العدد 2317 - الخميس 08 يناير 2009م الموافق 11 محرم 1430هـ

غزة تكشف المستور

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

فيما كانت أنظار العالم تتابع تصاعد جرائم الهجوم الصهيوني على غزة فيما اعتبر الكثير من الصحف العربية الأيام الأخيرة من «أسوأ أيام العدوان»، حيث قتل في يوم واحد (الثلثاء) أكثر من 100 فلسطيني، أكثرهم من الأطفال، جراء قصف المنازل والمستشفيات والمدارس، تناقلت وكالات الأنباء أيضا أخبار طوابير الخبز الطويلة التي عادت للظهور في مصر، وتحديدا في الغردقة.

وذكرت صحيفة «المصري اليوم» التي أوردت الخبر أن طوابير الخبز قد «عادت في الظهور أمام مخابز الغردقة التي تنتج الخبز المدعم، وامتدت إلى نحو 100 متر، فيما رفض المجلس الأعلى للأقصر، اقتراح مديرية التموين بخفض حصة الفرد من الدقيق البلدي المدعم من 9 كيلوات إلى 6 كيلوغرامات». مدير عام التموين في البحر الأحمر أحمد دعيبس، أرجع سبب تلك الطوابير، وكما نقلت الصحيفة إلى «زيادة وجود العمالة في مجال المقاولات والبناء، بالإضافة إلى نقل سوق العمالة الرئيسية بالمدينة بجوار المخبز».

قد لا تبدو هناك أية علاقة بين المشهدين، فما دخل «أزمة الخبز في مصر»، بشن «إسرائيل» «هجومها على غزة». لكن إذا ما أضفنا إلى ذينيك المشهدين صورة «معبر رفح المغلق»، تكتمل الصورة. ويستطيع المشاهد أن يدرك لماذا تتردد مصر في فتح المعابر.

ليس المقصود من ذلك توجيه إي نوع من الاتهامات لأحد، بقدر ما هي محاولة لفهم تطور الأحداث وفهم العلاقات فيما بينها، ومن ثم رؤية علاقة التأثير المتبادل فيما بينها، كي نتمكن من وضعها في إطارها الصحيح. فأزمة الخبز في مصر ليست جديدة. ففي مارس/ آذار 2008، تفاقمت أزمة «الخبز» في مصر، إلى درجة أن أحد الرجال المصريين تنكر في زي امرأة كي يتمكن الوقوف في طابور النساء أمام أحد المخابز، نظرا لقلة الزحام فيها؛ هربا من «المعارك الطويلة» التي يشهدها طابور الرجال. بل وصل الأمر بأن يطلق الداعية الشيخ يوسف البدري فتوى يساوي فيها بين من يقتلون في ساحة الحروب الجهادية، وبين من يسقطون قتلي في ساحات النضال أمام المخابز وأثناء وقوفهم في الطابور للحصول على الخبز المدعم بالشهداء.

وفي يوليو/ تموز من العام ذاته أيضا، ولم تكد القاهرة تخرج حينها من أزمة الرغيف، حتى وجدت نفسها تلج أزمة أخرى هي أزمة وقود السيارات، وشهدت مدن مصر مشاحنات بين السائقين وبعضهم بسبب حجز «دور في الطابور» أو الركاب بسبب رفع الأجرة أو مع أصحاب وعمال المحطات بسبب نقص أو اختفاء البنزين.

هذا يدفعنا لمعاينة الاقتصاد المصري، الذي تشير الكثير من التقارير، ومن بينها دراسة صادرة عن وحدة البحوث التابعة لمجلة «الإيكونومست» البريطانية (EIU)، ونشر ملخصا لها موقع محيط المصري، تؤكد «انخفاض معدل نمو الاقتصاد المصرى العام 2009 ليصل إلى 5.7، وأن التوتر فى مصر سيظل مرتفعا، وأن أهم أهداف النظام سيكون استمرارية سيطرته». يترافق ذلك مع توقع دراسات أخرى باستمرار «ظاهرة الركود التضخمى فى الاقتصاد المصرى»، التي ترجعها تلك الدراسات إلى أسباب بنيوية تنطلق من صلب آلية أداء الاقتصاد المصري ومن بين أهمها «ارتفاع تكاليف الإنتاج والتغيرات الهيكلية في الاقتصاد المصري».

يؤكد هذه الحالة التضخمية كبير الاقتصاديين لدى بنك الاستثمار في المجموعة المالية - هيرميس في القاهرة سايمون كيتشن بقوله: «إن ارتفاع التضخم يجعل خفض الدعم أكثر خطورة من الناحية السياسية لكن ارتفاع الأسعار العالمية يجعله ضروريا أكثر من أي وقت مضى من الناحية المالية».

والقصد من وراء إيراد مثل تلك الظواهر الخروج باستنتاج في غاية الأهمية وهو أن مصر، على عظمتها وأهمية دورها في المحيطين، العربي والإسلامي، تبقى عاجزة عن القيام بمثل هذا الدور نظرا لارتهان اقتصادها بأزماته الداخلية الأمر الذي يجعلها مضطرة لطلب العون الاقتصادي الخارجي، سواء كان ذلك في شكل قروض نقدية أو معونات عينية.

ومن هنا نستطيع أن نفسر، من دون أن نبرر، موقف مصر من فتح المعابر التي وإن كانت مصر تملك السيطرة على حركة بواباتها، لكن المفاتيح بحوزة من يقدم الدعم الاقتصادي للقاهرة، سواء كان ذلك الدعم يأتي من إحدى العواصم الأوروبية أو الولايات المتحدة ذاتها، التي لا تخفي انحيازها لـ»إسرائيل» في هجومها الأخير على غزة.

وليست مصر حالة استثنائية، في الموقف من الهجوم الإسرائيلي على غزة، بين الأقطار العربية، فما ينطبق على مصر، يمكن تعميمه على العديد من سائر الدول العربية الأخرى، وخاصة النفطية منها، فالنفط، الذي تختزنه الأراضي العربية لا تمتلك الدول العربية حق التصرف فيه بمحض إرادتها ووفقا لمصالحها القطرية، دع عنك القومية. فلو تجاوزنا الحيز الضيق الذي تحتله عوامل السوق العالمية في صنع القرارات المتعلقة بالنفط، سواء على مستوى كمية الإنتاج، أم الأسعار، سنكتشف أن الحيز الأكبر تتحكم فيه، وإلى حد بعيد طبيعة وآليات العلاقة القائمة بين الدول العربية المنتجة للنفط والعواصم الغربية، ذات العلاقة الوثيقة بـ»إسرائيل».

ربما دفعت غزة ثمنا باهظا كي تثبت لنا نحن العرب أن القرار ليس عاطفيا، ولا سياسيا محضا، فهو في جوهره قرار اقتصادي

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 2317 - الخميس 08 يناير 2009م الموافق 11 محرم 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً