العدد 2110 - الأحد 15 يونيو 2008م الموافق 10 جمادى الآخرة 1429هـ

المعامير... الانحياز إلى الحقيقة

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

اختارت قرية المعامير أن تبوح بأحزانها في احتفالها بيوم البيئة العالمي، وذلك في الحفل السنوي الذي نظمه البيئيون على ساحلها الشرقي.

في عصر الجمعة الماضي، أقامت المعامير مهرجانا ترفيهيا للأطفال الذين استمتعوا بالبيت الهزاز، أما في المساء فقد استمع الكبار إلى كلمات رثاء، وأغنيات حزينة تنعى من قضوا من شبابها بفعل التلوث البيئي.

المهرجان كان يريد أن يبعث برسالة عامة لما يحيق بالبيئة البحرينية من مخاطر الردم والانتهاكات، بدءا بسواحل الحد والبسيتين والدير، إلى النبيه صالح وسترة والبديع وقرى الشمالية والغربية. أينما ولّيت وجهك فثمة انتهاكات وتعديات على الأرض والبيئة، فالقضية كارثةٌ وطنيةٌ على أحدث طراز.

في المهرجان، عرضت «المعامير للإنتاج الفني» فيلما قصيرا ومعبرا عن مأساة هذه القرية التي وضعها القدر، أو سوء التخطيط، على خط إنتاج النفط. الفيلم لا تزيد مدة عرضه على ربع ساعة، والمخرج أحد أبناء القرية، والذي دفعه لإنتاجه هو ما حصل من اهتمام إعلامي بقضية نفوق أسماك خليج توبلي، بينما لم يهتم هذا الإعلام بـ «نفوق البشر» في المعامير كما قال.

الفيلم جرى تصويره في منزل أسرةٍ قضى عائلها العام الماضي، وقضى قبله ثلاثة من أبنائه في شرخ الشباب، بأمراض سرطانية. والمعاميريون يجزمون بأن للغازات السامة التي تغطّي سماء قريتهم دورا في زيادة نسبة الوفيات بالأمراض الخبيثة، ويستشهدون بأن هذه القرية فقدت أكثر من 30 شخصا غالبيتهم من الشباب. وفي ختام المهرجان، أفادني أحدهم، وهو طبيب يعمل بوزارة الصحة، بأن معدل الوفيات بسبب هذه الأمراض يصل إلى 12 حالة سنويا، أي بمعدل وفاةٍ كلّ شهر، وهي نسبةٌ لا شك كبيرة جدا.

هذه الأرقام اعتادت وزارة الصحة على التصدي لها لتفنيدها، وفي عزّ فترة الاهتمام الإعلامي بكارثة المعامير، خرجت وزيرة الصحة السابقة ندى حفاظ لتقول إن نسبة الإصابة في المنامة هي أعلى من المعامير، وهو نوعٌ من التلاعب السفسطائي بالأرقام، فالمنامة محافظةٌ يسكنها أكثر من 180 ألفا، بينما المعامير قريةٌ لا يزيد سكانها على سبعة آلاف. وهي إشكاليةٌ كبرى تطرح دور المثقّف في بلادنا، هل ينحاز إلى ما يمليه المنصب أم إلى الحقيقة وقضية الإنسان.

الطبيب نفسه لم يدّعِ أنها أرقام نهائية، بل طالب الجهات المسئولة بتحمل مسئوليتها في كشف الغموض، وإزالة اللثام عن الحقيقة، فهناك بشرٌ يقضون نحبهم بفعل أمراض شرسة، وبدل أن تقوم الوزارة بدورها في حماية صحتهم، أخذت تلعب دور «المحامي» عن استمرار الوضع الراهن، بما يضمن تواصل فصول المأساة.

المفاجأة أن حفّار القبور في القرية، طلب أن يلقي كلمة لم تكن مقرّرة في برنامج الحفل، وعندما صعد إلى المنصة طلب السماح له بالحديث عن «نفوق أهل المعامير»، مع أنها كلمة لا تستخدم إلاّ للحيوانات، فقد حفر بيديه قبور كثيرين من أهله وأحبابه - وتوقّع أن يحفر أخرى - من ضحايا أمراض التلوث والسرطان. حتى الشركات المتهمة بقذف غازاتها، لم تعترف بمسئوليتها، ورفضت خمسة مطالب تقدم بها الأهالي، وعرضت أن توظّف بعض أبناء القرية العاطلين للعمل في المصفاة، في لعبة مقايضة رخيصة: السكوت مقابل العظام. فـ «إلى متى» يستمر نواحك... أيتها المعامير؟

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 2110 - الأحد 15 يونيو 2008م الموافق 10 جمادى الآخرة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً