العدد 288 - الجمعة 20 يونيو 2003م الموافق 19 ربيع الثاني 1424هـ

وفاة فؤاد الخوري... خدم البحرين بما كتب عنها

منصور الجمري editor [at] alwasatnews.com

رئيس التحرير

يعتبر فؤاد اسحاق الخوري من أهم الذين كتبوا عن البحرين، ورحيله إلى الرفيق الأعلى الأسبوع الماضي بعد مرض ألمّ به لفترة غير قصيرة خسارة علمية تتبين خصوصا عندما يراجع المرء المؤلفات والكتب والبحوث والدراسات التي أجراها عن المنطقة العربية وتاريخها وعن الخليج وعن البحرين.

كتاب الخوري عن البحرين صدر باللغة الانجليزية في العام 1980 بعد أن قضى فترة طويلة في البحرين بعد حل المجلس الوطني والتقى مختلف الفعاليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ودرس المجتمع البحريني دراسة نوعية هي الأولى من نوعها. وعلى رغم بعض الملاحظات (وهي قليلة) التي أبداها البعض على ما جاء في كتاب الخوري فإن الكتاب (القبيلة والدولة في البحرين)أصبح مرجعا رئيسيا لكل من يود معرفة البحرين وتطورها السياسي والاجتماعي.

والحقيقة أن كتاب الخوري سبقه كتابان آخران باللغة الانجليزية وكتبهما أيضا لبنانيان مسيحيان، هما: طلال فرح واميل نخلة.

والكتب الثلاثة تعتبر جميعها من أهم الكتب التي صدرت عن البحرين خلال السبعينات. الا ان فؤاد الخوري تميز بنهجه الذي استقصى من خلاله مظاهر دقيقة للمجتمع البحريني طالت حتى حظور السمك والمزارع وتحليل الاسماء والعبارات المستخدمة في البحر والزراعة وأسماء المناطق السكنية وجذور التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البحرين.

والخوري كان استاذا في الانثروبولوجيا في جامعة بيروت بين الأعوام 1978 و1987 قبل ان ينتقل الى أميركا وبريطانيا لمواصلة بحوثه ودراساته في شيكاغو ومانشستر واكسفورد. وخلال فترة حياته كتب كتبا كثيرة باللغتين العربية والانجليزية.

لقد درس الخوري المجتمع البحريني والخليجي وحاول تفسير العلاقة بين القبيلة والدولة، ومفهوم المواطنة المدنية وعلاقتها بمفهوم الأواصر الأسرية المعتمدة في بلدان الخليج وعندما تقرأ كتابات الخوري فانه يرجعك في أسباب وجذور ما يدور اليوم إلى آلاف السنين الماضية. فالقبيلة قوية في الجزيرة العربية والخليج لأسباب كثيرة شرحها وفصلها وثم استخرج منها استنتاجات معاصرة محاولا تفسير علاقة «الدولة» بـ «القبيلة».

فهو يشير الى أن أجواء الجزيرة العربية القاسية (من ناحية الطقس) جعلت المرء يتجه أكثر فأكثر الى الترابط الأسري وسيلة لحماية نفسه. ولذلك فقد كانت هذه الأسر تبحث عن الماء والمرعى وعندما تجد منطقة مناسبة فإنها تتعاون فيما بينها لاقامة تحالفات تمكنها من البقاء في المنطقة التي توفر لها حياة أفضل. وهي ايضا تدافع عن هذه المنطقة بضراوة ضد أي اعتداء من قبائل أخرى تبحث هي الأخرى عن ماء ومكان ترعى فيه الماشية.

وعلى هذا الاساس تطورت التحالفات القبلية داخل القبيلة وبينها وبين القبائل الأخرى. والهدف الاساسي كان منع أي طرف خارجي من دخول القبيلة حماية لها من فقدان ما حصلت عليه في ظروف قاسية. وعلى هذا الاساس فان المولد فقط هو الذي يحدد ما اذا كنت عضوا في هذه الجماعة أم لا.

والخوري يفسر القيادة القبلية بأنها لا تعترف كثيرا بالهيكلية والهرمية وكبار القبيلة متساوون ورئيسهم واحد منهم، وقراراتهم جماعية تتخذ بعد التشاور فيما بينهم.

من هذا المنطلق التاريخي يرجع بك الخوري إلى جذور أعمق في التاريخ الى عدنان وقحطان وان عدنان هو احد أبناء النبي اسماعيل (ع) وقحطان هو أحد أبناء النبي نوح (ع) ويدخل في تفاصيل العدنانيين الذين سكنوا شمال الجزيرة العربية والقحطانيين الذين استوطنوا جنوبها.

وبعد هذا الرجوع يعود بك إلى الحياة المعاصرة ويوصلها بتلك الجذور ثم يطرح المفاهيم التي أنتجتها تلك الجذور مع المفاهيم التي أنتجتها الحداثة... ولذلك فان كتابه عن البحرين يدور حول المحور ذاته، وهو إمكان التعايش من عدمه بين مفاهيم القبيلة ومفاهيم الدولة.

نماذج كثيرة يطرحها الخوري في كتبه، ويتحدث عن الأنموذج المخلوط الموجود في الخليج والمشكلات التي يواجهها هذا الانموذج بسبب التضاد بين الجذور وبين متطلبات الحاضر. ويتساءل في بعض بحوثه عن التناقض الموجود في الثقافة العربية التي تتحدث عن «أمة واحدة» بينما الفروقات التاريخية دفعت باتجاه «الاقليمية» وكل دولة لها حدودها واختلافاتها عن الدولة العربية الأخرى. وهكذا الحال داخل الدولة العربية عندما تحدث تناقضات بين مفهوم المواطنة الذي يفترض المساواة بين الجميع من دون الأخذ باي اعتبارات أخرى، بينما واقع الحال يفرض فروقا نابعة من جذور الثقافة الموروثة.

مهما تكن النظريات التي طرحها فؤاد الخوري قبل التحاقه بالرفيق الأعلى فانه بلاشك ساهم بدرجة رئيسية في تشكيل تصور اساسي عن طبيعة المجتمع البحريني ولن يتمكن اي دارس لتاريخ بلادنا من اغفال كتابه أو أن يمر عليه مرّ الكرام... والانسان الذي يكتب شيئا ما ينفع الآخرين فانه يخلد ذكراه

إقرأ أيضا لـ "منصور الجمري"

العدد 288 - الجمعة 20 يونيو 2003م الموافق 19 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً