العدد 1783 - الثلثاء 24 يوليو 2007م الموافق 09 رجب 1428هـ

صيف «الشرق الأوسط» ليس باردا

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يزور الجماهيرية الليبية بمناسبة نجاح زوجته (السيدة الفرنسية الأولى) في الإفراج عن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني. رئيس «اللجنة الدولية الرباعية» طوني بلير يزور المنطقة ويلتقي بالمسئولين فيها تمهيدا لتحريك الملف الفلسطيني بعد التطورات التي شهدتها غزة. المبعوث الفرنسي جان كلود كوسران في بيروت لتحضير الأجواء السياسية تمهيدا لزيارة سيقوم بها وزير الخارجية برنارد كوشنير للعاصمة اللبنانية. السفير الأميركي في بغداد التقى السفير الإيراني في اجتماع عقد في العاصمة العراقية برئاسة نوري المالكي لاستكمال البحث في الترتيبات الأمنية واختبار مدى تعاون طهران في دعم خطة عسكرية تراهن الإدارة الأميركية على نجاحها قبل موعد جلسات الكونغرس في سبتمبر/ أيلول المقبل. وزيرة الخارجية الأميركية تستقبل العاهل الأردني في واشنطن لبحث مستجدات «الشرق الأوسط» وتمهيدا لزيارة الوزيرة إلى المنطقة لتحضير الأجواء الإقليمية المناسبة للتجاوب مع دعوة الرئيس الأميركي جورج بوش لعقد «مؤتمر دولي» في الخريف المقبل.

كل هذه السلسلة من الزيارات واللقاءات والاجتماعات من واشنطن إلى باريس وطرابلس والقاهرة وعمان والقدس وبيروت وبغداد وأيضا دمشق وفيينا (إيران ووكالة الطاقة الدولية) تشير إلى ذاك الترابط بين حلقات الأزمات الممتدة من طهران إلى غزة وربما دارفور. فالمنطقة تشهد حركة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة بغية التوصل إلى حلول أو تفاهمات تمنع انزلاق القوى الإقليمية نحو مواجهات غير محسوبة يرجح أن تقلب الطاولة وتغير قواعد اللعبة الدولية في حال اصطدمت أنشطة الدول الكبرى بحائط مسدود.

الحركة السياسية - الدبلوماسية خطيرة جدا وهي تطلق إشارات ضوئية متعارضة الاتجاهات وأحيانا غير مفهومة في ابعادها واستهدافاتها. وخطورة هذه الحركة انها قد تفهم على مستويين متعارضين: الأول أنها تمهد الأجواء لمنع الانفجار وقطع الطريق على احتمالات التصعيد العسكري. والثاني أنها قد تفهم أنها المحاولات الدبلوماسية الأخيرة قبل الاتجاه نحو اتخاذ القرار النهائي بشأن الخيار العسكري.

كل الملفات الساخنة تبدو الآن وكأنها موضوعة على الطاولات للبحث في أوراقها المتشعبة والممتدة جغرافيا وسياسيا وإقليميا ودوليا. في العاصمة النمسوية يتداول الوفد الإيراني الملف النووي مع وكالة الطاقة الدولية. وفي العاصمة العراقية يناقش السفير الإيراني ملف العلاقات مع الولايات المتحدة انطلاقا من التفاهم على دعم الخطة الأميركية وحصة طهران من مساحة بلاد الرافدين. وفي العاصمة اللبنانية يراجع المبعوث الفرنسي التطورات الأخيرة في الشأن اللبناني وما يتفرع عنه من نقاط حساسة تتصل بأمن «إسرائيل» وموقع سورية ودورها في بلاد الأرز. وفي عمان والقدس ورام الله والقاهرة وصولا إلى واشنطن بدأت لندن تلعب دور الوسيط الدبلوماسي للتعرف على المخارج أو المداخل المطلوبة سياسيا لتحريك ملف مزمن ومعقد في اتجاهاته قبل اقتراب موعد «المؤتمر الدولي» في الخريف المقبل.

الاتصالات إذا تدور على أكثر من محور. فهناك اتصالات أميركية - إيرانية في بغداد، وإيرانية - دولية في فيينا، ودولية (بريطانية) في عواصم مختلفة في منطقة «الشرق الأوسط»، وفرنسية - لبنانية في بيروت، وفرنسية - ليبية في طرابلس، وفرنسية - سورية في دمشق. وكل هذه اللقاءات تصب في دائرة قد تضيق أو تتسع لتشمل لاحقا ملفات أفغانستان التي تشهد تطورات إقليمية أخذت تمتد إلى باكستان، أو ملفات السودان وما تعكسه من اهتزازات أمنية تتجاوز حدود إقليم دارفور.

أشهر الصيف

منطقة «الشرق الأوسط الكبير أو الصغير» مقبلة على تطورات خطيرة وحاسمة في أشهر الصيف وما بعده. وبغض النظر عن الأساليب التي ستستخدم لتسوية النقاط الساخنة يتوقع أن تكون النتائج محسومة سياسيا لأن القوى والأطراف الفاعلة في مختلف الميادين استنفدت كل ما تملكه من قدرات ضغط أو تهويل أو تخويف.

إدارة الولايات المتحدة قالت كل ما تستطيع أن تقوله من حشد قوات بحرية في الخليج وبحر العرب وزيادة تعداد جيشها البري في العراق. و»إسرائيل» أظهرت ما عندها من تقنيات عسكرية وتدريبات وإعادة تأهيل وهيكلة وحشود وحفر خنادق وغيرها. وفي المقابل ردت إيران بوضوح من خلال الإعلان عن قدرات عسكرية واستعدادات ومناورات وتجربة صواريخ. وحزب الله الذي يحتفل بالذكرى الأول لفشل العدوان الأميركي - الإسرائيلي على لبنان أعلن عن امتلاكه أسلحة صاروخية تطال أي مدينة أو بقعة في فلسطين المحتلة.

كل القوى الدولية والإقليمية والمحلية المؤثرة ميدانيا أو المعنية سياسيا كشفت بوضوح عن جاهزية عسكرية واستعدادات كافية للهجوم أو الدفاع أو الرد على حملة أو ضربة استباقية. وحين تصل الرسائل إلى هذا الحد من الوضوح تصبح إمكانات الحل واردة أو على الأقل قابلة للتفاوض تمهيدا لوضع الملفات الساخنة على السكة.

التفاوض مسألة محسومة. ولكن السؤال هل تلغي اللقاءات والاتصالات الدائرة الآن إمكانات الذهاب إلى الحرب أم أنها مجرد قنابل دخانية لتغطية الهجوم أو الضربات الاستباقية؟ بمعنى آخر هل ستبدأ التفاهمات بعد اندلاع حرب محسوبة ومدروسة أم أن الاتصالات الحالية تغلب لغة الحوار وتمنع الحرب من الاندلاع؟ في النهاية لابد من التفاوض إلا إذا أسفرت الحرب عن نتائج غير متوقعة في الحسابات المدروسة. وهذا يعني أن المنطقة ستدخل في مسار يخالف كل المشاهد الدبلوماسية التي نراها يوميا على شاشات التلفزة.

المنطق السياسي يشير إلى احتمالات غير واضحة في معالمها النهائية. ولكن المنطق أيضا يؤكد معادلة بسيطة وهي أن القوى المعنية حين تكشف عن استعداداتها وقدراتها وجاهزيتها العسكرية وبأنها غير خائفة أو آبهة فمعنى ذلك أن المنطقة ذاهبة إلى احتمالين التفاوض أو الحرب. ومثل هذه المعادلة البسيطة في منطقها السياسي يمكن رصد اتجاهاتها سواء بالحشود والاستعدادات والمناورات وإظهار القدرات الصاروخية والتدميرية أو سواء بالاتصالات واللقاءات غير المسبوقة من واشنطن إلى بغداد. فالمنطق يقول إن القوى جاهزة للحرب أو التفاوض وبالتالي أما أن يسبق التفاوض اندلاع الحرب وأما أن الحرب تمهد الطريق للتفاوض. وأميركا في هذا المضمار باتت في سباق مع الوقت وعليها أن تختار بين حرب سريعة وجوية تعطيها ذريعة للتفاوض أو تعترف بالفشل وتبدأ بالتفاوض لمنع احتمال وقوع الحرب.

خيارات الولايات المتحدة محدودة ومجالات المناورة لم تعد مفتوحة على سياقات متعددة. فهي وصلت إلى الذروة في استعداداتها العسكرية وحشودها البرية والبحرية ولم يعد بإمكانها مواصلة سياسة التخويف والتهديد إلى ما لا نهاية. ولذلك أصبحت في موقع صعب يفرض عليها الاختيار بين الحرب وما تنتجه من تداعيات غير محسوبة وبين التفاوض والقبول بالنتائج الميدانية التي أسفرت عنها المواجهات في أفغانستان وفلسطين والعراق ولبنان.

منطقة «الشرق الأوسط» دخلت فترة الصيف الساخن بـ «الانتصارات» كما قال الرئيس الإيراني خلال زيارته الأخيرة لدمشق. وهذا المنطق السياسي يؤكد أن الأطراف المعنية غير آبهة أو خائفة من التهديدات الأميركية وتوابعها وتداعياتها. ومثل هذا التوجه يفترض في المقابل قراءة مضادة أو ردة فعل دبلوماسية/ سياسية كما هو حاصل الآن من حركة الاتصالات واللقاءات غير المسبوقة. فهل هذه الحركة تمهد الطريق للتفاوض أم أنها محاولة للتغطية على قرار خطير تخطط له إدارة واشنطن؟

حتى الآن لم تنكشف معالم الطريق. ولكن هذا الكم من الاتصالات واللقاءات في مختلف العواصم وعلى مستويات متنوعة يشير إلى أن صيف «الشرق الأوسط» كالعادة... ليس باردا.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1783 - الثلثاء 24 يوليو 2007م الموافق 09 رجب 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً