العدد 1817 - الإثنين 27 أغسطس 2007م الموافق 13 شعبان 1428هـ

خريف كويتي ساخن

محمد غانم الرميحي comments [at] alwasatnews.com

كان التعبير المجازي لوصف درجة حرارة الوضع السياسي لأية ساحة سياسية أنه ساخن يعني أنه مشوب بحراك نتائجه غير متوقعة، إلا أن الكويت استثناء واضح من ذلك التعبير المجازي. فقد كان صيفنا صيفا سياسيا مرتفع الدرجة بل وقاسي الحرارة، إذ إن أعضاء مجلس الأمة أو بعضهم على الأقل لم يستمتع بإجازة صيفية مريحة كما قرر في القانون، لقد كانوا مشغولين بإثارة القضايا المختلفة والساخنة بين فترة وأخرى يستجيب بعضهم إلى التصريح عن ضجيج أصوات أوراق الشجر إن تمكن من ذلك.

بدأ الصيف بتلاسن خشن بين عضوين من الأعضاء على خلفية مواقف سياسية اجتهادية وحقائق دامغة، وكاد أن يتبع بآخرين في التوجه العراكي نفسه، وانتهى الصيف تقريبا بحريق في مستشفى الجهراء، فلم يهنأ أحد لا بجو معقول ولا بإجازة خاليه من المنغصات. إلا أن تلك الحرارة القاسية على رغم شدتها تبشر بخريف ساخن أقسى بكثير مما شهدناه حتى الآن.

إلا أنه بين التلاسن والحريق مرت أكثر من أزمة، منها الكهرباء ونقصها، ومنها المطار ومشكلاته المقيمة، ومنها مكاتب الإعلام الخارجي التي أراد بعض المشرعين أن يأخذوا دور الدولة فيها فيقرروا أن تلك الخطوة التنفيذية تصلح والأخرى لا تصلح في عملية تبادل أدوار غير مسبوقة.

الوزارة أصلا ينقصها بعض الأعضاء من جراء الاستقالات والاستجوابات السابقة، وأمام التهديد القائم فإن ثلاثة من الوزراء على الأقل مهددون بالاستجواب، ومن ثم يمكن أن لا يبدأ الخريف إلا وعدد أعضاء الوزارة يتناقص مثل أوراق شجره، وأصبح الاستجواب في القاموس السياسي الكويتي هو في النهاية خروج الوزير من التشكيل والإطاحة به بعيدا. أما الأهم من كل ذلك فإن الاستجواب أصبح يعني لدى كثيرين أن طرفا سياسيا واحداَ يملك الحقيقة كاملة ونهائية، وهذا بحد ذاته انحراف عن المسار الديمقراطي المرتجى، ولم يعد سرا أن الوزير في الكويت أصبح موقعا للسهد بالليل والقلق بالنهار، يقرر له أقل موظفيه شأنا ما يجب أن يفعل أو يقول.

إذا أمام ذلك، ليس أمام المراقب إلا أن يتوقع ذلك، أن الصدام لا شك قادم بين الوزارة وبين المجلس. وليس في الأمر أي جديد، إلا أن الجديد أن التأزيم أصبح لأزمة متأصلة في العمل السياسي الكويتي، وكل ذي بصيرة يرى أن استمرار الحال على ما هو عليه يعني دائرة جهنمية من الاستجواب، ثم الاستقالة، ثم تأزم الحكومة ومن ثم حكومة جديدة. مثل هذا الأمر الذي تمت ملاحظته من قبل افتتاحيات بعض الصحف الكويتية في خلال أشهر الصيف ونادت بالنظر فيه، وسمي بأسماء مختلفة ينبئ على أن الأزمة أكبر بكثير مما يتخيلها البعض، أزمة أصبحت تسمى أزمة عمل سياسي في صلبه دائرة غير منقطعة من (المصالح للبعض) الذي يعتبرها آخرون من السدة البرلمانية أنها مضادة لمصالحهم، فيصبح المُنفذ (الوزير) هنا أمام خيارين أحلاهما مر، أما بالقيام بتحقيق مصالح البعض، وبالتالي إثارة الآخرين ضده، أو السير في إصلاحات يراها لازمة للعمل فيصبح الجميع ضده، لأن أية إصلاحات في الأعمال العامة اليوم ستصيب برذاذها السلبي بعض القوى الأخرى.

الأكثر إثارة في الموضوع كله أن التجمد خوفا من المساءلة الذي يصيب الهيكل التنفيذي والخدمات يؤثر على الخدمات العامة فتزداد رداءة، لأن اتخاذ القرار أصبح أكثر إيلاما ومدعاة للمسائلة السياسية من عدمه، وهكذا يقع المجتمع في دوامة يخطئ من يظنها غير معطلة.

ما هو المخرج من هذه الدوامة، لا اعتقد أن عاقلا يستطيع أن يقدم مخرجا أو مخارج سريعة فالأمور ستتردى أكثر قبل أن تصلح.

هناك مدرستان للتفكير، الأولى ترى أن تترك الأمور كلها للتردي أكثر وأكثر حتى يظهر للمجتمع أن بقاء الحال على ما هو عليه يؤزم العمل العام ويؤثم الأبرياء من الناس بشكل أكبر وأوسع، والمدرسة الأخرى ترى أن كل التأزيم يأتي بمصالح لها، قد تستدعى للإنقاذ إن استطاعت، فاستمرار التأزيم هو فرصة مناسبة.

الخلفية التي يمكن ملاحظتها أنه لم تعد هناك مصالح عامة ومشتركة وجوهرية في العمل العام، هناك دوافع أما إيديولوجية تعنى المعارضة من أجل المعارضة، إذ يكسب القائم بها شعبيا، أو معارضة لتحقيق مصالح ذاتية أو فئوية أو قبلية أو طائفية. الوصول إلى المشترك هنا ليس صعبا فقط ولكنه في درجة المستحيل.

لا أحد يعرف على وجه اليقين ما يمكن أن يتم خلال الخريف القادم من خطوات سياسية، إلا أن المؤكد أن العد العكسي والسريع إلى الأزمة الكبرى قد بدأ. البعض يقوم بهذا التأزيم ظنا منه أن التوقيت الافتراضي لفترة المجلس التشريعي الحالي قد أذنت بالانفراط، وبالتي فإن تجميع أكبرعدد من النقاط الشعبية في ملف العضو عن طريق تشكيل العقل المؤازر، هو أحد الضمانات للعودة من جديد إلى الكرسي الأخضر، في حال الدعوة إلى انتخابات مبكرة. وخصوصا أنها قد تجرى في الغالب على قاعدة الدوائر الخمس، غير المجربة والتي أصبحت قانونا نافذا في أي انتخابات مقبلة. أما العلاج الآخر لهذه الأزمة المتجددة فإنه ما أصبح يرمز إليه بالعلاج المر، وقد يكون مقيتا إلا أنه حيوي لبقاء الوطن، فالاستمرار في تصور الكويت مزرعة لا وطن يفقد الكثيرين على مر الوقت الإيمان ببناء دولة حديثة تستطيع أن تقدم لمواطنيها الاستقرارعوضا عن تقديم الرفاه. ويا له من خريف.

إقرأ أيضا لـ "محمد غانم الرميحي"

العدد 1817 - الإثنين 27 أغسطس 2007م الموافق 13 شعبان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً