العدد 1883 - الخميس 01 نوفمبر 2007م الموافق 20 شوال 1428هـ

تغيير جوهر المعادن وتحويل كيمياء الجسد

طلائع الفلسفة العربية الإسلامية (8)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

تولى المقتدر الخلافة مدة 24 سنة، وهي تعتبر في مقاييس ذاك الزمن طويلة مقارنة بمن سبقه. آنذاك كان الرازي بلغ 44 سنة من عمره وأخذت شهرته ترتفع في عالم الطب بحكم موقعة الوظيفي في إدارة المستشفى إضافة إلى كتاباته «الفلسفية» التي أورثته مشكلات سياسية بسبب خلاصاته النظرية وإصراره على تأكيد فكرة التحول وإمكان تغيير جوهر المعادن.

أدت مسألة تغيير الجوهر إلى إشعال نقاشات فلسفية بين تيار يرفض الفكرة وآخر يؤكدها. المدرسة التي ترفض الفكرة اتهمت طلاب «صنعة الكيمياء» بالكذب والاحتيال وخداع الناس. بينما اتجهت مدرسة الكيمياء إلى تأكيد نظريتها العلمية مستخدمة أنواع من الإكسيرات (الفرّار والزئبق) في مختبرات للدلالة على صحة نهجها.

شكّل الانقسام على تغيير «جوهر المعادن» فاصلة مهمة في تصنيف الفلاسفة المسلمين وتوزيعهم بين تيار مؤمن بثبات الطبيعة كما هي وآخر ملحد يرى في تدخل الإنسان قوة عقلية مضافة تستطيع تغيير أصول الجواهر (المعادن) وتحويلها من نحاس مثلا إلى ذهب.

إلى جانب الخلافات الفلسفية/ الفقهية بشأن تغيير جوهر المعادن وأصل الجواهر أثارت المسألة اهتمام السلطة والتجار وأرباب العمل وطرحت أسئلة جدية عن ثبات الطبيعة والصانع. فإذا كان بإمكان الإنسان تغيير معادن الطبيعة فمعنى ذلك أنه يستطيع اقتحام الكثير من الحقول الممنوعة. وأدى هذا النوع من الطروحات إلى توليد نقاشات سلبية تداولها العلماء والفقهاء وردوا عليها لتأكيد توازن الطبيعة وعدم قدرة الإنسان على تغيير العناصر الأولية التي تتكون منها الحياة.

قاد الرازي آنذاك تيار «صنعة الكيمياء» مؤكدا في بحوثه أن إمكانات تحويل المعدن من حال إلى أخرى واردة وليست مستحيلة. وبسبب منهجه الطبيعي (الكيميائي) صُنَِّف «الفيلسوف» في مرتبة الإلحاد والكفر واتُّهِم بالاحتيال والخداع وتهديد أمن الدولة واقتصاد السلطة ومواردها وخراجها.

تصنيف الرازي وضعه في جبهة مضادة للفيلسوف الأول. فالكِنْدي (اللغوي الرياضي) كما يقول المسعودي في تاريخه: «صنف رسالة في ذلك (...) يذكر فيها تعذر فعل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله». الكِنْدي أبطل «دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة من غير معادنها». وهذا ما حاول الرازي نقضه حين رد على رسالة الكِنْدي في كتاب تألف من 10 مقالات في صناعة الطب معتبرا «أن ما ذكره الكِنْدي فاسد، وأن ذلك قد يتأتى فعله».

المسعودي لا يدخل في النقاش الفلسفي ولكنه يعتبر أن هذا الباب «تنازع الناس فيه» ويحذر من الغوص في علومه لأنه «يخسف الدماغ، ويذهب بنور الأبصار، ويكسف الألوان من بخار التصعيدات ورائحة الزاجات وغيرها من الجمادات». (مروج الذهب، جزء 4، ص 291).

أوقعت النقاشات السلبية الرازي في مشكلة. فهو مقتنع بالنظرية ولكنه غير قادر على نفي تهمة الاحتيال والخداع والتلاعب بمصادر رزق الناس. وهذا ما أدى إلى تشكيل قوة ضغط مضادة لكتاباته الغزيرة في مختلف الحقول ولكنها غير معتبرة فلسفيا. فالفلسفة في مقاييس ذاك الزمان كانت ترفض الأخذ بمنهج الكيمياء لتعديل توازنات الطبيعة واعتبرت كل محاولة في هذا السياق خطوة مرفوضة للخروج على الملة والتشكيك في قدرة الصانع.

النقاش الذي أثارته نظريات الرازي الكيمائية استخدمت في الطب ولم تقبل منطقيا في الفلسفة. إلا أنها وضعته في مصاف المفكرين «الطبيعيين» في عصره. فالرازي الآن أصبح من الأعلام ولم يعد مجرد طبيب السلطة ورئيس المستشفى ومديرا للأطباء.

الرفض الذي قوبلت به نظريات الرازي «الكيميائية» لم يكن سببه يعود إلى أسباب فلسفية وفقهية فقط وإنما دخلت السياسة في صلب الموضوع لتضغط على كل الاجتهادات الدافعة بهذا الاتجاه. فالخلافة العباسية آنذاك كانت تقاتل على جبهات مختلفة بعد نجاحها المحدود في استرداد سلطتها في بلاد الشام ومصر من عهدة الدولة الطولونية. وكانت تتجه نحو ضبط التجاذبات الأهلية والحد من الاجتهادات التي توتر جبهتها الداخلية.

خلافة المقتدر لم تكن في حال جيدة سياسيا. فهي شهدت تحديات كبرى بدأت غربا بانهيار دولة الأغالبة (الموالية للعباسيين) وقيام دولة الفاطميين في المغرب في 297 هـ (909م) وهي الدولة التي ستنجح لاحقا في مد نفوذها إلى أقصى المغرب بإعلان دولة الأدارسة مبايعتها. وفي الشطر الشرقي ستشهد الخلافة أيضا تحولات سياسية أبرزها انهيار الدولة الصفارية في 298 هـ (910م)؛ ما أفسح المجال لنمو شوكة الدولة السامانية في بلاد ما وراء النهر.

في هذا المحيط المضطرب كان على الخليفة أن يقاتل على جبهات مختلفة تشكلت فيها مراكزُ قوى على أطراف الخلافة في فترة زمنية متقاربة. في الشرق (فارس) تأسست دولة سامانية في بلاد ما وراء النهر. وفي الغرب تشكلت دولة فاطمية أخذت تمد نفوذها إلى الأقصى. وفي الأندلس ظهرت دولة عبدالرحمن الناصر القوية. وفي الجنوب تأسست دولة زيدية في اليمن.

أوقع هذا النمو المستقل لدول الأطراف مركز الخلافة في ضياع سياسي وبات على الخليفة أن يحدد أولوية في جدول أعماله للبدء بعملية استعادة هيبة الدولة وبسط نفوذها من جديد على أراضٍ تعتبر من خراجها. وقرر المقتدر أن يعطي الأولوية لبلاد الشام ومصر. فهذه المنطقة تعتبر تقليديا ساحة تختبر مدى قوة العراق ودوره في قيادة الأطراف وجذبها نحو المركز (عاصمة الخلافة).

اصطدم قرار المقتدر بضعف الدولة البنيوي وعدم جاهزية الخلافة لتشكيل قوة موازية تحد من نمو مراكز منافسة في الأطراف. وساهم هذا الضعف العام في إعطاء فرصة للدولة الفاطمية في المغرب للبدء بتنظيم حملاتها العسكرية على مصر فجاءت المحاولة الأولى في العام 301 هـ (913م). وفشلت المحاولة في تحقيق أغراضها وإحراز أي تقدم ميداني. وأسعف فشل الهجوم في رفع معنويات الخليفة وتعزيز موقع العباسيين في مصر وبلاد الشام. ولكن المحاولة لم تكن الأخيرة إذ نجح الفاطميون في تطوير مواقع دولتهم وتعزيزها فأقدموا على تأسيس مدينة المهدية (قرب القيروان) وأعلنوها عاصمة في العام 304 هـ (916م). ومنذ تلك الفترة بدأت الدولة الفاطمية بالنمو والتقدم في وقت كانت دولة عبدالرحمن الناصر استقرت في الأندلس.

توازن القوة بين دولة الأندلس ودولة الفاطميين في المغرب أنتج سياسة توزعت على اتجاهين. الأول نمو المواجهة بين القوتين الطرفيتين بهدف مد النفوذ على المغرب؛ وهذا ما شجع الناصر مستفيدا من ضعف الخلافة على إرسال حملة عسكرية بذريعة الدفاع عن أطراف الدولة وخوفا من ظهور دعوة موالية للفاطميين. والثاني نمو حاجة قصوى لدى الدولة الفاطمية ألحت عليها ودفعتها إلى توسيع نفوذها شرقا؛ هربا من ضغوط دولة الناصر فأرسلت حملة ثانية إلى مصر في العام 309 هـ (921م) كان نصيبها الفشل أيضا.

كيمياء الجسد

وسط هذه التجاذبات السياسية الإقليمية كان الرازي يعيش سنواته الأخيرة، فنظرياته عن تغيير جوهر المعادن تحولت إلى نزعة ايديولوجية روحية (كيمياء الجسد) أخذ بها بعض المتصوفة كالحلاج (الحسين بن منصور) مثلا. وبناء على فرضية إمكان تحويل المادة شطحت تيارات من حركة المتصوفة إلى التطرف الروحي واتجهت نحو تبني فرضيات تقول بإمكان تحويل الجسد (الحلولية) والاندماج أو الظهور بصور مادية أخرى.

فكرة تحويل المعادن التي تأسست في مختبرات «الكيمياء» بدأت نظرية مادية/ طبيعية ولكنها تبدلت ايديولوجيا حين اعتمدت وسيلة للقول إن جسد الإنسان قابل أيضا للتغير والتحول والانتقال والتقمص والتبدل من حال إلى حال.

الحلاج أخذ بمنهج الرازي الكيميائي وأسقطه من عالم المعادن إلى عالم الإنسان ومن الجواهر إلى الجسد ومن المادة إلى الروح. هذا الانتقال المنهجي لطقس التحولات من عالم المادة إلى عالم الروح رفضه العلماء والفقهاء والأئمة. وأجمعت كل المذاهب والاجتهادات على رفض نظرية التحول (الحلول) التي جاهر بها الحلاج إلى درجة متطرفة وصلت إلى التماهي بالصانع.

نظرية الحلاج أثارت القلق والسخط وكانت في معايير ذاك الزمان خطوة جريئة تجاوزت تحليلات الرازي. فالرازي أبقى أفكاره في إطار العلوم الكيمائية والطب وحقول المادة والمعادن أما الحلاج فأخذها إلى مكان آخر يتجاوز حدود استخدام المحلول لتغيير جوهر المعادن. وبسبب اختلاف نزعة إلحاد الرازي المادية عن شطط الحلاج وتطرفه في المحلولات الروحية قرر الخليفة اعتمادا على فتاوى العلماء إعدام زعيم حركة «صوفية» ادعت القيام بمعجزات فوق الطبيعة.

نفذ الصلب في العام 309 هـ وشكل آنذاك رسالة قوية لكل الاجتهادات أو الاتجاهات التي نزعت نحو استخدام العلوم الطبيعية واعتمادها منهجا في تأويل الشريعة والخالق. وكان المقصود ضمنا آنذاك الرازي وفلسفته الطبيعية (الكيمائية). ويرجح أن يكون الرازي فهم الرسالة بعد رؤيته مشهد صلب الحلاج في بغداد. فالمشهد بليغ في إشاراته وتنبيهاته؛ لأنه وصل إلى كل من يعمل في قطاع ذهني خطير في تأثيراته على العامة. ومن هؤلاء كان الفارابي الذي كان يعمل في حقل الفلسفة ويؤمن كالرازي بإمكان تحويل جوهر المعادن من حال إلى حال.

سنوات الرحيل

لا يُعْرَف متى توفي الرازي. هل رحل بعد إعدام الحلاج بفترة زمنية وجيزة أم أنه عاش منزويا يراقب أو منطويا يخاف من رقابة الدولة؟

هناك ثلاثة تواريخ لرحيل الرازي. الأول في العام 311هـ (بعد الحلاج)، والثانية في العام 313هـ (925م) أي قبل مجزرة الحرم المكي واقتلاع الحجر الأسود، والثالثة في العام 320هـ وهي السنة التي اغتيل فيها الخليفة المقتدر بعد قيام حركة تمرد قادها مؤنس الخادم.

الفارق بين التاريخين الأول والثالث نحو 19 سنة وهي فترة زمنية لا بأس بها في عصر سريع في تحولاته. ففي هذه المرحلة شهدت الخلافة عودة عنيفة لحركة القرامطة حين نجحت في الظهور بقوة منذ العام 316هـ (928م) وأقدمت على اقتحام مكة المكرمة ونفذت مجزرة بالحُجَّاج وانتزعت الحجر الأسود ونقلته إلى مكان آخر (البحرين). وشكلت هذه الحركة العنيفة أقوى تحدٍّ للخليفة وفرضت على الدولة مشكلة سياسية كان عليها التعامل معها لإنقاذ رمز لقوة الخلافة وموقعها الخاص في حماية المقدسات.

المؤرخون يرجحون وفاة الرازي قبل تلك الفترة ويتفقون على أن رحيله جاء في العام 313هـ، قبل بدء ظهور بوادر قيام الدولة الإخشيدية في مصر في العام 317هـ، كذلك قبل وفاة عالم الفلك والجغرافيا عبدالله البتاني الحراني الذي يرجح أنه رحل في العام 318هـ (929م).

إلى الخلاف على تاريخ الوفاة هناك خلاف على المكان. بعض المؤرخين يرجح أنه عاد إلى الري وأصيب بالعمى وتوفي هناك. والبعض الآخر ينفي رواية العودة ويؤكد أنه عاش شيخوخة طبيعية ورحل بهدوء في بغداد.

وبغض النظر عن مكان الوفاة أو موعدها عاش الرازي فترة صاخبة اتصفت بالتنافس والتنازع. فعصره شهد ظهور أو غياب شخصيات تاريخية سيكون لها أثرها في إبداع مدارس وتحديث حقول وتطوير مناهج. فهو كان على صلة بمؤرخ طبقات المعتزلة ومن كبار شيوخهم المخضرمين البلخي (الكعبي) وعلى اطلاع ومتابعة كتابات ونشاط الإمام الأشعري الذي زعزع أركان المعتزلة الايديولوجية. كذلك عاصر في حياته العلمية والطبية ظهور الفارابي على الساحة الفلسفية وهي ساحة سيكون له تأثيره الخاص في إنعاشها وتداول مادتها قبل أن ينتقل «المعلم الثاني» من بغداد إلى حلب في لحظة شهدت خلالها الخلافة تأسيس دويلات طرفية أبرزها «الدولة الحمدانية» التي عرفت شهرة واسعة في شمال الشام في عهد سيف الدولة.

الفارابي الشاب سيسرق الضوء من الرازي الشيخ وسيرد عليه ويجادله كما فعل الرازي (أبوحاتم) والكرماني وناصر خسرو وابن هيثم وابن ميمون. إلا أن الفارابي تميز عن غيره بأنه سيبدأ إعادة تأسيس منهجية خاصة اعتمدت في زوايا منها على فلسفة الإغريق وتحديدا كتاب «الجمهورية» لأفلاطون. وبسبب هذا النوع من التخصص سيكتسب الفارابي لقب الفيلسوف وهو ما حاوله الرازي في حياته وفشل. تفوق الفارابي على الرازي فلسفيا لا يعود إلى اشتغاله في ميدان العلم العملي وإنما ابتكاره تصورات سياسية في العلم النظري في فترة انتقالية ظهرت خلالها دولة طرفية على هامش مركز الخلافة. فالتفوق يعود إلى التقاط الفارابي تلك اللحظة الزمنية واشتغاله عليها بصفته يملك رؤية متقدمة في توصيف شروط قيام الدولة العادلة والرشيدة والحكيمة أو ما يسميه «المدينة الفاضلة».

هذا النوع من التفكير السياسي ليس جديدا. فقد سبقه الجاحظ وكتب «التاج» الذي اقتصرت أوراقه على وصف العلاقة بين الحاكم والمحكوم. كذلك سبقه الرازي وكتب «مقالة في أمارات الإقبال والدولة» ولكنها اختزلت الرؤية ووضعتها في دائرة عناصر الظهور ولم تجنح مخيلته في توصيف ركائزها وأركانها. فالرازي اكتفى بسرد عشر أمارات لإقبال الدولة وهي: العلم والتنقل، اتساق الأمور، أخلاق النفس الموافقة للرياسة، عشق الرياسة، الحلم والتؤدة في الأمور، صدق ودقة حس النفس والادكار والتخمين، الميل إلى موافقة الخلطاء والأعوان، اقبال الخدم والأصحاب، خلو قلبه من الضغائن والأحقاد، وميل النفس إلى العدل وكراهيتها الجور.

هذه الأمارات رأى فيها الرازي أنها كافية للرياسة وتوطيد الملك وإرساء قواعده. أما الفارابي فقد تجاوزت مخيلته تلك الحدود حين أعادت رسم شخصية الدولة وطباعها ودرجاتها وأنواعها وتطورها؛ ما أعطاه ذاك الموقع الخاص في بلاط سيف الدولة الحمداني.

اللحظة الزمنية لعبت دورها في ترسيم حدود الافتراق. فالفارابي جاءت التحولات السياسية لمصلحته وأعطته فرصة لاكتساب موقع الرياسة في الفلسفة العربية/ الإسلامية، بينما الرازي كان عاثر الحظ فهو اجتهد لكسب الصفة ولكن ظروف المكان والزمان لعبت دورها لتحرمه من رياسة الموقع.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1883 - الخميس 01 نوفمبر 2007م الموافق 20 شوال 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً