العدد 2340 - السبت 31 يناير 2009م الموافق 04 صفر 1430هـ

وداعا دافوس

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

لم تكن «قمة دافوس» بحاجة إلى رؤية المشهد التصادمي الكلامي بين رئيس الحكومة التركي ورئيس دولة «إسرائيل» للإعلان عن حال الموات الهادئ لما اتفق على تسميته بالمنتدى الاقتصادي العالمي. فهذا المنتدى فقد وظيفته الاقتصادية قبل أن يسقط سياسيا في لحظة التصفيق لجرائم الحرب في قطاع غزة.

لاشك في أن الدورة الحالية لمنتدى دافوس تعتبر الأسوأ منذ تأسيسه قبل 39 عاما لأنه واجه مجموعة استحقاقات زعزعت الثقة بنظريات أصر على التمسك بها بوصفها تشكل الملاذ الآمن للتقدم والنهوض والرقي. الدورة الحالية شكلت نقطة تحول في رؤية تلك النظريات التي ظهرت مضجرة وبليدة وقليلة الذكاء لأنها انكشفت واقعيا وباتت قاصرة في ملاحقة الأزمات المالية التي عصفت بالبورصات والأسواق.

الوقائع الجارية في مختلف أنحاء العالم تجاوزت ميدانيا تلك الإرشادات والمواعظ التي دأب رؤساء الدول والشركات ومؤسسات المال على ترويجها إعلاميا وتسويقها في المعاهد ومراكز البحوث والجامعات. فالأزمة التي انفجرت في 14 سبتمبر/ أيلول 2008 وهزّت العالم كانت أكبر من دافوس حين طرحت تحديات تجاوزت كل تلك الأفكار التي بدت باهتة وصفراء وتعاني من أمراض الشيخوخة المبكرة. والوعود الوردية التي لعب قادة «المنتدى» على تفعيلها وتضخيمها وتزيينها في السنوات الماضية ظهرت في الدورة الأخيرة وكأنها مجرد كلام يقدم وصفة طبية لمرض عضال لا ينفع معه العلاج.

هناك الكثير من الأفكار «الدافوسية» تجاوزها الزمن وتعدتها الأزمة المالية العالمية. وهناك الكثير من النظريات دخلت غرفة العناية المركزة وتحتاج إلى استئصال حتى تعود لها العافية. وهناك الكثير من الإرشادات والمواعظ أخذت تتطلب مراجعة وإعادة قراءة حتى تستعيد حيويتها وتكون قادرة على الإقناع والتفهم.

تكرار قادة «المنتدى» لأطروحات ماضية وإعادة اجترارها سنويا أضعف الدورة وأفقدها تلك الحيوية المطلوبة لتكون القمة على سوية مرتفعة تستطيع التجاوب مع الوقائع الجارية وتعطي الإجابات الواضحة عن أسئلة ميدانية. فالكلام عن اقتصاد السوق لم يعد يشكل ذلك الرد المطلوب والمقنع في ظل انهيارات أسقطت المليارات من الدولارات في ثقوب مجهولة. والكلام عن آليات السوق من دون رقابة وإشراف وحماية ليس هو الجواب الممكن في فترة انكشفت الكثير من ملفات الفساد والجشع و الاحتكار والأنانية والإهمال.

التحديات الدولية تجاوزت كل تلك الأفكار والنظريات، وباتت التحديات في موقع متقدم يحتاج إلى خطة إنقاذ لا يستطيع منتدى دافوس التعامل معها برؤية كانت واعدة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لكنها لم تعد كذلك في القرن الجاري. فالأفكار إذا لم تتطور تتأخر. والتأخر يعني أن دافوس لن تكون في المستقبل سوى مناسبة يلتقي في فنادقها ومنتجعاتها الرؤساء والأغنياء لتداول هموم ومشكلات خاصة لا تلبي حاجات الملايين من البشر وعشرات الدول التي تتخبط في أزمات متتالية وفوضى متواصلة من الانهيارات ودورات من العنف.

مسرح دافوس سيبقى موجودا كمظهر فولكوري سنوي وسيعيد إنتاج الأفكار نفسها في كل دورة ومناسبة إلا أنه سيغيب بالتتابع عن المشهد الاقتصادي وسيتحول إلى ندوة يتبادل فيها الرؤساء المحاضرات والاقتراحات من دون أن يؤخذ بها. وحين تبدأ القمة تفقد الاحترام ستتراجع صدقيتها مع الأيام وتتحول إلى مركز بحوث لدراسة المشكلات من دون قدرة على اجتراح الحلول.

عجز المنتدى

ما حصل في دافوس في الدورة الحالية أظهر بوضوح مدى عجز المنتدى عن تجاوز خطاب اجتاحته أعراض الشيخوخة المبكرة وبات بحاجة إلى عملية جراحية لاستئصال تلك الأورام الخبيثة التي أصابته بسب الثقة الزائدة التي بالغت في تقديس النصوص. ورفض قادة المنتدى مراجعة الخطاب والإصرار على عدم إعادة قراءة الأفكار في سياق نقدي أوصل دافوس إلى حال من النعاس الأيديولوجي ما أسقط عن القمة تلك الحيوية المطلوبة للتجاوب مع المشكلات والتفاعل معها بصفتها شكلا من أشكال التأزم العالمي للرأسمالية المتوحشة.

اكتفاء قادة منتدى دافوس بلعب سياسة تداول أفكار الأزمة من دون التوصل إلى معالجة أزمة الأفكار وضع كل المشاركين في موقع متخلف حتى عن تلك الدول التي سارعت ميدانيا إلى معالجة الأزمات المالية. وحين تصبح قمة دافوس وراء الدول «الرأسمالية» يبدأ دورها بالتراجع وتفقد صفتها القيادية. فالدول سبقت القمة ولم تنتظر دافوس للاستماع إلى المناظرات والأخذ بها. فهذه الدول وضعت خطط الإنعاش والإنقاذ والتعويم والدمج والحماية. والخطوات التي اضطرت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا واليابان والصين وغيرها من الدول إلى اتباعها درءا للمخاطر الكبرى كسرت من هيبة دافوس وقللت من أهمية القمة وموقعها الدولي في إنتاج آليات الأفكار التي تدفع الاقتصادات نحو التطور.

لاشك أن قمة دافوس الاقتصادية لا تمتلك صفات تقريرية ولكنها اكتسبت مناعة خلال سنوات أعطتها قدرة رمزية تمثل بالتأثير المعنوي على سياسات الدول. ومثل هذه الهيبة التي تراكمت دورة بعد أخرى وصلت الآن إلى حال من التآكل ما يعني أن دافوس بدأت تفقد وظيفتها التاريخية وأخذت تستنفد أغراضها ولم تعد تمثل أطروحاتها ذاك النموذج الناجح الذي يمكن الاقتداء به.

أعراض الشيخوخة المبكرة والموت الهادئ كلها صفات المتقاعدين الأغنياء الذين يلتقون في المنتجعات للتحدث عن نجاحات في فترات زمنية سابقة ويتداولون القصص والحكايات عن مغامرات وصفقات وضربات أكسبتهم الملايين في وقت كان العالم يتلهى بتلك الأفكار التي انكشفت حين اصطدمت بالواقع وتعقيداته وتعرجاته. فالمنتدى الشاب الذي طرح الأفكار الواعدة في العام 1971 لم يعد في سن يسمح له بإعادة تجديد شيخوخة مبكرة ومتهالكة في قوامها وحراكها. المنتدى الآن بعد نحو 40 سنة على تأسيسه لم يعد يشكل ذاك الإطار الصالح الذي يطمح في رؤية عالم آخر.

العالم تجاوز دافوس في مختلف المجالات سواء على مستوى التقدم أو على مستوى التأخر. فمن حقق التقدم لم يعد يحتاج إلى أفكار المنتدى لأنه سبقها ميدانيا. ومن تأخر مرغما أو بالتكاسل لا يحتاج إلى دافوس أيضا لأنه يعيش في زمن آخر لا تنفع معه النصائح ولا يسمع ما يقال له وإذا سمع لا يفهم.

في الحالين فقدت قمة دافوس قيمتها الرمزية ووظيفتها التاريخية وخصوصا بعد أن سارعت الدول الرأسمالية إلى اللجوء لوضع خطط طوارئ تتعارض مع جوهر أطروحات المنتدى ونظرياته عن السوق وآلياته. فالدول التي كانت رائدة في تطبيق إيديولوجية الاقتصاد الحر كانت السباقة في وضع القيود على السوق واستخدام الكوابح لتعطيل آلياتها من خلال إعادة إدماج بعض مؤسساتها في كنف الدولة ما أعاد لمنظومات الرقابة والحماية والتدخل وضبط قوانين السوق ذاك الاعتبار المفقود.

الضربة جاءت من أهل الدار وما افتعلته الدول الرأسمالية من خطوات وقرارات وإجراءات حمائية كانت كافية للرد على مقولات منتدى دافوس وأطروحاته التي عفا عليها الزمن.

نهاية قمة دافوس أصبحت قريبة. فالمنتدى بعد الأزمة العالمية الكبرى دخل مرحلة اضمحلال واحتضار. والسؤال لم يعد عن نهاية القمة بل أصبح السؤال في طور متى تكون النهاية. وداعا دافوس

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2340 - السبت 31 يناير 2009م الموافق 04 صفر 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً