العدد 312 - الإثنين 14 يوليو 2003م الموافق 14 جمادى الأولى 1424هـ

كي لا تقع في فخ ما وصفه الرئيس بوش يوما بـ «الحرب الصليبية»

شهادة أميركية

آمنه القرى comments [at] alwasatnews.com

.

تشهد واشنطن أجواء صاخبة وسجالية إذ تتخبط الإدارة الأميركية في خياراتها «العراقية» وفي التعامل مع الواقع الجديد الذي نشأ بعد انهيار النظام العراقي، وبعد أن اضطر الرئيس الأميركي جورج بوش إلى التخلي عن نبرة التحدي التي أبداها في الثاني من يوليو/ تموز الجاري فيما يتعلق بالمقاومة العراقية وتوعده بدحرها وعاد ليعترف بشراستها وبأن قواته تواجه مأزقا في غاية الخطورة، وان حكومته بصدد مشكلة أمنية هناك! حتى ان مجلس الشيوخ الأميركي صوّت بالاجماع على نص يدعو البيت الابيض إلى تدويل المسألة العراقية عبر الطلب من حلف شمالي الأطلسي والامم المتحدة إرسال قوات إلى العراق، وجاء هذا التصويت في وقت دارت فيه اتهامات بين الرئيس بوش ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

هذه الأجواء الأميركية المرتبكة حدت بكثير من المحللين والباحثين الأميركيين إلى التمعن في التطورات الناشئة عن الاحتلال الأميركي للعراق، والسعي إلى البحث عن جذور «الورطة» الأميركية، والعودة إلى الحديث عن «لماذا يكرهوننا» والبحث عن حلول للخروج من «المأزق العراقي»...

وفي السياق ذاته أورد مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في موقعه على الانترنت شهادة مديرة دراسات الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية راشيل برونسون أمام لجنة 11 سبتمبر/ أيلول التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، بعد أن طلبت منها اللجنة أن تدلي بشهادة للإجابة على سؤال: هل الولايات المتحدة تواجه اليوم صداما مع الحضارات أم صداما ضمن الحضارات. استهلت روبنسون شهادتها بالقول إن الولايات المتحدة تواجه اليوم صراعا سياسيا واقتصاديا وليس صراعا حضاريا. ولفتت برونسون إلى ان العداء للأميركيين اتسع في البلدان الصديقة للولايات المتحدة كالمملكة العربية السعودية وكوريا الجنوبية وألمانيا، إلى درجة أصبح القضاء على هذا العداء أمرا بعيد المنال. واعتبرت روبنسون ان الأسباب الكامنة وراء اتساع رقعة العداء للأميركيين هي قرارات اتخذتها الولايات المتحدة وقرارات وإجراءات اتخذها شركاؤها.

فمن جانب الولايات المتحدة، رأت برونسون، ان انهيار الاتحاد السوفياتي وحده كلف الولايات المتحدة 3000 قتيل، وتدمير مبنى التجارة العالمي، والاعتداء على مبنى البنتاغون، وتفجير سفارات للولايات المتحدة في عدد من الدول الافريقية إلى جانب تفجير المدمرة الأميركية «كول» في البحر الأحمر وغيرها من الحوادث التي دلت على حجم الكره للأميركيين في العالم. وشرحت برونسون، ذلك بالقول إن الولايات المتحدة، هي المسئولة عن تعزيز حركة طالبان لأنها اعتمدت عليها لإخراج السوفيات من أفغانستان. حتى ان روبنسون لفتت إلى ان الولايات المتحدة الأميركية اختارت كي تضع حدا لصدام حسين أن تطلب مساعدة تركيا ودول الخليج العربي، وأن تمد هذه الدول بالمساعدات بينما تخسر هي من ناحية أخرى الدعم الشعبي لها. وأضافت برونسون ان قرار التضييق على صدام ووضعه تحت الحصار لم يكن قرارا صائبا لأن ذلك أودى بحياة آلاف الأطفال العراقيين، وأدى إلى ارتفاع حدة الانتقادات للولايات المتحدة، وبالتالي تعزيز التيار المعادي لها في العالمين العربي والإسلامي.

أما فيما يتعلق بالقرارات التي اتخذها شركاء الولايات المتحدة وأدت إلى اتساع رقعة التيار المعادي للولايات المتحدة حول العالم، فقد أعطت برونسون «إسرائيل» مثالا خلال الثمانينات حين كانت - بحسب زعمها - تمول المعارضين الإسلاميين لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تعتبرها الدولة العبرية - آنذاك - أكثر خطورة من غيرها، وأدى ذلك إلى نشوء المنظمات «الإرهابية» الفلسطينية نتيجة للدعم الإسرائيلي. ثم أعطت برونسون مثال الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي تصرف على النحو عينه مع المنظمات الإسلامية من أجل القضاء على أعدائه العلمانيين حتى ان هذه السياسة نفسها اتبعتها تونس. وتابعت برونسون الحديث عن الخطوات التي يجدر بالولايات المتحدة القيام بها من أجل تحسين صورتها أمام العالم. فرأت أن تبدأ الولايات المتحدة باسترجاع ما كان لها من مشاعر إيجابية في نفوس المعادين لها اليوم وذلك من خلال أربع خطوات.

أولا: الالتزام جديا بعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ لأن ذلك لن يؤدي فقط إلى إحلال السلام بل إلى تحسين صورة الولايات المتحدة لدى العرب والمسلمين. مشيرة إلى انه في حال لم يكن بإمكان الولايات المتحدة أن تعيد الطرفين إلى المكان الذي توقفوا عنده فإنه يمكنها أن تضطلع على الأقل بدور المحفز لإحداث تغيير ما على الساحة الفلسطينية والإسرائيلية.

ثانيا: التزام الولايات المتحدة ببناء البلدان التي قامت بتدميرها لأهداف ربما تكون في صالح شعب تلك البلاد كأفغانستان مثلا والعراق اليوم. وأشارت برونسون في هذا السياق إلى ان واشنطن رصدت بين عامي 1948 و1950 مبلغ 8 مليارات دولار لمساعدات ماريشال بينما لم ترصد سوى 1,7 مليار فقط لإعادة بناء العراق اليوم. وأضافت ان فشل الولايات المتحدة في العراق سيؤدي إلى تعزيز التيار الذي يروج العداء للولايات المتحدة. وتوجهت برونسون في هذا السياق إلى المسئولين الأميركيين بالقول إن التاريخ برهن على أن إحلال النظام والقانون في أي بلد ضروري لبناء اقتصاد فاعل ونظام سياسي حر إلى جانب بناء مجتمع مدني صحي، لذلك على الولايات المتحدة التركيز على النظام والقانون في العراق من أجل بناء عراق جديد.

ثالثا: تركيز الولايات المتحدة على تفعيل دور أصدقائها وليس فقط القضاء على أعدائها، فعليها أن تقدم المساعدات إلى الدول الصديقة لها في العالم الإسلامي لاحتواء معضلة الفقر تحديدا في تلك البلدان التي هي وحدها المسئولة عن بروز الأصولية الدينية وبالتالي تعزيز التيار المعادي للولايات المتحدة.

رابعا: تحسين أواصر التواصل بين الولايات المتحدة والعالم للحد من الشائعات التي تمس بسمعة الولايات المتحدة، ولإزالة القلق لدى عدد كبير من الناس على مستقبلهم الذي يعتبرونه لعبة في يد الولايات المتحدة على حد قول روبنسون. وأعطت الباحثة الأميركية فترة التحضير للحرب على العراق مثالا على ذلك إذ كانت مليئة بالقلق بشأن عدد الضحايا الذين سيتكبدهم العراق، خلال الحرب مشيرة إلى ان المسئولين الأميركيين لم يظهروا أي اهتمام بعدد القتلى المحتمل في العراق، حتى انهم لم يحاولوا تهدئة التوتر بشأن احتمال أن تؤدي الحرب على العراق إلى خسائر فادحة. كما أعطت روبنسون في السياق نفسه مثالا آخر ألا وهو عدد القتلى في الحرب على أفغانستان، والذي روجت حركة «طالبان» الأفغانية انه وصل إلى عشرات الآلاف وهو رقم مبالغ فيه على ما رجحت روبنسون إلاّ ان الولايات المتحدة لم تقم بالكثير لتكذيب ذلك الرقم.

وختمت روبنسون شهادتها بالقول: إن الأصولية الإسلامية هي التي تصنع أساس انتشار العداء للولايات المتحدة حول العالم، غير انها شددت على ضرورة الفصل بين ما أسمته «الإسلام البناء» و«الإسلام المؤذي» لتحدد عدوها الحقيقي كي لا تقع في فخ ما وصفه الرئيس الأميركي جورج بوش يوما «الحرب الصليبية»

العدد 312 - الإثنين 14 يوليو 2003م الموافق 14 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً