العدد 1988 - الخميس 14 فبراير 2008م الموافق 06 صفر 1429هـ

أرضٌ تُنْبتُ الزيتونَ والشهداءَ

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في هذه البقعة من الأرض، ألقى أحد العابرين قبل 1400 سنة بذور الثورة ودروس المقاومة الأولى ومضى.

جاء منفيا من أعماق جزيرة العرب، بعد أن ضاق به الحكم، فأرسله إلى أرضٍ نائيةٍ تُدعى «جبل عامل»، وبدل أن ينكسر ويتهاوى، أخذ يزرع البذور الأولى التي ستُنبِتُ الجباه العالية، حيث يتناسل قومٌ يعشقون موت العزة والكرامة... أكثر مما تعشق القبائل الأخرى حياة الذل والمسكنة والهوان.

هناك علّم المنفيّ أبوذر «شجر الورد الذي يحترف الفداء»، وأشعل «ثورة الأرض التقت بثورة السماء»، وأقام الجسد الذي «يطلع من ترابه قمحٌ وأنبياء».

لم يُطِلْ الغفاري الإقامة في منفاه بالشام، إذ سرعان ما ضاق به ذرعا حاكم الشام، فأعاده إلى العاصمة على جَمَلٍ، ومن هناك حُمِل على جملٍ آخر إلى الرَبَذَة، ليعيش في منفاه الأخير، حيث سيقضي وحيدا في الصحراء، ليس معه غير ابنته التي استغاثت بركبٍ من العراقيين لأن أباها لم يكن يمتلك كفنا، فقاموا بتكفينه وأتموا واجب مواراته في الثرى. ومع ذلك فإن الصحابيّ القادم من الصحراء العربية، خلّف وراءه فرعين كبيرين من عوائل المرابطين الذين أدمنوا المقاومة، إحداهما في لبنان والأخرى في فلسطين.

كل القبائل العربية الأخرى ملّت المقاومة وآثرت حياة الدعة وطلّقت آيات الجهاد، إلاّ هذين الفرعين الصامدين، اللذين كُتب عليهما خوض المعركة نيابة عن الأمة الخانعة، التي تتفاخر اليوم بخذلان الجنوب وإحكام الحصار حول غزة هاشم، ويهدّد زعماؤها بتكسير أرجل المقاومين من أحفاد أبي ذر. في هذه الأرض التي لا نفهم لغتها، خاطبها نزار قباني قبل عشرين عاما بقوله:

سمّيتك الجنوب... يا لابسا عباءة الحسين

وشمسَ كربلاء

سمّيتُك الموتى الذين بعد أن يُشيّعُوا

يأتون للعشاء

ويستريحون إلى فراشِهِم

ويطمئنون على أطفالِهِم

وحين يأتي الفجرُ... يرجعون للسماء!

هذه الأرض الغربية عنا، أطلق قباني نبوءته حولها في العام 1985، وهو يسمع البراكين تحمحم كالخيول بالثورة والانفجار:

سيذكر التاريخُ يوما قرية صغيرة

بين قرى الجنوب... تدعى «معركة»

قد دافعت بصدرها عن شرف الأرض، وعن كرامة العروبة

وحولها قبائل جبانةٌ مفكّكة

لم يبقَ إلاّ أنت... والإخوة الكرام نائمون فوق البيض كالدجاج

هؤلاء قومٌ لا ينامون إلاّ على وسادة الكرامة، ولا ترضيهم إلا موتة الشهداء... فلا نامت أعين الجبناء.

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 1988 - الخميس 14 فبراير 2008م الموافق 06 صفر 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً