العدد 2708 - الأربعاء 03 فبراير 2010م الموافق 19 صفر 1431هـ

إضاءات سياسية أثارتها ردود انفعالية

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

من منا من أبناء جيل الفكر السياسي العربي الذي ساد الستينيات بوسعه أن يمحو من ذاكرته تلك الصراعات الساخنة التي كانت تدور في صفوف الحركة السياسية العربية ومن بين صفوفها البحرينية، وفي القلب من هذه الأخيرة الحركة الطلابية البحرينية.

غالبا ما كان يشتد أوار تلك الحوارات حتى كانت تقترب من الصراعات الصدامية. ربما برر لتلك الصراعات سخونتها التي طغت عليها حينها تفاعلها. لكننا، ليس في وسعنا اليوم، ونحن نراجع مسيرتها بعد ما يربو على نصف قرن من الزمان، وعلى وجه الخصوص من لدن الجيل الذي عاصر تلك الفترة، أن ننكر أنها كانت تعبيرا حيا عن حالة سياسية عارمة، كانت تجتاح المنطقة العربية برمتها حينها، وهي في أوج نضالاتها، تنطلق باحثة عن هوية فكرية تساعدها على تأصيل نضالاتها ضد بقايا الوجود الأجنبي الأوروبي، وفي سياق تعبيرها العفوي المباشر عن رفضها للوجود الاستيطاني الصهيوني.

ما أثار في خواطري هذه الذكريات هي ردود، مباشرة وغير مباشرة، شفاهية أو مكتوبة، تعرضت، بشكل يشوبه بعض الانفعال، لما ورد في مقالاتي التي تنشرها صفحة «قضايا» في صحيفة «الوسط»، بشأن ما تناولته في معالجة المهمات المرحلية للتيار الوطني الديمقراطي في البحرين. العنصر المشترك في تلك الردود هو: الانفعال التلقائي، وإن كان بدرجات متفاوتة، لما اعتبر تطاولا غير مقبول من المقالات على ممارسات ذلك التيار.

ليس القصد هنا المناكفة أو الوقوع في فخ الرد المنفعل أيضا، فهذا أبعد، بل وآخر ما كانت تصبو إليه تلك المقالات، بقدر ما هي رغبة ملحة في أن يساعدنا ذلك الانفعال، وبشكل إيجابي، ومن خلال قراءة متأنية، ومتكاملة غير مبتورة لما ورد فيه، على تسليط الضوء، ومن منطلقات إيجابية، على بعض مسلمات الحالة التي يعيشها الفكر السياسي العربي/ البحريني اليوم، وانعكاساتها على السلوك اليومي للفرد العربي والمنظمات التي يمثلها أو ينتمي إليها، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1. مدى التخلف الذي لايزال يعاني منه الفكر السياسي العربي، الذي لم يكف عن، بل ويصر على، نبذ الحوار ويعتبره شيئا يمس الذات، فردية كانت أم مؤسساتية، وينتقص منها.

هذا النوع من التخلف هو الذي تعاني منه الحركة السياسية العربية، قوى معارضة كانت أم مؤسسات حاكمة، دون أي استثناء. ومحصلة هذا المنهج مصادرة حق الآخرين في المجاهرة بتوجيه النقد الصريح، أو إبداء الملاحظات العلنية، ما لم يكن أي منهما مصاغا في شكل مديح أو إطراء، ينبغي له أن يصل إلى مستوى الموافقة المطلقة، كي يحظى بالأذن الصاغية من الطرف الآخر. وخلاصة كل ذلك وضع المواطن العربي أمام خيار صعب وضيق بين طريقين من الانتماء: المعارضة السلبية المطلقة التي تولد الحقد، وتزرع نزعات التمرد السلبي الهدام، أو الموالاة الكاملة المكممة، وهي الأخرى غير قادرة على زرع بذور البناء والتطور، بل تضع أسس سلوكيات الرياء السياسي، والولاء الاجتماعي. وأسطع مثال على ذلك استخدام البعض منا في تصنيفه للحركة السياسية الإسلامية في البحرين، وبشكل تبسيطي مجحف، إلى كتلتين: المعارضة والموالاة.

2. اختلال منهج قراءتنا لأفكار بعضنا البعض، حيث يسود ذلك المنهج المعالجة الجزئية المبتورة، التي تفقده مقومات، أو بالأحرى متطلبات، القراءة الموضوعية الشاملة المتكاملة، فتأتي الاستنتاجات محرفة. وينعكس ذلك على ردود الفعل فتأتي موتورة، وهو الأمر الذي لمسته بوضوح في ذلك الموقف المنفعل.

ويتحول النقاش، جراء ذلك، من حوار موضوعي بين طرفين أو أكثر، إلى انفعال ذاتي مفصول عن الآخرين، وغير قادر على رؤية القضايا التي يطرحونها بشكل جدلي تتداخل فيه قضايا الاتفاق مع نقاط الاختلاف، كي تتكامل جميعها في نطاق الفكرة التي يدعو إليها صاحب الأطروحة.

رؤية هذا الاختلال ربما تساعدنا على فهم، ومن ثم، تشخيص بعض الأسباب الكامنة وراء الانقسامات المتتالية التي شطرت أجسام الكتل السياسية العربية، سواء كانت جالسة فوق مقاعد المعارضة، أم متبوئة كراسي سدة الحكم.

3. الاصطدام بالحائط والاضطرار للاستنجاد بطرف خارجي، فغالبا ما تنتهي الحوارات السياسية العربية، قطرية كانت أم إقليمية، إلى طريق مسدود، فلا تجد القوى المتحاورة، أو بالأحرى المتناكفة، حينها أمامها من سبيل أفضل من الاستعانة بطرف ثالث، إما في القطر ذاته لكن من خارج إطار التيار الذي تتحاور أطرافه فيما بينها من أجل التوصل إلى ما يمثل الحد الأدنى المشترك، أو بين أكثر من دولة عربية، فتحتاجان إلى دولة أو أكثر من دولة عربية أخرى كي توصلهما إلى بر الأمان. لكن، وفي أحيان كثيرة، وهو ما يؤسف له، يكون اللجوء إلى طرف خارجي غير عربي، وهذا أسوأ الخيارات. وقد شهدنا الكثير من تلك الحالات في أكثر من مرحلة من مراحل التاريخ العربي المعاصر. ولربما كانت الحالة الفلسطينية، هي أكثر الأمثلة تبلورا، ومن ثم إثباتا لظاهرة وصول الحوار إلى طريق مسدود، ومن ثم الاضطرار للاستنجاد بثالث آخر، نظرا إلى طبيعة الظروف المحيطة بها.

على هذه الأرضية، أعود كي أعالج، دون أن يكون ذلك ردا انفعاليا مبتورا، بقدر ما هو رغبة صادقة في توضيح ما قصدته في تلك المقالات.

فبالنسبة إلى تعرضي، الذي لا أنكر أنه ربما شابته بعض القسوة، لأوضاع التيار الوطني الديمقراطي في البحرين، كان مصدره ثقتي المطلقة بأن ذلك التيار هو الأكثر أهلية لقيادة المسيرة نحو بر الأمان، دون أن يعطي ذلك أيا منا الصلاحية في تجريد الآخرين، أفرادا مستقلين كانوا أم أعضاء منظمين في جمعيات، انتموا لذلك التيار أم لسواه من التيارات الأخرى، من حقهم المكتسب في إبداء الرأي وتوجيه النقد البناء، من أجل حث خطى قوى ذلك التيار كي تشد هممها وتبدأ مسيرتها، فالوقت ليس في صالحها، بل ربما يسير بشكل مضاد لحركتها.

وبعد كل ذلك، يتطلع المواطن البحريني، كي يشهد ذلك اليوم الذي يرى فيه بلاده، يسودها أكثر من اجتهاد فكري أو سياسي، لكنها جميعا غنية وناضجة وقادرة، بل وراغبة ومصممة أيضا، على التعايش سوية بشكل متفاعل ومتحضر ويقود نحو مجتمع معاصر.

ولعل في هذه الإضاءات السياسية ما يكفي لإنارة طريق الحوارات الناضجة التي بوسعها وحدها أن تعيننا على اجتياز الصعوبات التي تفرزها أمام التيار الديمقراطي طبيعة المرحلة الراهنة.

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 2708 - الأربعاء 03 فبراير 2010م الموافق 19 صفر 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً