع على أحسن الظروف ومضلل على أسوئها.

لقد قدم للقراء إجرام هؤلاء الشباب على أنهم ضحايا لفتواى مضللة، أو لأفكار متشددة وهو توصيف سطحي، لا يخرج عن الحقيقة، نعم، ولكنه في الوقت نفسه لا يقلل أبدا من احتمال أن يقوم غيرهم بمثل ما فعلوا أو أكثر، بسبب انتشار تلك الأفكار وقوة صدقيتها لدى البعض.

من قراءة متأنية لما قاله هؤلاء العائدون من الجحيم يمكن أن نتوصل إلى عدد من المسلمات علينا العناية بفهمها.

المسلمة الأولى: العائدون من العراق أو المحاربون في نهر البارد أو المقبوض عليهم قبل أشهر في المملكة العربية السعودية، يعيشون في جو ثقافي عام يوصف عملهم المنحرف بأنه (جهاد) أو (مقاومة) أو أي من الأسماء الإيجابية أو حتى المحايدة، بسبب انتشار فهم معوج لهذه المفاهيم. وسواء كان هذا التوصيف عن قصد أو غير قصد، هو أمر لا يمكن قبوله، فالفعل الواحد لا يوصف إلا باسم واحد، فهو إن كان ضلالا فهو ضلال في أي بقعة ارتكب فيها بصرف النظر عن خصوصية البقعة من الأرض. هو قتل للأبرياء وإجرام في حق الإنسانية لا هو بمقاومة ولا هو بجهاد.

فالوسيلة جزء من الغاية، ذلك استقراء منطقي يوافق عليه العقل الإنساني، فإن كانت الغاية رفيعة وجب أن تتبعها الوسيلة أيضا. بعض الصحف وكثيرا من وسائل الإعلام المرئي في عالما العربي نجده يخلط بين هذا وذاك، ويترك فجوة يتسلل منها كثيرون لاعتبار ما يقوم به هؤلاء على أنه عمل نلصق به صفة (البطولة) وهو عنها براء، لم يجد كثيرون الشجاعة لتوصيف ما يتم من اعتداء على الغير وقتل الآخر من المواطنين والآمنين في ديارهم أو محاربة قوات دولة تحكمها قيادة شرعية، على أنه إجرام قح تحاسب عليه القوانين المرعية.

المسلمة الثانية: أن هؤلاء، ومن خلال اعترافاتهم المنشورة، كان لهم من ينظم انتقالهم من بلدهم وقريتهم إلى عواصم عربية قريبة من العراق، ثم إلى أطراف تلك البلاد ومنها إلى أطراف العراق الغربية، ومن ثم إلى الداخل العراقي. هذه السلسلة من الإجراءات لا يمكن أن تتم إلا بشرطين، الأول أن هناك مجموعات منظمة تتقن عمل التمويه ولها تمويل مالي وإنساني تقوم بالتسلم والتسليم لبضاعة الانتحاريين، والثاني أن (سلطة رسمية ما) لا بد أنها تعرف طريقة التهريب وتراقبها، إذ أنها إن لم تفعل قد تقرر هذه العصابات المنظمة الارتداد عليها والعبث بأمنها، ولا شيء يمنع من ذلك. إذا تلك الآذان والعيون التي تتابع حركة ومسيرة هؤلاء كي تتأكد أنهم وصولوا إلى المكان الذي تريد ويريدون، ولا يعقل أن تمر كل تلك التدفقات على بلد، من دون أن تعرف بعض قواه الرسمية من القادم وإلى أية أهداف هو يرمي!

المسلمة الثالثة: هذا الخلط في المعنى العام أن هناك بشرا غير مسلمين علينا أن نقودهم إلى الإسلام، هذا نقص في ثنائية فهم هؤلاء للإسلام وفهمهم للعالم المحيط بهم في عصر السرعة والاتصال. فليس المسلم بقادر، حتى وإن رغب، أن يغير قناعات العالم المختلفة ويجذب غير المسلمين إلى دينه بكذا من الأفعال، هذا من جهة، ومن جهة ثانية ليس من احد مكلف عقلا أن يجبر آخرين على أن يمتثلوا إلى قيم يؤمن بها. مثل هذا الأمر لا بد أن يواجه بالحديث بعلانية من دون تردد ومن دون إبطاء أو اعتذار، وتقديم الحقائق القائلة إن المسلمين اليوم هم مليار وأربع مئة مليون نسمة، و(الغرب) يبلغ عدد سكانه نحو 850 مليون نسمه، وعلى رغم الكثرة النسبية إلا أنهم لا يمتلكون التقنية الحديثة والتي أساسها العلم، ويتشتت المسلمون بين دول نامية وشبه نامية وفقيرة، ويختلفون كثيرا في اجتهادات تطبيق دينهم بين فرق وملل ومظاهر متعارضة من الاجتهاد، مثل هذه الحقائق تغيب كثيرا عن شباب لا يعرفون من دينهم إلا القليل، كما يسكت عنها من يعرف خوفا أو تزلفا، فالدعوة إلى الإسلام في عصرنا هذا واجبة بالحسنى وضرب المثال الأخلاقي الرفيع. في الوقت الذي يعتمد الغرب في كلياته العلم الحديث وتطويع التقنية، الذي تتيح له التفوق العملي.

المسلمة الرابعة: وهي مسلمة سياسية تقول بالعداء المطلق لأميركا، وهي مقولة راسخة في ذهن العامة وتتغذي عليها القوى المضللة لحرف كثيرين. في الوقت الذي يعرف الجميع أن الأميركيين ليسوا ملائكة ولكنهم أيضا ليسوا بشياطين، فإن أميركا بلد واحد يقطنه تقريبا ثلاث مئة وعشرون مليون نسمة، له مصالح تحققها سياسة متوافقة إلى حد بعيد وتحكمه مؤسسات. في الوقت الذي ينتمي العرب ( وليس كل المسلمين) وهم بالمناسبة في مثل تعداد سكان الولايات المتحدة، إلى ثلاثة وعشرين بلدا، مختلف المصالح بل ومتصارع في بعض الأوقات إلى حد كسر العظم، مؤسساته في الغالب قائمة على الفردية. وفي الوقت الذي تحتاج الولايات المتحدة إلى النفط والغاز لها ولحلفائها، فإن العرب (منتجو هذه السلعة الاستراتيجية) يحتاجون إلى البضائع والخدمات التي ينتجها هذا الغرب وأميركا. المصالح هنا متبادلة وستبقى متبادلة، لا يجب أن يعمم سواء الإعلام العربي أو القوى المختلفة جذريا مع أميركا سياسيا، لا يجوز أن يعمم (العداء) هناك اختلاف نعم تقوم المؤسسات المختلفة ببيان حدوده ومعالجة نواقصه، مثله مثل أية علاقة بشرية ودولية، بين أية قوة اليوم على الأرض. فليس الصين، على سبيل المثال لا الحصر، ليست على وفاق كامل مع سياسة الولايات المتحدة، (موضوع تايوان) أحد أهم المعالم المختلف عليها بجذرية بينهما، ولكن لا يوجد في الصين اليوم تعبئة فكرية وعقلية ضد الولايات المتحدة بدرجة ما يحدث عندنا نفسها ولا حتى بدرجة أقل بكثير، ولا يتوافر بها (انتحاريين) فمن الاستسهال للبعض أن يصبوا جام غضبهم على سياسات الولايات المتحدة بدلا من التفكير في طرق لوضع نقاط الاختلاف ونقاط التلاقي بشكل واضح وحضاري، فالنفط السلعة الأهم للعرب لا يمكن تخزينها من دون بيعها التي يعتمد عليها الاقتصاد العربي، ومن دون ذلك البيع لا يتوافر للعرب المنتجين أوغيرهم الحصول على البضائع والخدمات التي يحصلون عليها اليوم. إذا هناك مفاهيم مغلوطة تصب في مجرى الجمهور العربي كل يوم، وعندما ينحرف بعض الشباب إليها، نلوم بعضنا.

يقول مثل صيني قديم (اعرف عدوك واعرف نفسك تربح الحرب كل يوم) نحتاج أن نعرف أنفسنا للتفريق مبدئيا بين الكفاح والجريمة.

إقرأ أيضا لـ "محمد غانم الرميحي"

العدد 1782 - الإثنين 23 يوليو 2007م الموافق 08 رجب 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً