العدد 350 - الخميس 21 أغسطس 2003م الموافق 22 جمادى الآخرة 1424هـ

الحركة الوطنية بين النقد والتجريح

محمد جابر الصباح comments [at] alwasatnews.com

عندما تكون الحركة الوطنية في ظل «أحلام العصافير» وتفسيراتها تارة خيانة التاريخ وخيانة الحاضر، وتارة أخرى تكون الحركة الوطنية أو أية حركة وطنية أو ثورية في أي مكان من العالم... ملكا للتاريخ وللحقيقة... هنا تختلط الأوراق، وفي ظل اختلاط الأوراق، يتيه الفكر ويصعب التمييز ويستحيل الفصل بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، وهنا أيضا يشتبه الأمر، هل نصوم عن الحديث ونسكت عن الكلام المباح؟.

إن الحقائق الراسخة كحالات علمية ومترسبة في بطون التاريخ مثل الحركات الوطنية في شتى أنحاء العالم، لا يمكن تناولها والتحدث عنها على هذا النحو المتناقض في علاقاتها الارتباطية بالتاريخ، بأن تكون مرة خائنة للتاريخ وللحاضر، ومرة تكون ملكا للتاريخ وللحقيقة.

عند هذا المدى الذي أدير فيه الحوار على هذا النحو، ولا أعرف كيف أصفه من دون أن استعين بعنوان كتاب طه حسين «عودة الشيخ إلى صباه»، إذ هذه الصفة تقذفني إلى ما قبل 58 عاما، عندما كنت وزملائي طلابا في السنة الثانية ابتدائي، إذ انطلقت من فم، مدرسنا الجليل المرحوم الشيخ محمد صالح خنجي - طيب الله ثراه وجزاه الله كل الخير - عبارة موجهة إلى أحد التلاميذ، زميلنا محمد الصادق - رحمه الله - ونص العبارة: «جسم البغال وأحلام العصافير».

ولما تمخض عن هذه العبارة من حدث ظريف، وأظرف منه ما تفرع وتناثر عنه من أهداب دمعية توجت الظرافة بأسمى منها ظرافة.

ومرة أخرى أكرر إننا كنا طلابا في مدرسة الهداية الخليفية، نجتاز السنة الدراسية للعام 1944/1945، من المرحلة الثانية ابتدائي، الفترة الدراسية كانت بعد الظهر، الدرس كان محفوظات، القصيدة المطلوب منا حفظها: «سمعت شعرا للعندليب - تلاه فوق الغصن الرطيب».

دخل علينا الشيخ بوقاره، وقفنا إجلالا واحتراما لشخصه الكريم، وما ان استقر أمام الطاولة وأشار إلينا بالجلوس حتى حملق في جدول الدروس، وسألنا من منكم يحفظ القصيدة؟ فكان الزميل محمد الصادق أول من رفع اصبعه، فطلب منه الشيخ أن يسمّعْ (بتشديد الميم وتسكين العين)، فوقف بهامته المديدة وجسمه النحيل، ورفع صوته عاليا كما ديك العرس، وقال: «سمعت (شعري) للعندليب...»، فإذا بالشيخ يصرخ في وجهه مقاطعا: «انثبر واجلس مكانك، أنت لا تستطيع ان تصنع إبرة تخيط بها ثيابك، فكيف تستطيع أن تؤلف شعرا؟!.. ولكن صحيح انك تمثل: جسم البغال وأحلام العصافير».

ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فإذا بزميلي على الدرج عبدالعزيز بن الشيخ محمد آل خليفة - رحمه الله وتغمده بواسع رحمته - وهو يملك قدر من روح الدعابة وسرعة البديهة، يقول في برودة دم وبصوت شبه مسموع لمن حولنا من الطلاب: أستاذ، ما حاجة محمد إلى أن يصنع ابرة صغيرة وهو في طول «الميبر»... فإذا بالصف ينفجر كالبركان في ضحكة مدوية، منهم من كان يضحك لسماع النكتة ومنهم من كان يضحك على الريحة، فارتج على الشيخ!...

ولان أبعدتنا نكتة زميلنا عبدالعزيز عن صميم الموضوع فإن مرساة الشيخ محمد صالح خنجي الثقيلة الوزن القادرة على شل حركة البواخر المتمثلة في قوله: «جسم البغال وأحلام العصافير» كفيلة بخلق «شد الطرد المركزي إلى قلب منبع الجذب»، عندما تتحدث العصافير بأحلامها الصغيرة عن كبار الحوادث التاريخية، وتتناولها في افضح ظاهرة من التناقض، عندما يتيه الفكر ويعجز أن يضع الأمور في نصابها الصحيح، بأن تكون «الحركة الوطنية خيانة التاريخ... وخيانة الحاضر، أو أن تكون الحركة الوطنية أو أية حركة وطنية أو ثورية في أي مكان من العالم ملكا للتاريخ وللحقيقة».

هنا يستوقفنا التناقض الصارخ، إذ يصعب التحليل المنطقي العقلاني أو الرزين، المبني حتى على أبسط الأسس العلمية التي لا محالة أنها تؤدي إلى التوفيق، إلا في حالتنا المطروحة على ساحة الدراسة والبحث والتحليل في موضوع هذا المقال فإنها تؤدي إلى «التوفيق المستحيل» في حالتنا هذه، بين أن تكون «الحركة الوطنية خيانة للتاريخ... وخيانة الحاضر»، وبين أن تكون «الحركة الوطنية أو أية حركة وطنية أو ثورية في أي مكان من العالم... ملكا للتاريخ وللحقيقة».

فهل كانت الحركات الوطنية في أي عهد من العهود أو مرحلة من مراحل النضال الوطني خيانة للتاريخ، أم إنها إرهاصات تحول وانعطافات مفصلية في إرساء حدث جديد في مسار التاريخ؟ وبالتالي هل يمكن أن تكون الحركات الوطنية خيانة للحاضر، أم انها ثمرة التراكمات النضالية وتضحيات الشرفاء عبر مسيرة التاريخ في مرحلة التحول؟

من كل ما سبق: هل نفهم أن التاريخ مزبلة لخيانات الحركة الوطنية، أم أن الحركة الوطنية الخائنة هي ما يحتضنها التاريخ؟

وإذا ما انتقلنا لاستعراض حديث آخر نابع من أحلام العصافير، ووقفنا عند الحلم الآتي: «عندما يتحدث البعض عن الحركة الوطنية ويعطي نفسه صفة المدافع عن المبادئ والقيم والأفكار الوطنية أو أية حركة وطنية أو ثورية في أي مكان في العالم لا يمكن أن تخضع لتقييم أشخاص».

هنا ندخل في متاهة أخرى. في إذا لم تخضع الحركات الوطنية لتقييم أشخاص مطلعين على حوادث التاريخ ومحتكين برجال الفعل والتأثير والإنجازات التاريخية الذين خلقوا التراكمات التي تؤدي حتما في المفهوم العلمي إلى التحول النوعي، فمن يا ترى يتصدى لهذه المهمة، هل العصافير الصغار بأحلامها الصغيرة!

على أن هناك التباسا عجزت العصافير عن إدراكه، بين أن يكون البعض من الشرفاء تصدوا للدفاع عن الحركة الوطنية، ولهم الحق وكل في الحق الدفاع عن الحركة الوطنية عندما تتعرض لهجمة المنسلخين عن جلودهم، وبين كونهم مجرد كاشفين للثام عن حوادث الحركة الوطنية ومسجلين لوقائعها... إنها العصافير عندما يحلو لها في كل واد تهيم

إقرأ أيضا لـ "محمد جابر الصباح"

العدد 350 - الخميس 21 أغسطس 2003م الموافق 22 جمادى الآخرة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً