العدد 2724 - الجمعة 19 فبراير 2010م الموافق 05 ربيع الاول 1431هـ

فوز عسكري من دون فائدة سياسية

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

«الفوز» العسكري الذي أعلنت قوات التحالف الدولي عن تحقيقه في مقاطعة مرجه في إقليم هلمند لن يدوم طويلا. فالفوز الجزئي في مقاطعة صغيرة لا قيمة سياسية له على الأمد البعيد لأنه يعتمد أساسا استراتيجية خاطئة تقوم على فكرة تسجيل انتصارات مزعومة ومحدودة على قوى غير مرئية في مشهد الصورة وتفاعلاتها الميدانية.

الهجوم الذي طال انتظاره تم تحضيره لعدة شهور ونفذته قوات بلغ تعدادها أكثر من 15 ألفا وجرى الإبلاغ عنه قبل البدء في مباشرته بأسبوع وأسفر حتى الآن عن احتلال قرى فقيرة ومزارع نائية وقتل عشرات المدنيين بالخطأ وتشريد الآلاف وتهديد من يماثلهم بالطرد من مساكنهم. ومثل هذا «الفوز» العسكري يكرر عشرات الحالات المشابهة حققتها قوات الاحتلال ولم تسفر عن نتيجة سياسية سوى تشكيل حكومة ضعيفة وفاسدة وغير قادرة على حماية العاصمة من هجمات تضرب مواقعها الرسمية الإدارية والأمنية.

نحو عشر سنوات مرت على احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان أنفقت خلالها إدارة واشنطن مليارات الدولارات على آلة الحرب وهي حتى الآن غير قادرة على إعلان الانتصار النهائي وربما تحتاج إلى سنوات عشر أخرى لتعلن بخجل أنها باتت على شفير الانتهاء من المعركة.

المعركة فاشلة إذا، وهي لن تستطيع أن تتقدم ميدانيا لنقل الفوز من إطاره العسكري إلى طوره السياسي، وذلك لاعتبارات كثيرة منها أن دولة كبرى تخوض تكتيكات جيوش نظامية مستوردة من الخارج ضد مجموعات مسلحة متنقلة تستطيع الانسحاب والانتشار والتجمع على أرض وعرة لا يعرف مسالكها ومخارجها ومداخلها سوى أبناء المنطقة.

طبيعة المعركة التي تقع في دائرتها الحرب العبثية تفرض شروطها السياسية على التوازن العسكري. فالمعركة لا تقوم بين جيشين ولا تحصل بين دولتين حتى يستطيع أحد الطرفين إعلان الانتصار على الآخر. فالآخر غير مرئي وهو يتحرك ضمن نطاق محدود وبالتالي محكوم بالظروف وتلك البنى العشائرية التي تعطيه مظلة للحماية أو الانسحاب أو التقدم بحسب ما تقتضيه الحاجة وما تفرضه مستلزمات الربح والخسارة.

حرب دولة كبرى ضد قبيلة كبرى (البشتون في حال أفغانستان) لا قيمة سياسية لها ولا وظيفة عسكرية لها سوى إنفاق المليارات وتدريب القوات على الذخيرة الحية واختبار أسلحة جديدة في الميدان القتالي (كاسحة ألغام برية استخدمت لنزع الألغام من الطرقات في مرجه).

غير هذه الوظائف المحدودة لن تنجح قوات التحالف في تسجيل تقدم ملحوظ في الميدان الأفغاني؛ لأن شروط المعركة مختلفة وهي تعتمد على قواعد اشتباك لا تلحق الأضرار العنيفة في حركة «طالبان». فالحركة موزعة وهي تستطيع تحمل الخسائر من دون أن ينعكس الأمر نفسيا وسياسيا على قواعدها البشرية التي تعيش أصلا حالات جوع وتشرد وتسكع.

قوات التحالف لا تستطيع تحمل الخسائر وهي عرضة للضغوط الإعلامية والاعتراضات الشعبية المتنامية في أميركا وأوروبا ما يزيد من ترددها وحرصها على استخدام الصواريخ البعيدة وطائرات من دون طيار للحد من عدد ضحاياها (قتلى وجرحى). وهذا الاختلاف بين الطرفين يعطي حركة طالبان أفضلية في الميدان ونقطة إضافية لمصلحتها في ميزان حسابات التعادل بين الربح والخسارة.

اختلاف قواعد الاشتباك تشكل مسألة مهمة في تقدير حجم الانتصار ونسبة النجاح في المعادلة الختامية. قوات الاحتلال تستطيع أن تدمر القرى وتحرق مزارع «الأفيون» وتقوض الكهوف والممرات الجبلية ومعابر رعاة الماعز ولكنها في النهاية لا تستطيع إعلان الانتصار السياسي على حركة طالبان وقبيلة البشتون.

«طالبان» تستطيع إعلان الانتصار حتى لو انهزمت عسكريا وذلك لسبب بسيط وهو اختلاف قواعد الاشتباك. فالاختلاف يعطيها أفضلية للكسب لأنها أولا تتحرك على أرضها وفي ميدانها، ولأنها ثانيا لا تمتلك شيئا لتخسره حتى تلك القرى والمزارع والكهوف والممرات والمعابر.

أميركا في المطاف الأخير ستنسحب عنوة أو استجابة لإرادة سياسية. والانسحاب بحد ذاته يسجل نقطة كافية ومن العيار الثقيل لحركة طالبان حتى تعلن بسببه وفي ضوء تداعياته عن انتصارها «التاريخي» و»العظيم» على عدو كبير اضطر للهرب والخروج والعودة إلى دياره مكسورا ومذلولا.

إعلان التحالف الدولي عن «فوزه» العسكري لا معنى ميدانيا له ولا فائدة سياسية يمكن أن ينتجها حتى تستطيع إدارة باراك أوباما البناء عليه تمهيدا للانتقال إلى خطوة نوعية أخرى. فالمعارك مجرد تكرار وهي تستنسخ بعضها بالآلة نفسها ومن دون أن تنجح في التوصل إلى صوغ قوانين سياسية تسمح بتوظيف الفوز وإعادة استثماره في بناء «دولة» قادرة على تحمل مسئولياتها.

معارك منطقة مرجه فاشلة. والفوز العسكري لن يدوم طويلا. ولا يستبعد أن تسمع أجهزة الإعلام قريبا صدور بيان عن حركة «طالبان» يعلن الانتصار العظيم والتاريخي في إقليم هلمند.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2724 - الجمعة 19 فبراير 2010م الموافق 05 ربيع الاول 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 12:14 ص

      الله يمهل ولا يهمل (عبد علي عباس البصري)

      ومن زمن الاحتلال البريطاني لهلمند والتاريخ يشهد منذ الاحتلال البريطاني لوادي هلمند والمقاومه الباسله التي كانت تبديها جحافل المقاومه الافغانيه في وجه الاحتلال البريطاني اصبحت اليوم تعيد تاريخ الامس والصوره هي هي نفسها والتاريخ يعيد نفسه عجز قوات الاحتلال عن القتال على الارض دفعها الى الطيران وقصف المنازل الآمنه في القرى والمساكن الآهله بالسكان كما كانو من قبل. فحلمك يارب والله يمهل ولا يهمل انشاء الله مقابرهم في الخليج والعراق .

اقرأ ايضاً