العدد 298 - الإثنين 30 يونيو 2003م الموافق 29 ربيع الثاني 1424هـ

الحال «الصحّافية»... هل هي عراقية أم عربية؟

محمد غانم الرميحي comments [at] alwasatnews.com

كنت قد بدأت التخطيط لمقال مختلف، إلا أن ظهور محمد سعيد الصحاف على تلفزيون العربية في نهاية الأسبوع، وهو وزير الاعلام والخارجية قبل ذلك في نظام صدام حسين قبل الإطاحة به، جعلني في رغبة لمناقشة هذه الظاهرة، لأبدأ بقراءة هذا الظهور وتحليل أسبابه ونتائجه. الأمر المحير في سياسة التحالف في العراق أن السلطة هناك قد قبضت على عدد من المسئولين العراقيين، ثم أطلقت سراحهم، وليس الصحاف هو الوحيد فيهم، ولكنه هو الأكثر شهرة، فهل هي (عدالة) الاحتلال أم هو سلوك (غربي) في التسامح بسبب معرفة مسبقة بدور كل من هؤلاء المحدود في السلطة السابقة، بل إن هناك عددا من وزراء النظام السابق في بغداد لم تتعرض لهم سلطة الاحتلال حتى بالمساءلة المؤقتة.

لو كان قد حصل انقلاب داخلي في العراق، لكان الصحاف بالذات وأمثاله (نجوم) محاكمات علنية يتابعها الملايين في عصر التلفزيون الفضائي، إذ إن الجمهور العربي متعطش للثأر أو الإثارة، من كثرة ما أصابه من غبن، ولكن ذلك لم يحدث.

فقد قررت قوات التحالف المسيطرة على العراق لأسباب لم تعرف، أو لم تعلن بوضوح أن تكتفي بالمتابعة والتحفظ بما نشرته على ورق اللعب من أسماء وصور للمسئولين العراقيين السابقين، منهم من يعمل في القطاع العسكري، ومنهم من يعمل في قطاع السلاح وإنتاجه، والسياسيون منهم قلة، في الدوائر الضيقة المحيطة بالرئيس السابق، وهؤلاء لا تبدي قوات التحالف كثير اعتناء بما يمكن أن يقدموه من معلومات.

يعني هذا التقسيم بين (المسئولين) السابقين أن التحالف يرى أن هناك في بغداد، مسئولا لا مسئول، فالمسئول الأول في النظام الشمولي والوحيد هو الرئيس، الفرد الأوحد، المطلق الصلاحية، وذلك تحليل عقلاني ومنصف للحوادث، فالرئيس في النظام الشمولي هو (صاحب الأمر والنهي، على الأرزاق والعباد) من يحبه الرئيس يصبح محبوبا من الدولة، ومن يكرهه يصبح عدو الدولة الأول، حتى ضمن عائلته الصغيرة، الرئيس في هذا النظام الشمولي هو الذي يقرر القرارات المهمة، فهي لا تخرج من يده ولا تزوغ عنها عيناه، والظاهرة الصحّافية ومن يمثله ومن يعمل في مثل موقعه ارتضى أن يكون هامشيا، وتحول من سياسي مفترض إلى (تابع مطيع) يقرأ في عيني رئيسه ما يتوقعه، ويذهب إلى المزايدة عليه، أكان وزيرا للاعلام أم وزيرا للخارجية أم نائبا لمجلس الوزراء.

إبان عقد القمة العربية الدورية الأولى في عمان منذ ثلاث سنوات فقط كان الصحاف وزيرا للخارجية العراقية، وكان سفيره بجانبه، نشر اسمه أخيرا بأنه عضو بارز في المخابرات العراقية، وقد كان ولا شك عينا عليه، فبدا الصحاف في ذلك المؤتمر مزايدا بالقول، إلى درجة انه زايد أكثر من اللازم، ففقد وظيفته في الخارجية العراقية، كي يعمل بعد ذلك وزيرا للإعلام، ثم شاء حظه العاثر أن يستمر في العمل في هذا الموقع إبان الحرب الأخيرة فغدا (مضحكة) للعالم اجمع يتسلى الناس بالاستماع إليه في تقاريره العلنية وفي كلماته الفجة، وهو موقف مأسوي بالغ الغرابة، وهزلي الطابع، ومغرق في السوء في تاريخ امتنا العربية.

والسؤال ما الذي يجعل رجالا مثل الصحاف يقعون في (المصيدة) والحق يقال انه ليس الوحيد الذي يدخل هذه المصيدة، وهي العمل مع نظام شمولي، ورئيس نصف اله، انه لا يستطيع الخروج منها سالما، فإما الطاعة العمياء بالمزايدة، فان قال الرئيس اقتلوا عشرة قام الاتباع بقتل مئة ممن يُعدون أعداء الدولة والنظام، وان قال احرقوا بيتا، احرقوا حيا بكاملة، وان قال احفروا عشرة قبور حفروا مقبرة كاملة، ويقع مثل هؤلاء بين سيئين، الطاعة العمياء، وبين القبر المقفر، ولا تنفذ من العقاب حتى أُسرهم، أن هم ابدوا حتى الشك في توجيهات الرئيس، حفظه الله وأدامه على عرشه!

لقد ظهر محمد سعيد الصحاف في تلك المقابلة التلفزيونية في حالة يرثى لها، بل يتعاطف معها الإنسان من المنظور الإنساني البحت، ويتألم كم هو الإنسان قاس على نفسه، ويتذكر كم من القرارات التي شارك فيها أو سمح بها أو بررها قد أودت بحياة البشر، وقطعت الأعناق والأرزاق، وكان في المقابلة مرتعبا ومشوشا، تجول بخاطره آلاف الصور، ويسأل نفسه، هل الحقيقة ما يراه ويحيط به، أم هو شريط فيلم رديء لمخرج مبتدئ يمر أمام ناظريه، لقد بدا متناقضا كما تعود أو عود عليه، فهو ضمني الحديث والإشارات، تدل لغة جسمه على قلق كبير، ثم بعد انتهاء المقابلة التي لم يقل فيها شيء يذكر يقول للمقدم بالإنجليزية، ذلك أكثر إثارة ((إثارة من وماذا يا سيدي؟)).

لم اكتب عن الصحاف لأنه حالة فريدة، فلو كان كذلك لما تحملت العناء، إنما اكتب عنه لأنه حالة عامة في وطننا العربي، وهو مثال لكثيرين حولنا تنفخ فيهم السلطة الكاذبة ما ليس فيهم أصلا، كما يفقدون البوصلة الإنسانية إلى حد العيش في مسرح متخيل يحسبون انه دائم.

والأصل انه كلما افتقدت الحريات تحول الرجال إلى أدوات وآلات، وكفاءة الآلة تتناسب عكسيا مع ضيق الحريات، ويزداد زعق الشعارات كلما ارتفعت حدة السيطرة المانعة للتنفس الصحي.

لذلك نحن نقرأ ونسمع اليوم حكايات تنقل عن رجال في السلطة العربية هنا أو هناك، وهي سلطات في غالبيتها شمولية، تُسكت الرأي الآخر وتغيبه، يقومون بنقد حاد لسلطاتهم المفترض أن يدافعوا عنها، وهذا النقد يتم دائما بين الجدران فقط، لأنظمة يعملون في خدمتها غير قابلة لأي رأي مخالف لها في الشأن العام، يكتمون ما في نفوسهم مضطرين لا طائعين، وعندما يحين الحين يتبرأون من تبعات ما اقترفوا من سوءات، فالحالة (الصحافية) إذا، ليست قاصرة على نظام بغداد السابق، وان كان هو من أسوأ الأمثلة في إدارة الرجال ليتخلوا أولا عن رجولتهم الإنسانية، ثم يتحولوا إلى مبررين يفتقدون الكفاءة ومن ثم يفتقدون القدرة على فهم الأمور كما هي، ثم يهربون على أول مركب متاح.

لا احد عاقل يشمت بالصحاف الإنسان، ولكنه مثال حي لما تتركه الشمولية من حطام إنساني، تهون بجانبه حتى التصفية الجسدية، لذلك فإن خروج الصحاف إلى العلن هو رسالة واضحة ومتحركة لمن يعتقد أن قبضه على السلطة وترويع المواطنين سبيله إلى الخلاص، فهي كما شاهدنا في حالة الصحاف سبيله إلى الضياع، وهو الأمر الذي دلل به الصحاف عمليا في مقابلته تلك، ترى هل خطط التحالف لذلك، أم هي رمية بغير رام، سترينا الأيام ما نحن في غفلة عنه، إنما الرسالة الواضحة للعيان مما ظهر فيه الصحاف، هو أن يجمع العراقيون على أن هناك عدوا لهم، وهو الأكثر فتكا وجسارة، فعليهم أن يحاربوه، إنه الاستبداد، فهل وصلت الرسالة؟

إقرأ أيضا لـ "محمد غانم الرميحي"

العدد 298 - الإثنين 30 يونيو 2003م الموافق 29 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً