العدد 1976 - السبت 02 فبراير 2008م الموافق 24 محرم 1429هـ

طاعة ولاة الأمر

عباس هاشم Abbas.Hashim [at] alwasatnews.com

أفكار البعض المتشددة لأقصى حدود التشدد مع مخالفيهم في الرأي، تتناقض تماما مع دعوتهم لأقصى درجات الطاعة لولاة الأمر لدرجة الانبطاح.

الحكم الصالح، حكم يتكون من أمّة صالحة وحكومة صالحة وقانون عادل؛ والحكومة الصالحة يعني التزامها بالقانون؛ وإنْ خالفته، جاز للأمّة التحرك من أجل تقويمها، بغض النظر عن تشخيص نوع التحرك. ولا ضمانة حقيقية لاستقامة حكومة ما، إلاّ باستقامة الأمّة من خلال علمائها ونخبها بالذات، وبالتالي لا تستقيم الحكومة ولا تستقيم الأمّة ما دام مثقفوها وعلماؤها وكبراؤها ومَنْ يمتلكون المكانة والوجاهة، يلوذون بالصمت حيال تجاوزات القانون ومخالفته، فضلا عن تقديمهم الأعذار للحكومة في هذا الشأن.

ومن أكبر سبب بلاء هذه الأمّة، وإيقاعها في الفتنة حيث يختلط الحق مع الباطل، الترويج بحرمة الاعتراض على ولاة الأمر أو انتقادهم.

وهل ما يجري في غزّة وغيرها من مآسٍ إلاّ وليد هذا التفكير المعوّج الذي كبّل الأمّة، وأقعدها عن أداء واجبها تجاه بعض ولاة الأمر، فأضاعوا فلسطين كما أضاعوا الأندلس من قبل؟ ومن أجل استيعاب دور الأمّة الحاسم في تقويم الحكومات، نلاحظ أنّ الأحكام الشرعية التي تعتبر بمثابة القانون العادل، تتكون من ثلاثة أنماط، أحكام ثابتة كالزكاة، وأحكام للدولة تقدير المصلحة، كتوزيع بعض الأراضي أو حجز بعضها للمصلحة العامّة بحسب ضوابط ذكرها الفقهاء، وأحكام متحركة، يتم استصدارها وفقا لتطوّر الزمن وحاجات العصر المتغيرة، ويتم استصدارها بحسب قواعد معينة معلومة لدى أهل الاختصاص.

وفي عصر الخلافة الراشدة نماذج حيّة كالموقف المثير الآتي، الذي يبيّن وجوب ضمان التطبيق النزيه لهذه الأحكام من خلال مراقبة الأمة ومحاسبتها للحكام، يقول أحمد شلبي: «خطب عُمر بن الخطاب مرة يندب الناس للجهاد، فوقف رجل وقال: لا سمعا ولا طاعة. فسأله عمر: لماذا ؟ فأجاب الرجل: لقد قسمت علينا أقمشة من بيت المال وكان نصيب الواحد لا يكفي ثوبا، وأراه عليك الآنَ ثوبا كاملا وأنت رجل طويل. قال عُمر لابنه عبدالله: أجبه يا عبدالله. قال عبدالله: لقد أعطيت أبي من نصيبي ما يكمل به ثوبه. قال الرجل: أما الآنَ فالسمع والطاعة» (مقارنة الأديان، لأحمد الشلبي - ص 185).

وباستثناء المعصوم، لا يوجد طاعة عمياء لأحد، ولهذا عندما نصّب الإمام علي بن أبي طالب مالك الأشتر على مصر، أرسل لأهلها خطابا، طالبهم بطاعته فيما طابق الحق فقط فقال: «فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق...». هذا يعني أنّ الأمّة مسئولة عن قياس مدى مطابقة تصرف الدولة لما يحقق الصالح العام، ويعني أيضا التعويل على قوة وعيها ومعرفتها لحقوقها، خصوصا فيما يتعلق ببعض القوانين التي يكون التقدير فيها للدولة كحجز بعض الثروات التي يشترك في الاستفادة منها جميع الناس بدون تمييز؛ فحين فرض الخليفة عثمان بن عفان الحمى على بعض المراعي، فإحقاقا للحق، طالبه جماعة من المسلمين بتوضيح موقفه هذا، فوّضح ما أقدم عليه بقوله: «فأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة فلما وليت وزادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة» (المستدرك - الحاكم النيسابوري - ج 2 - ص 339، وصححه الحاكم).

أخيرا، إنّ الحاكم الذي يود كسب شعبه، ينظر بعيون الصادقين ممن يصدع بقول كلمة الحق ويشير إليه بأخطائه، لقول علي بن أبي طالب في خطابه لمالك الأشتر: «... ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ لك»، وعندما جاء قوم ومدحوا الإمام علي(ع) بقولهم: «أنت أميرنا ونحن رعيّتك... فاختر علينا وأمض اختيارك، وائتمر فأمض ائتمارك..»، ردّ عليهم رافضا تكريس هذا المبدأ الذي تحدّث به القوم؛ لأنه مبدأ الإمعات، الذين ينعقون مع كلّ ناعق، ويقيسون الحق بالأشخاص، وهو (ع) صاحب مقولة: «اعرف الحق تعرف أهله» لهذا رفض منهم هذا المنطق الذي يدغدغ قلوب الكثير من حكّام العصر، الذين يوّزعون جوائزهم ومديحهم على مَنْ يمتدحهم ويثني عليهم بحق أو باطل، حتى لو كان صعلوكا من الصعاليك، أمّا من ينصح مخلصا، فهو المشكوك في صدقه والمرتاب في نياته. فأجابهم الإمام (ع) ومما قال لهم «... فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء لإخراجي نفسي على الله وإليكم من التقية في حقوق، افرغ من أدائها، وفرائض لابدّ من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل أنْ يقال له أو العدل أنْ يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ». (الكليني، أبوجعفر محمد بن يعقوب: الكافي، ج8، ص355).

إقرأ أيضا لـ "عباس هاشم"

العدد 1976 - السبت 02 فبراير 2008م الموافق 24 محرم 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً