العدد 312 - الإثنين 14 يوليو 2003م الموافق 14 جمادى الأولى 1424هـ

هل الفقر حديث خرافة في البحرين؟

حدِّث العاقل بما لا يليق يا دكتور علوش

قاسم حسين Kassim.Hussain [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

وقفت سيدتان على ناصية الشارع تتبجحان، فقالت الأولى: أنا فستان زفافي قيمته 4000 دينار، فقالت الأخرى: وانا فستان خطوبتي بـ 8000 دينار. فقالت الاولى: زوجي اشترى لابنتنا سيارة قيمتها ربع مليون دينار، فردت الثانية: وزوجي اشترى لابنتنا سيارة بمبلغ نصف مليون دينار. ويمكنكم أن تتخيلوا بقية احداث القصة من دون أن اكملها لكم...!

وقصتنا مع «خبراء» وممثلي ومندوبي الأمم المتحدة اليوم كقصتنا معهم بالأمس! فأمام هذه الشهادات المتوالية في سخاء منذ عشر سنوات من حقنا أن نسأل ونستفسر. فالآباء والأمهات الذين يلحقون أبناءهم بالمدارس الخاصة يهمهم أن يعرفوا كيف يتم إغداق الدرجات على أبنائهم، ويهمهم ان يعرفوا سر هذه «الفلسفة»، فأهل الطالب الضعيف أدرى بمستواه، فإذا جئت لتقول إن علاماته كلها ممتازة فمن حقهم ألاّ يصدّقوك. وتساؤلك عن نتائج ابنك الدراسية ومتابعة تحصيله لا يعني أنك تكرهه، وإنما من طبيعة الامور ان تحدِّث العاقل بما لا يليق «فإذا صدّق لا عقل له» كما يقول الشاعر. هذه «السياسة» التي اتبعتها بعض المدارس الخاصة جعلت صدقيتها على المحك الساخن، حين اكتشف الكثيرون أنها تغدق الدرجات على طلابها كي تثبت مدى كفاءتها وأدائها، ولكي تضمن استمرار زبائنها لعام دراسي جديد، وما درت أنها بذلك تقوّض صدقيتها بيديها.

الإشكال الأول على شهادة ضيف البحرين الجديد خالد علوش انها أرقام مأخوذة من مصدر واحد، وأول من يقف موقف المتحفظ منها هم ابناء البلد الذين يعرفون خباياها. المدير السابق لمكتب الأمم المتحدة عبدالقادر عثمان ربما لم يصل في أعلى إنجازاته وطروحاته و«تجلياته» الوجدانية إلى نفي وجود الفقر في البحرين، صحيح انه أغدق بسخاء كبير من الشهادات ما جعل ذلك «سنّة» وإرثا لمن يأتي بعده يصعب الفكاك منه، إلا ان النقلة النوعية التي حدثت في عهد المدير الجديد غير مسبوقة، فهو ينفي وجود الفقر في البحرين، ولا ادري ما مقياسه الجديد، وعلى من يريد أن يبيع خبزه؟! فإذا استنطقنا أرقام وزارة العمل واحصاءات الصناديق الخيرية فإن ذلك يجعلنا نشك ألف مرة قبل أن نفكر في التصديق.

ثم ان التعامل مع الأرقام الصماء لا يثبت صواب النظريات المعلبة. واستخدام أرقام «غير شفافة» لا ينتهي إلى نتائج شفافة. من هنا أثارت «نظريات» الدكتور علوش زوبعة من الاستنكار والاستهجان والرفض في الشارع البحريني، ليس على مستوى الجمعيات السياسية فحسب، بل على مستوى رجل الشارع البسيط، الذي لا يمكنه أن يصدق أن بلاده، مهما كان حبه لها وأمنياته برفعة شأنها بين الدول، تتفوق على دول مجاورة أخرى، كالكويت والسعودية، من حيث الترتيب في هذه المجالات الثلاثة: الصحة والتعليم والاستثمار البشري.

كما أن اللجوء إلى الأرقام الصماء التي تسبح في الفراغ لا يمكن أن يكون له مدلول حقيقي إذا عزلت من سياقها الاجتماعي. وعندما يرفض الدكتور علوش الاستعانة بغير المصادر الرسمية فإنه يقع في فخ عربي قديم، هو أدرى به وهو القادم من سورية. ففي ظل «التقاليد» العربية العريقة، وبفعل حالة التماهي بين شخصية الوزير والوزارة، فـ «الوزير هو الوزارة والوزارة هي الوزير»، وبالتالي تُقَدّم كل وزارة في عالمنا العربي العتيد أرقامها كما تُقَدّم الأم ابنتها للخُطّاب! فهي أجمل بنت في البلد، عيناها أحلى عينين، وشفتاها أحلى شفتين، والشعر الغجري المجنون... يسافر في كل الدنيا! فمن الذي يصدّق قول أم في ابنتها؟ فاجمعوا آراء شبان الحي ورجاله وانظروا عيون وشفاه بقية الصبايا... ثم احكموا على العينين والشفتين، ولتتأكدوا هل الشعر الغجري المجنون يسافر فعلا في كل الدنيا؟!

ثم ان الحديث عن الفقر ليس حديث خرافة، في ظل ما تقدمه وزارة العمل من مساعدات سنوية تبلغ 4 ملايين دينار، فضلا عن المجهودات الجبارة التي تقوم بها الصناديق الخيرية من إعالة و«إغاثة» آلاف الأسر الفقيرة التي تفكر بعض المصارف اليوم في فرض ضريبة على تحويلات المساهمين ستلحق بالغ الضرر بإيرادات الصناديق، وتنعكس بالتالي على زيادة تردي أوضاع هذه الأسر، من دون مراعاة أو أخذ في الاعتبار الجانب الانساني مادام يؤدي إلى تكديس مزيد من الأرباح. ورحم الله أبا الطيب المتنبي الذي قال وكأنه يتحدث بلساننا: «وكأنّا لم يرض فينا بريب الدهر... حتى أعانه من أعانا». وكأن فقراء البحرين لم تكفهم مساعي المصارف إلى تقليص ما يقطر في أفواههم حتى أعانهم ممثلو الأمم المتحدة بالتنظيرات المعلبة

إقرأ أيضا لـ "قاسم حسين"

العدد 312 - الإثنين 14 يوليو 2003م الموافق 14 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً