العدد 1825 - الثلثاء 04 سبتمبر 2007م الموافق 21 شعبان 1428هـ

«الشرق الأوسط» والصراع على الأولويات

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

أربع زيارات سجلتها دول المنطقة خلال اليومين الماضيين. الأولى قام بها الرئيس الأميركي جورج بوش إلى محافظة الأنبار برفقة أركان إدارته التقى فيها قادة الدول ورؤساء العشائر والفعاليات السياسية لتأكيد مدى النجاح الذي حققته خطته الأمنية على الأرض. الثانية قام بها مبعوث اللجنة الرباعية للسلام طوني بلير إلى جدة التقى فيها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله للبحث في موضوع استئناف المفاوضات التي يرجح أن تفتتح في «المؤتمر الدولي» في الخريف المقبل. الثالثة قام بها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى السودان وبحث فيها مع الرئيس عمر البشير موضوع دارفور وآليات نشر القوات الدولية والافريقية المشتركة في الإقليم. والرابعة قام بها الممثل الأعلى لسياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية خافير سولانا وشملت رام الله وتل ابيب وبيروت وبحثت إمكانات تفعيل القرارات الدولية والعلاقات المتوترة بين فتح وحماس في الضفة والقطاع.

الزيارات الأربع مترابطة سياسيا حتى لو جرت في مناطق متباعدة جغرافيا فهي تناولت قضايا ذات صلة بأمن الدول أو محيطها الجواري. المصادفة ليست النقطة الوحيدة المشتركة وإنما توجد سلسلة نقاط تشير إلى اتصال معين بين الحلقات الأربع.

الاحتلال الأميركي للعراق لم يعد بالإمكان فصله عن المستجدات التي طرأت على بلاد الرافدين ومحيطها الجغرافي. فأمن العراق ومستقبله بات له انعكاسه المباشر على أمن المنطقة وعلاقات دولها المعنية بالمتغيرات التي تمس التوازن الأهلي وهيكل الدولة.

الاحتلال الإسرائيلي وحصاره للأراضي المحتلة وتهديده الدائم بتكرار الاعتداءات ليس بعيدا في تداعياته السياسية عن زعزعة استقرار الدول المجاورة لفلسطين وتعطيل إمكانات تطبيق القرارات الدولية المتصلة بالسلام في «الشرق الأوسط».

لبنان الذي يعيش حالات قلق وتتجاذبه سياسات المحاور الإقليمية والجوارية والدولية ينتظر استحقاقات خطيرة تمس أمنه الوطني واستقراره الداخلي إذا فشلت قواه المحلية في التوافق على رئيس جديد للجمهورية.

السودان أيضا بعد صدور قرارات مجلس الأمن بشأن دارفور لم يعد بعيدا عن سياسات تدويل الإقليم بذرائع إنسانية تستغلها أوروبا والولايات المتحدة لزيادة جرعات التدخل في منطقة غنية بالثروات المعدنية والنفط.

العالم لم يعد بعيدا وخصوصا في دائرة جغرافية استراتيجية تقع على مفارق طرقات ومواصلات تفصل وتربط بين آسيا وأوروبا وتتمتع بأهمية جيوبوليتيكية تتحكم بحقول النفط وأسعارها وقنواتها وتمديداتها. ولهذه العوامل مجتمعة شهدت المنطقة عشرات الحروب المحلية والحدودية والاقليمية والدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكل تلك العناصر يتوقع أن تشهد المنطقة المزيد من التجاذبات نظرا لمكانتها الخاصة في التحكم بعوامل القوة التي تتصل مباشرة بأمن أوروبا السياسي والاقتصادي.

هذا الترابط بين الملفات الأربعة (العراق، فلسطين، لبنان، والسودان) لا يلغي وجود جدول أولويات يضع الحلقات واحدة قبل أخرى. الولايات المتحدة الآن (إدارة جورج بوش) تضع العراق على رأس أولوية اهتماماتها لكون ملفه يمس مباشرة مسألة الصراع على السلطة وتنافس الحزب الجمهوري مع الحزب الديمقراطي على كسب ثقة الناخب (دافع الضرائب) الأميركي في معركة الرئاسة في خريف العام المقبل. وأولوية العراق مرتبطة بثلاث مهمات كبيرة يريد بوش التفاوض بشأنها أو حلها في أقل الخسائر الممكنة في الفترة المتبقية من عهده. الأولى لها علاقة بأمن قوات الاحتلال ومدى نجاح إدارته في ضبط الاستقرار لمصلحة دولته. والثانية لها علاقة بالملف النووي الإيراني ومدى قدرة إدارته في تطويع مشروع التخصيب وضبطه تحت سقف دولي يضمن لواشنطن مساحة للتحرك والمناورة لمنع انعكاس الملف على التوازن الإقليمي وسياسة التسلح وأمن النفط وتسهيل انسيابه. والمهمة الثالثة تتعلق بأمن «إسرائيل» الاستراتيجي وضمان تفوقها العسكري على مجموع الدول العربية وخصوصا المحيط الجغرافي لفلسطين (مصر، الأردن، سورية، ولبنان).

الأولوية الأميركية تقابلها أولوية عربية ظهرت خطوطها العريضة بوضوح بعد انعقاد القمة في الرياض. المشروع العربي وضع سلسلة حلقات ابتدأت بالقضية الفلسطينية وتطبيق القرارات الدولية التي لا تتعارض في جوهرها السياسي والإنساني والأخلاقي عن مبادرة السلم العربية، ثم قضية العراق بصفتها نتاج ذاك الاحتلال الذي حطم الدولة وقطع أوصال بلاد الرافدين وشرذم العلاقات الأهلية إلى صيغة تقسيمية (فيديراليات طوائف ومذاهب ومناطق). وبعد العراق يأتي موضوع لبنان ومحاولات تحطيمه وزعزعة استقراره من خلال تقويض المشروع العربي وإضعاف الدولة وعزل المقاومة. وأخيرا وليس آخرا جاء موضوع دارفور وتأييد حكومة السودان في سياسة عدم المبالغة في تدويل أزمة الإقليم وإدخال الدور العربي - الإفريقي في سياق المحافظة على أمنه وهويته.

أولويتان أميركية عربية

تعارض الأولوية العربية مع الأولوية الأميركية أدى إلى توليد تشنجات سياسية ظهرت في الإعلام المرئي والمكتوب وفي تصريحات واضحة أو منسوبة لمراكز قوى في إدارة بوش. واشنطن مثلا رفضت مبادرة السلم العربية واستغلت الانقسام العربي بشأنها لإظهار مدى ضعفها وعدم قدرتها على الاستمرار. وأيضا رفضت «تفاهم مكة» بين حماس وفتح وعملت ميدانيا على إجهاضه وتفسيخه إلى إدارتين فلسطينيتين في غزة والقطاع. كذلك شنت الإدارة سلسلة حملات أطلقت خلالها افتراءات سياسية استهدفت تحميل الدول العربية مسئولية إفشال الاحتلال الأميركي للعراق واتهامها بتسليح المقاومة وتمويلها وتدريبها وعدم الاعتراف بحكومة نوري المالكي أو مساعدتها.

أدّت هذه الهجمات الإعلامية إلى توليد شرارات كادت تؤسس ما يشبه «الحرب الباردة» في منطقة الخليج ومحيطها الممتد من باكستان وأفغانستان شرقا إلى تركيا ومصر والسودان شمالا وغربا.

كل هذا التوتر الدولي/ الإقليمي حصل بسرعة ردا على قمة الرياض العربية ولم يخف منسوبه الحراري إلا بعد تلك الجولة التي قام بها الثنائي الأميركي (وزيرة الخارجية ووزير الدفاع) إلى المنطقة لتوضيح الملابسات وتأكيد حرص واشنطن على مفاوضات السلام بتجديد الدعوة إلى عقد «قمة دولية» في الخريف المقبل.

الخريف المقبل ليس بعيدا. وقبل اقتراب موعده بدأت المصادر الأميركية تشكك في إمكان نجاحه وأخذت تطرح الكثير من الحواجز التي تمنع الأطراف الإقليمية والفلسطينية التفاهم على صيغة عادلة ومعقولة ومقبولة للنقاط الجوهرية التي لا غنى عنها لتحقيق السلام وتأمين الحد الأدنى من الشروط السياسية والإنسانية لقيام دولة فلسطينية «قابلة للحياة».

التوتر إذا لا يزال على حاله حتى لو تراجعت درجة حرارته. فالأولوية في برنامج إدارة بوش للعراق لذلك قام بزيارته السريعة لمحافظة الأنبار (مركز المقاومة) للإشارة إلى مدى نجاح خطته الأمنية قبل صدور «تقرير سبتمبر» ومناقشته أمام الكونغرس بدءا من منتصف الشهر الجاري. وبما أن بوش يرى أن الملف العراقي يحتل رأس جدول أعماله فمعنى ذلك أنه بات على استعداد للتفاوض مع أي جهة إقليمية تساعده على تخفيف الأعباء على قواته وتقطيع الوقت المطلوب للخروج بأقل الخسائر من المحاسبة المتوقع صدورها عن الكونغرس.

هذه الأولوية لملف العراق مهمة أميركيا وكذلك إقليميا لأنها تشكل ذاك الضغط المعنوي والسياسي على إدارة تريد إظهار سلوكها الدولي في موقع الطرف الأقوى في معادلة «الشرق الأوسط». وتساعد هذه الأولوية على فهم الكثير من الأمور السياسية المتعلقة بالاتصالات الأميركية - الإيرانية بشأن أمن العراق والملف النووي وتأجيل العقوبات الإضافية إلى نهاية السنة الجارية مقابل شروع طهران في تخفيف مشروع التخصيب وتجميد «جيش المهدي» أنشطته لمدة ستة أشهر. كذلك تساعد الأولوية نفسها على فهم معنى زيارة المالكي إلى دمشق وتأكيد الاعتراف السوري بحكومته والبدء في فرض تأشيرة دخول على العراقيين الهاربين من جحيم الفوضى في بلاد الرافدين.

معركة الأولويات بين الاستراتيجية الأميركية والمشروع العربي لا تلغي ترابط الملفات وانشداد حلقات السلسلة من بغداد إلى بيروت ورام الله ودارفور. فالسلسلة واحدة وأن اختلفت أولويات كل طرف دولي أو إقليمي، ولهذا السبب شهدت المنطقة خلال 48 ساعة أربع زيارات دفعة واحدة.

الأولى لبوش أراد منها مخاطبة الجمهور الأميركي وتطمينه بشأن احتلال العراق. والثانية لبلير الذي أراد التأكيد للجانب العربي مدى الحرص الدولي على نجاح مفاوضات السلام. والثالثة للأمين العام للأمم المتحدة الذي يحاول التنسيق بين القرارات الدولية والدور العربي - الإفريقي في دارفور.

والزيارة الرابعة كانت لممثل الاتحاد الأوروبي الذي بحث في تفصيلات سياسية تريد ضبط هدنة قلقه تحت سقف قرارات دولية قديمة وحديثة تتعلق بالاستقرار في منطقة استراتيجية وغنية بالنفط والاضطرابات.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1825 - الثلثاء 04 سبتمبر 2007م الموافق 21 شعبان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً