العدد 2353 - الجمعة 13 فبراير 2009م الموافق 17 صفر 1430هـ

لا تضيقوا الفسيح

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

قيل أن الماركسيين في روسيا انتظروا سبعين عاما حتى يجلسوا على مائدة الطعام، وعندما جلسوا لم يجدوا شيئا يأكلونه، فهل ننتظر طويلا للجلوس على طاولة الحوار عندها لا نجد شيئا نتفق عليه بعد أن أدمى بعضنا بعضا، الأفق فسيح ومتشعب يتسع لتعدد الناس طيفا وفكرا، والأزمات ذات وجوه لا تحصر في نفق واحد وليس لها نهاية واحدة، الجميع هنا في مركب واحد ومن المجحف حقا أن ينبري البعض بالمسارعة إلى الفصل والاستعجال إلى كتابة النهاية التي يراها هو دون سواه، النهاية التي تفضي إلى تضييق الخناق وتأزيم الأوضاع، نحن في أمس الحاجة في هذا الوقت دون غيره للجلوس معا للتحاور في شأننا الوطني بدلا من تضييق الفسيح أملا في وهم أن يكون نهاية الآخر.

«نهاية التاريخ» مفهوم ظهر حديثا في ظل الصراعات السياسية القائمة بين معسكر الغرب والشرق وأبرز من بلورها هو المفكر فوكاياما الياباني الأصل والأميركي الجنسية في كتابه نهاية التاريخ، حيث يقرن النهاية الحتمية بالحرب الباردة مستعرضا ما توصلت إليه الولايات المتحدة الأميركية ومن يجري في فلكها من الديمقراطيات المعاصرة بأنها نهاية لعصر الاستبداد ونهاية لهذا التاريخ، لم يتفق معه الكثيرون ومن بينهم روبرت كاغان هو المفكر الرئيسي لمدرسة المحافظين الأميركية، والمنظر الأبرز للمشروع الأميركي في العراق، إذ رد عليه في مقال مطول في مجلة «ذا نيو ربوبليك» بعنوان «نهاية نهاية التاريخ» وموجها نقذه اللاذع ضد من قرن نهاية التاريخ بشيوع الديمقراطية وحقوق الإنسان، بأنهم كانوا سذجا واهمين، متأثرين بمناخ الحتميات الذي كان يطبع حقبة الحرب الباردة إذ إن الخارطة الإستراتيجية للقرن الحادي والعشرين سيحددها الصراع بين المعسكر الديمقراطي والمعسكر الاستبدادي اللذين سيتقاسمان العالم، لم يحدث اتفاق بشأن النهاية ولن يحدث، فالبشر ليسوا قادرين على صياغة نهاية تاريخ الأمم والشعوب، فلا العولمة هي الأخرى بنهاية الجغرافيا.

في مجتمعنا الصغير جدا هل لأحد الحق أن يقرر أو أن يكتب نهاية الآخر أو إلغاءه من وطنه؟، وطن الآباء و الأجداد، الوطن الذي يعني وجوده وحريته وكرامته ومحور انطلاقته في الحياة، الوطن الذي يقوم على البناء والانتماء والمواطنة، المواطنة لا تمنح ولا تشترى. مواطنة الحقوق والواجبات والحريات المسئولة في ظل المقومات الأساسية للمجتمع التي بني عليها ميثاق العمل الوطني. هناك ثمة تساؤل معني به الساسة والمثقفون وكتاب الرأي، هل تحركاتنا ومواقفنا هي وفقا للحاجة أم هي الرغبة لمزيد من التصعيد وفرض الرأي وتحجيم الآخر وإذعانه نحو التبعية؟ يقول الفلاسفة إن هناك قوتين لدى المرء تتحركان في المواقف هما قوة دافعة لدرء الخطر، و قوة نافعة لجلب المنفعة، و القوة الثالثة تحكم تلك القوتين وهي قوة العقل والتي لا تبنى على أساس المدافعة أو المنفعة، إنما على أساس المصلحة العامة واتخاذ الموقف الأنسب والأفضل ولو على حساب الذات، وهي الغائبة عن واقعنا، فإلى متى يبقى هذا الوضع ؟ وإلى أين سيصل بنا الحال؟

إن اختراق الأمن وسيادته من العموميات، ولا يمكننا بالعموميات أن نصنع حقا، فالأمن والطمأنينة لا يأتي من الدولة فقط، ولا من فرض القوة، إنما يأتي من العقد الاجتماعي بين الحكم والشعب فنحن لسنا بحاجة إلى مزيد من الصراع بقدر ما نحن بحاجة إلى التعايش والاحترام المتبادل، والكلمة الهادفة والحوار والتلاقي، ربما يحدث الاختلاف والتباين، لكن لا ينبغي أن يؤدي إلى التعقيد والتأزم في دولة ثباتها ميثاقا توافق عليه الجميع حكومة وشعبا من منطلق يهدف وفقا لنصوص الميثاق إلى (صيانة البلاد ورفع شأن الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية ) إذ إن العدل كما جاء هو (أساس الحكم والمساواة وسيادة القانون والحرية والأمن والطمأنينة والعلم والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين) فهي بلا شك ( دعامات للمجتمع تكفلها الدولة ومن هذه القيم الرفيعة التي تتمسك بها دولة البحرين أميرا وحكومة وشعبا كل التمسك من أجل المستقبل ) نعم من أجل مستقبل مشرق يتمناه الجميع، فهل مع ذكرى الميثاق تستجيب الدعوات التي تنادي بحوار يفتح فيه جميع الملفات العالقة بدلا من الدعوة إلى تضييق الفسيح.

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 2353 - الجمعة 13 فبراير 2009م الموافق 17 صفر 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً