العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ

الكل في واحد (!Just a one -man show)

خالد المطوع comments [at] alwasatnews.com

أكثر ما ميز البحرين تاريخيا عن غيرها من أقطار في المنطقة ليس وحدتها الوطنية التي أوشكت أن تتآكل مع المضي قدما في تطبيق استراتيجيات التشطير العمودي، وتمكين الطائفية في البلاد من إدارة الدفة الاجتماعية والسياسية، وهو ليس ألفة ووداعة الشعب البحريني الموشكة هي الأخرى على الانصهار والذوبان بنار الغلاء المعيشي والرواتب المتدنية، كما أنها أيضا ليست مميزات خضرة غابات النخيل الخلابة التي أبيدت أو تلك الشواطئ الجزرية الدافئة التي اعتقلت، وحتى لا تطول بنا المقدمة من دون اللازم فإن أكثر ما ميز ويميز وسيميز البحرين في المدى المنظور هو كونها بلدا تستفحل فيه ظاهرة مؤسساتية وبائية هي ظاهرة «a one - man show» أو «الكل في واحد»!

فما هي هذه الظاهرة الوحدوية الرهيبة التي نشهدها بحرينيا؟! وما هي أبرز ملامحها؟! وهل تنتشلنا من براثن ضياع وحدتنا الوطنية وربما تأتي على وزنها؟!

أنت هنا في البحرين يعني أنك في مكان تستطيع من خلاله أن ترى كل الأشياء لونا واحدا، وأن تشمها بالرائحة ذاتها وإن اختلفت الفجوات الباردة بينها، فأينما تول وجهك شطر القطاع العام فإذا به أصبح كبدا للقطاع الخاص أو قلبا له، وأينما تول وجهك شطر الدولة فإذا هي وقد أصبحت مجتمعا مدنيا كما يصبح «المجتمع المدني» الدولة في الوقت ذاته إن لم يزايد عليها في عموميتها وتفردها، وحينما تطيل بصرك في أحشاء بعض التيارات السياسية ستجدها وقد أصبحت حاملا في الشهر التاسع بأجنة هي مؤسسات الدولة، فيأكلك العجب العجاب وتتساءل عن أيهم الفرع والأصل هل هو الحزب أم هذه المؤسسة العامة النابتة في أحشائه!

فلا الحزب ولا الدولة ولا القطاع ولا القطاع الخاص يختلفان عن بعضهما بعضا إلا ربما في التقية المؤسساتية؟! أو بالأحرى، التقية الشبكية حينما لا نتكلم عن مؤسسات وشركات وإنما قنوات وشبكات وتوصيلات تحتية وخلفية؟!

فأنت أينما حللت وذهبت تجدك أمام ما يشبه الغابة من مرايا سوداء متقابلة ما أن يطوف بها شعاع إصلاحي شارد أو عابر حتى يحدث ألما وإزعاجا عظيما ويبئس الأنظار ويكسر البصائر، ويهش خفافيش الظلام التي فيما يبدو ارتأت حديثا أن ترتدي نظارات شمسية ماركة «مون بلان» أو «شاريول» لتصبح رموزا «Icons» إصلاحية تزكى أمام الجميع، ويتبارك بها، وهو ما لا يتلاقى حتما مع الإصلاح، وإن انثنى قليلا لمرور عاصفة وزوبعة وظاهرة إصلاحية!

كما أن مجرد قذف حجرة طائشة أيا كان مصدرها وتركيبها الكيميائي لكفيل بحد ذاته وفي أية لحظة ناسفة من عمر الزمان أن يقضي على مجمل ذلك التعاكس والتقابل الزجاجي المدلهم، ويحيله إلى ركام شظايا منثورة وقاطعة يستحيل «تحويشها» وإصلاحها مجددا، وهو ما يعكس حقيقة الوثاقة التي تتميز بها المناعة المؤسسية للقطاع العام والخاص ونصف المجتمع المدني أو نصف المجتمع الأهلي، وحتى النخب والعامة والسوقة، وهي تلك المناعة التي لم تقيها العلاقات والتعاضديات الضيقة بين المفاصل العنكبية والعقربية للشبكات، والتي لطالما تميزت بها الكثير من مؤسسات الدولة!

ومثلما يؤدي تكرار تعيين الوجوه ذاتها، والعقليات ذاتها والآفاق ذاتها في عدد من الأماكن والسلطات الحيوية، وإعطائهم أكبر عدد ممكن من الصلاحيات للتعامل مع أكبر وأعقد الملفات والحالات المؤسسية القائمة منذ سنين طوال بل ومنذ عقود إلى خنق أي واقع جديد ومحتمل للإبداع والابتكار، فإنه يؤدي من دون شك إلى كبت وإحباط أية عملية تغيير جوهرية لازمة وممكنة لمعالجة هذه الحالات العويصة!

ناهيك من ما تساهم به هذه الظاهرة التي تنحصر فيها السلطات والصلاحيات الشاسعة على أكثر من ميدان مؤسساتي متباين في زيادة احتمالية وقوع الفساد وتعششه واستشرائه مهما اختلفت النوايا والتقديرات، وذلك حينما تتشتت الجهود الرقابية وترتبط الكثير من ميادين العمل المؤسساتي وحتى التنظيمي بزلات وأخطاء إن لم تكن خطايا إدارية ونوعية لذات الفرد المسئول والرئيس عن تسيير أمورها الرئيسية وإدارة دفة شئونها المتضاربة في كثير من الأحيان!

فهل تسند مثلا كامل المهام الإدارية والتنظيمية المتعلقة بكومة من المؤسسات الوطنية الكبرى معا وتحتاج قضاياها ومؤسساتها إلى جهود فريق إداري احترافي بالكامل لمدة عقدين من الزمن على أقل تقدير حتى تتم حلحلتها، وذلك إلى شخص لطالما ثبت شرعا وعقلا أنه لا يتميز بأية كفاءة إدارية وذلك من خلال تجريبه مسبقاَ في ميدان القطاع العام، وهو ربما لا يصلح حتى لإدارة «بقالة»!

فهل يكفي دسم الثقة السياسية وحده الذي ربما يكون وراء جعل شخص من الأشخاص دون غيره بمثابة «الباغوان» المؤسساتي ذو الأذرع المتعددة، والتي يبسطها في العام والخاص وغير ذلك، أم أن مثل هذه الثقة تحول مناصبا حساسة ومتعددة الأذرع والرؤوس والأعناق كتلك إلى أشبه ما يكون بالمكافأة المجزية على حساب الغير من أن تكون تكليفا حقيقيا وأن تسجل مسعى إصلاحيا ملموسا للتعامل بعقلية نظيفة وأداء نوعي جديد مع ركام الأزمات والقضايا المؤسساتية المعلقة؟!

أم أننا في ذلك بحاجة ماسة إلى تأصيل ثقافة «العمر الافتراضي المؤسساتي والإداري والأدائي»، وترسيخ عدد من المفاهيم الموضوعية المستعارة إنتاجيا كـ «تاريخ بدء الصلاحية» و»تاريخ انتهاء الصلاحية» في المضمار الحساس ذاته؟!

إن استمرار تلك الظاهرة سواء أكان محليا أو إقليميا لربما يعطي مؤشرا خطيرا بخصوص إفلاس منظومة من المنظومات عن تجديد كوادرها أو بالأحرى عجزها عن استيلاد كوادر إدارية جديدة من داخل البيت تتولى مجابهة الاحتكاك الواقعي، والتعامل الحساس المبدع مع الكثير من الملفات العالقة والمعقدة التي أثبتت بعض الوجوه القديمة - المتجددة إخفاقها التام في تسوية أمورها العامة، باستثناء أمورها الشخصية!

فهي إذا أزمة خصوبة إدارية وبقاء نوعي لمنظومة من المنظومات، كما أن ليست جميع مظاهر الوحدة هي مظاهر خير ويمن وبركة بالضرورة، إذا كانت هذه الوحدة المصمتة والجامدة على غرار «One men,s show»، أو ما يحدث عندنا!

إقرأ أيضا لـ "خالد المطوع"

العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً