العدد 2018 - السبت 15 مارس 2008م الموافق 07 ربيع الاول 1429هـ

بوش... والخيارات المفتوحة

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

شكّلت استقالة قائد القيادة الأميركية الوسطى الأدميرال وليام فالون مناسبة سياسية للحديث عن تجدد احتمالات الحرب على إيران. فالاستقالة جاءت عشية بدء نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني جولته على دول في منطقة «الشرق الأوسط» وهي جولة يُقال إنها محاولة أخيرة لفحص نبض دول المنطقة ومدى استعدادها لتقبل مواجهة عسكرية يختتم بها الرئيس جورج بوش عهده الفاشل. والاستقالة أيضا جاءت على خلفية مقال نشرته مجلة «اسكواير» تحدّثت فيه عن خلافات بين الرئيس والأدميرال على الاستراتيجية الأميركية في دائرة «الشرق الأوسط» وسياسة التعامل مع طهران. وذهب كاتب المقال توماس بارنيت إلى تقديم معلومات مبنية على فرضيات بشأن اختلاف وجهات النظر تسربت من لقاءات أو تصريحات. واستنتج الكاتب مقولة تفيد بأن الأدميرال يمنع الرئيس من خوض مغامرة جديدة وفي حال استقال أو ضغط عليه للاستقالة فإنّ مجال الحرب اتسع وبات بالإمكان توقع حصولها من الآنَ إلى نهاية السنة الجارية؛ أي الأسبوع الأخير من عهد بوش.

ربما المصادفة أعطت قيمة للمقال. وقد تكون المصادفة مقصودة إذ استقال الأدميرال فالون بعد صدور المجلة ما رفع من درجة صدقية المقال وأعطاه ذاك الثقل الذي اضطر البيت الأبيض بسببه إلى نفي العلاقة بين الاستقالة وما توصّلت إليه المجلة من تحليلات. كذلك اضطر وزير الدفاع روبرت غيتس إلى وصف المقال «بالسخيف للغاية». وذهبت الناطقة باسم البيت الأبيض دانا بيرينو إلى التأكيد على أنّ «لا أحد في الإدارة الأميركية يُريد حربا مع إيران على رغم أنّ الرئيس يحتفظ بكلّ الخيارات». واحتفاظ بوش بكلّ الخيارات وصفته الناطقة بالإيجابي؛ لأنه «يساعد على نجاح الدبلوماسية ويجعلها أكثر فاعلية».

ما الذي يمكن استنتاجه من كلّ هذه القراءات وردود الفعل على مقال غير موثق صدر في مجلة؟ هناك أكثر من ترجيح وكلّها تصب في لاءات (لا للحرب، ولا للسلم) أو في نعمات (نعم للدبلوماسية، نعم للتفاوض). أيّ كل الخيارات مفتوحة وهذا يعني ليس بالضرورة أنْ تقع الحرب، كذلك ليس بالضرورة أنْ تتوصل الإدارة إلى تفاهم أو تسوية مع طهران، كذلك ليس بالضرورة أنْ يستمر الحال على حاله إلى أمد غير منظور من دون قرار نهائي يحسم الخطوة المُراد اتخاذها بهذا الاتجاه أو ذاك.

ردود الفعل الرسمية على مقال المجلة واستقالة الأدميرال تركزت على تسخيف المشكلة وعدم تضخيمها أو الانزلاق نحو استنتاجات تعطي صلاحيات اسثتنائية لقائد عسكري لا يتمتع بذاك الموقع السياسي المتقدّم ما يسمح له بالتأثير على القرار. وردود الفعل حاولت توضيح الصورة كالآتي: إذا قررت الإدارة خوض الحرب فإنّ الأدميرال لا يملك تلك الصلاحيات لمنعها وإذا رجحت الخيار الدبلوماسي (التفاوض) فإنّ الأدميرال لا يستطيع تعطيل الخطوة. وكلام الإدارة يريد التنبيه إلى نقطة مهمّة وهي أنّ الجنرال أو الأدميرال ينفذ الأوامر ولا يصنع سياسة ولا يقرر مصالح الدولة وإذا سمح له الرئيس بالتدخل فهذا لا يعني أنه الوحيد الذي يتمتع بهذا الحق ولا يسمع إلاّ رأيه. فهناك وجهات نظر وتعدد آراء وخلافات وتحليلات وقراءات وكلها في المجموع العام تصب في دائرة واحدة: البيت الأبيض.

توضيح الواضح

ردود الفعل السلبية التي جاءت في سياق توضيحي لمركز القرار ومَنْ هي الجهة التي تملك صلاحيات ترسيم الخطوات التي ترى القيادة أنها تلبي حاجات السوق (شركات الطاقة ومؤسسات التصنيع الحربي) ومصالح الدولة العليا (الاستراتيجية الدولية) تشير فعلا إلى وجود اختلافات عميقة في تقدير الموقف. ولكن الردود كانت غامضة ولم تحسم التوجّه الأميركي في العام الأخير من عهد بوش. فهي اكتفت بوضع المسألة في مجال النفي، أي نفي الاستنتاجات التي توصلت إليها المجلة بناء على تصريحات منقولة عن الادميرال. ولكن النفي لم يتطور إلى حد التأكيد على أن الخيار النهائي للإدارة توصل إلى قناعة بأن التوجه الوحيد هو التفاوض والدبلوماسية.

سلوك النفي المترافق مع عدم الالتزام بخيار واضح ليس جديدا. فالإدارة فعلا منذ احتلال العراق طرحت مجموعة عناصر غير متبلورة في صورها النهائية وهذا ما جعل مخاوف دول المنطقة مرتفعة في درجات حرارتها. فحين يؤكّد بوش يوميا أنه لا يُريد الحرب ولا يُريد السلام وأن خياراته مفتوحة فمعنى ذلك أنه يحتفظ في جعبته بالورقة الأخيرة وهي ربما في النهاية قد تكون غير موجودة... ولكنه يستخدمها للضغط أو التهويل بقصد تشجيع دول المنطقة على الاستعداد النفسي وعقد صفقات لشراء أسلحة وصواريخ ومعدات وتجهيزات ورادارات وطائرات لا تستخدم وإنما تعلب في صناديق وتتكدس في مستودعات.

هذه المسألة ليست سخيفة ولا يمكن إسقاطها من الحسابات التجارية والنفعية في لعبة إعلامية تقودها إدارة غامضة في توجهاتها العامّة وخياراتها المفتوحة. والإبقاء على التوتر وإعادة التذكير بالحرب واحتمال اقتراب موعدها في الربيع الماضي ثم الصيف الماضي ثم الخريف الماضي وصولا إلى مطلع السنة الجارية ونهاية فصل الشتاء ثم مطلع الربيع وربما مطلع الصيف أو نهايته وأخيرا يمدد كاتب المقال في المجلة الفترة الزمنية إلى نهاية السنة الجارية. ربما تكون وظيفة المقال الذي استخدم تصريحات منقولة عن ادميرال عنده وجهة نظر هي تذكير المنطقة بالحرب من الآنَ إلى الأسبوع الأخير من عهد بوش وقبل أيام من وصول تشيني إلى المنطقة، التشجيع على إعادة فتح اعتمادات مصرفية بقيمة مليارات للإنفاق مجددا على سباق تسلّح يبتلع أجزاء من ذاك الفائض النقدي الذي حققته المنطقة في السنوات الخمس الماضية.

مقال مجلة «اسكواير» لا قيمة عسكرية ولا استراتيجية له وهو أقرب إلى تحليل لقي ضربة حظ أعطته ثقله حين تصادف صدور العدد قبل الاستقالة. فالربط بين الحرب وتقاعد ادميرال مسألة «سخيفة للغاية» كما قال وزير الدفاع غيتس. كلّ ما في الأمر أنّ بوش لايزال يحتفظ بالخيارات المفتوحة على كلّ الجهات والاتجاهات، فهو يفاوض إيران مباشرة ويهددها مداورة، وهو يناور مع دول المنطقة ليبرر انتشاره الأمني ويعطي ذريعة سياسية لعقد صفقات تسلح. وهذه النوعية النفعية في العلاقات التجارية ليست جديدة على الإدارة الأميركية فهي سبق وفعلتها مرارا وهي الآنَ تكررها يوميا... لأنّه حتى تكون حرية حركة بوش واسعة في هامشها السياسي التجاري فلابدّ أن تكون خياراته مفتوحة.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2018 - السبت 15 مارس 2008م الموافق 07 ربيع الاول 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً