العدد 2301 - الثلثاء 23 ديسمبر 2008م الموافق 24 ذي الحجة 1429هـ

العراق الذي تنتظره سنة كبيسة...

علي الشريفي Ali.Alsherify [at] alwasatnews.com

-

الأزمة المالية ضربت اقتصاد كل دول العالم، وبدأت تؤثر أيضا على كل ما له علاقة بهذا الجانب الحيوي من سياسة واستقرار اجتماعي وأمني.

ولن يكون في مقدور الجميع الخروج بسهولة من الأزمة الاقتصادية الحالية، إلا الدول التي تملك بنية اقتصادية وسياسية واجتماعية متينة تمكنها من تجاوز هذه الأزمة أو على الأقل تحجيم أثرها على مواطنيها وعلى الدولة من جهة أخرى.

يصح لنا القول في هذه الأزمة إنها لم تضرب كل دول العالم بنفس المستوى، كما لم تضرب جميع الدول بشكل مباشر، فمازال الكثير من الدول لم يتأثر بها حتى الآن، ومن بينها التي لا تعتمد على اقتصاد السوق. لكن تأثيرها غير المباشر ضرب دول أخرى من بينها العراق التي تأثرت أسعار أهم صادراتها وهي النفط الذي تعتمد عليه بنسبة لا تقل عن 96 في المئة أو أكثر في ظل توقف معظم الصناعات المحلية وتدمير الحقول الزراعية وفتح الحدود أمام البضائع المستوردة وانتشار الفساد الإداري وضعف الرقابة الضريبية والجمركية.

وغير ذلك فإن العراق الذي يعد خامس أفشل دولة في القدرة على أداء وظائفه حسب التقرير الذي أعدّه صندوق دعم السلام الأميركي ونشرته دورية «فورين أفيرز» الشهيرة هذا العام، غير قادر على تجاوز أزمة انخفاض أسعار النفط بطريقة صحيحة في ظل فساد إداري وصل الى مراتب عليا طالت وزراء ومدريرين عامين، بحسب هيئة النزاهة العراقية التي قالت إنها أحالت 337 قضية إلى المحاكم العام 2008 صدرت بشأنها إدانات بحق 86 مدانا بسرقات كبرى وعمليات تزوير واسعة.

يضاف إلى ذلك أن العراق، بحسب مؤشر الشفافية العالمية الذي يقيس الفساد في مئة وثمانين بلدا، احتل هذا العام المركز الثالث من بين الدول الأسوأ بالنسبة إلى الشفافية والأفضل لانتشار الفساد بعد الصومال التي لا تملك حكومة حقيقية أو جيشا مؤثرا وتسيطر عليه مجموعة من القراصنة وقطاع الطرق، وأمام كل هذا فإن العراق مقبل على عام يعد الأسوأ من بين سنواته لما بعد الغزو.

تجربة العراق أكدت أن الأمن والشفافية واستقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي أساسيات لا غنى عنها لنجاح واستمرار بناء الدولة ومؤسساتها الشرعية وتحقيق الديمقراطية والسيادة. لكن هل تستطيع دولة كالعراق التي تتنافس مع الصومال على المراتب الدنيا في الشفافية والمراتب العليا في الفشل وانتشار الفساد إن تحقق ما تصبو إليه الدول الناجحة، وخصوصا في ظل وجود أزمة مالية تضرب العالم وتزامنت مع انسحاب القوات الأميركية وهي القوة الفاعلة لتحقيق الأمن والحفاظ على توازن القوى على الأرض؟

صحيح أن العراق كدولة انهار منذ العام 2003 بفعل الاحتلال الأميركي، إلا أن مرور نحو 6 سنوات من الدعم الدولي والأميركي غير المحدود يؤكد أن هذا البلد في ظل مسيرته الحالية يعد أقرب الى الفوضى من الاستقرار، ومن المتوقع أن يبقى شبه دولة لفترة طويلة أخرى قد لا تقل عن 6 سنوات أخرى.

عاش العراق (اقتصاديا) على مدى السنوات الماضية تحت غطاء كبير اسمه ارتفاع أسعار النفط وسيولة مالية كانت إدارة الرئيس الأميركي بوش تضمن استمرارها للمساهمة في بناء ما دمرته الآلة الحربية الأميركية خلال الاحتلال، لكن التحول الذي بدأت ملامحه الآن سيدفع العراق إلى حافة الهاوية بعد انخفاض أسعار النفط (وصل سعر برميل النفط حتى أمس (الثلثاء) إلى نحو 39 دولارا) الذي يعد المصدر الرئيسي شبه الوحيد لموازنة الدولة والمسئول عن جميع المصاريف الواجبة لاستتباب الأمن المؤقت بعد قرار الدولة بدفع رواتب لقوات الصحوة التي صارت مع قوات أمنية أخرى تمثل أحد أهم القطاعات القادرة على استيعاب البطالة المقنعة.

ملامح السنة المالية المقبلة في عراق تذهب جل موازنته على شكل مرتبات مدفوعة لجيش من الموظفين في دوائر وهيئات غير منتجة عمليا، تحتم على الساسة في العراق تنفيذ خطوات جريئة وصعبة تتجاوز الآليات الاقتصادية بمعناها الإجرائي المباشر، لتنتقل إلى مرحلة المصالحة الوطنية الحقيقية، لتكسب من خلالها وضعا أمنيا طويل الأمد يمهد لاستقرار سياسي وأمني.

وعلى الحكومة العراقية اليوم، ولا سيما رئيس الوزراء نوري المالكي أن يعيد حساباته بشأن تحقيق المصالحة الحقيقية لا الزائفة بين العراقيين، وأن يترفع عن ثارات الماضي، وإلا فإن الوضع السياسي والأمني والاقتصادي الأصعب لم يأتِ بعد، وإن الملايين الخمسة من المهاجرين والمهجرين سيبقون علامة سلبية فارقة وحراكا اجتماعيّا يتحول مع الزمن إلى معارضة صامتة أو فاعلة تتفاعل كلما وجدت فرصة لذلك.

فمن خلال المصالحة وتحقيقها نستطيع أن نبحث عن موقع العراق في مؤشرات الدول الناجحة بعيدا عن الصومال، وإلا فإن الصومال حينها ستبحث عن مكان أفضل لها في المؤشرات العالمية بعيدا عن دولة فاشلة اسمها العراق.

إقرأ أيضا لـ "علي الشريفي"

العدد 2301 - الثلثاء 23 ديسمبر 2008م الموافق 24 ذي الحجة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً