العدد 2344 - الأربعاء 04 فبراير 2009م الموافق 08 صفر 1430هـ

البحث عن مخرج

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

تاريخ التطور الإنساني يقول، إن أحد أهم العناصر التي تميز الجنس البشري عن سواه من المخلوقات الأخرى، هي ارتفاع مستوى التفكير المنطقي لديه الذي مده بقدرة فائقة على التحليل والاستدلال والخروج بالاستنتاجات، التي حتى ذلك الخاطئ منها، يتحول إلى إيجابي نظرا لقدرة ذلك الإنسان على الاستفادة من تلك الأخطاء لتحاشيها مستقبلا، الأمر الذي جعل منها عنصرا إيجابيا ديناميا يمارس دوره في تطور المجتمع الإنساني وتقدمه. هذا التطور الذي، بخلاف ما قد يتوهمه البعض من أنه يسير في خط مستقيم، يأخذ دوما شكلا لولبيا ذا أبعاد ثلاثة، ويمر بتعرجات كثيرة قبل أن يحدث نقلته النوعية التي تتمظهر فيها كل عناصر التطور وأشكاله.

هذا يفسر قدرة الإنسان على تجاوز العقبات التي واجهته، ويمد المجتمعات البشرية، بما تحتاجه من وقود يضمن لها تواصل ذلك التطور وديمومته. ومن الطبيعي أيضا أن تواجه هذه النزعة نحو التطور، نزعات أخرى مشابهة، لكنها، وليست الصراعات التي شهدتها المجتمعات البشرية على امتداد تاريخها الطويل سوى التعبير الملموس بين العناصر الراغبة في التقدم نحو الأمام والمصرة على تحقيقه، وبين تلك التي تحاول أن تجره نحو الخلف، أو أن توقف دوران عجلة مسيرته التقدمية.

ونقطة الإنطلاق في أية مسيرة تطورية هي توفر عناصرها الإيجابية التي تحتاجها، بالقدر الذي تحتاجه القوى المناهضة لذلك التطور إلى مقومات إيقاف دورته ووضع العصا في تروس تلك العجلة.

واليوم تتجلى في البحرين معالم صراع حاد بين تلك القوتين اللتين تتجاذبان حركة المجتمع: الأولى تحاول جذبه نحوالأمام، والأخرى تحاول شده نحو الخلف.

وليس الشد السياسي والاجتماعي الذي شهدناهما خلال السنوات الثمان الماضية، سوى التجسيد الحي الملموس لعناصر ذلك الصراع وتفرعاته. وطالما أننا مؤمنين باستحالة استمرار هذا التوتر على حاله، وأنه لابد وأن يسفر عن مخرج ينتقل بالمجتمع من حالة إلى أخرى، نأمل، كما تأمل معنا كل القوى المحبة للتقدم والتطور، أن تكون نحو الأمام، فمن الطبيعي أن تبحث هذه القوى ذات الأفق التقدمي عن المخارج الصحيحة التي تقودها إلى النهايات التي تبحث عنها.

وللوصول إلى ذلك، هناك مجموعة من الخطوات المطلوب اتخاذها والتي من بين أهمها:

1 - الإقرار بالأزمة واستفحالها، فالمكابرة بنكرانها، تحت أي مبرر، وإخفاء الرؤوس في الرمال لن تقودنا إلى الطريق الصحيحة. لا بد للجميع من أن يعترف أننا أمام أزمة، وأنها أزمة طاحنة قد تأكل الأخضر واليابس، ما لم يجر تلافيها والتصدي للعناصر والقوى التي تغذيها، ولها مصلحة - مباشرة أو غير مباشرة -، في تأجيج مظاهرها، وعلى كل المستويات السياسية والاجتماعية، بل وحتى العقيدية منها.

2 - نبذ المزايدات، التي تنطلق من جذور طائفية أو اجتماعية، بل وحتى السياسية، فليست هناك طائفة ثورية بالمطلق، وليست هناك طائفة أخرى مسالمة أو موالية بالمطلق. وليست هناك فئة أكثر حبا للبحرين من سواها، سواء كانت تلك الفئة ممسكة بالسلطة أو بين صفوف المعارضة.

شعب البحرين كسواه من شعوب العالم الأخرى، بكل طوائفه وألوان طيفها السياسي، يحب وطنه، لكن هناك اختلافات في طرق التعبير عن هذا الحب، وآليات تجسيده، وفي صفوف كل واحدة منها هناك الغث والسمين.

3 - النظر نحو الأمام، وعدم الالتفات للخلف، فقد حققت البحرين بفضل نضال أبنائها مجموعة من الإنجازات تكللت بالمشروع الإصلاحي الذي قاده جلالة الملك، وتبلور ذلك في مجموعة من الإجراءات والسياسات والمكاسب التي من الخطأ التراجع عنها، وبالقدر ذاته، فمن الجريمة التقليل من شأنها أو الاستهانة بأي من تلك الإنجازات.

على الجميع، سلطة ومعارضة، عدم الانتكاس إلى الخلف، فليس ذلك من مصلحة، بالمنظور التاريخي، أي فئة من فئات المجتمع سواء كانت في محيط السلطة أو بين صفوف المعارضة.

4 - القبول بالآخر، فنفي الأخر من أمراض المجتمعات المتخلفة، ومن أهم عناصر تجريد المجتمع من مقومات نموه وتطوره. وليس المقصود بالحديث عن القبول بالآخر، هو الدفاع عن المزايدات اللفظية، بل هو دعوة لسلوك ثوري يتجاوز الأنانية الذاتية، اجتماعية كانت أم سياسية، ولربما يصل الأمر إلى المستوى العقيدي، لضمان التعايش السلمي بين الطوائف والفئات المختلفة في بوتقة سياسية واجتماعية واحدة حدودها الإطار التشريعي الذي يسير البلاد ويدير عجلة حراكها السياسي والاجتماعي.

القبول بالآخر هو الخطوة الأولى على طريق التعايش السلمي بين المختلفين الذين يجمعهم هدف إستراتيجي واحد لا يتزحزحون عنه، والذي هو تطوره الجماعي القائم على التعايش السلمي بين عناصر الاختلاف بينهم.

كل هذا يدفع إلى السطح الحاجة إلى لقاء مصالحة وطنية، شبيهة، إلى حد بعيد، بتلك التي تبلورت في الحوارات التي عرفتها البحرين خلال الإعداد للميثاق الوطني، والمرحلة التي تلتها خلال وضع مسودة الدستور.

المبادرة التي تحتاجها البحرين اليوم ينبغي أن تكون الصفحة البيضاء التي يسجل فوقها مقومات الولوج إلى مرحلة جديدة، لا تنفي ولا تقفز ولا تتراجع عن المكاسب التي تحققت خلال السنوات العشر الماضية، بل تقف عندها وتقومها وتبني فوق أعمدتها صرحها الجديد الراسخ البنيان الواضح الرؤية.

لا ينبغي الاستهانة بالجهود المطلوب تسخيرها، ولا التحضيرات التي لا بد من توفرها من أجل أن يكون اللقاء ناجحا ونتائجه التي سيتوصل إليها، وقراراته التي سيخرج بها قابلة للتطبيق، ورموزه التي سيختارها مؤمنة بما تم التوصل إليه، وقادرة على العمل من أجل نقلها إلى حيز التنفيذ.

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 2344 - الأربعاء 04 فبراير 2009م الموافق 08 صفر 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً