العدد 559 - الأربعاء 17 مارس 2004م الموافق 25 محرم 1425هـ

سؤال يحير خبراء الأمن في أوروبا: من يأتي دوره بعد مدريد؟

سمير عواد comments [at] alwasatnews.com

استغرب رئيس الحرس الشخصي لعبدالله الثاني ملك الأردن عن سبب الحراسة المشددة التي فرضت على المبنى المجاور لفندق «أدلون» المقر غير الرسمي لكبار ضيوف الدولة الألمانية في مدينة برلين. لكن سرعان ما فهم الوضع حين بلغه أن المبنى المحاذي والذي تتقدمه حواجز من أكياس الرمل التي تذكر بالحروب الأهلية، هو مقر سفارة بريطانيا. بعد هجوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001 فرضت سلطات الأمن البرلينية إجراءات أمنية مشددة على عدد من المباني التي توصف بأنها أهداف تقليدية للإرهابيين وفي مقدمتها سفارات الولايات المتحدة و«إسرائيل» إضافة إلى سفارة بريطانيا وكذلك عدد من المؤسسات اليهودية.

وطلب وزير الداخلية الألماني أوتو شيلي من سكان العاصمة برلين أن يتفهموا ضرورة العمل بإجراءات أمنية مشددة جديدة أقرتها الحكومة خلال اجتماع عقده مجلس الأمن القومي يوم السبت الماضي وهو أعلى مرجع سياسي أمني يتألف من المستشار ووزراء الخارجية والداخلية والدفاع والتعاون الاقتصادي والإنماء. وانضم إليه بصورة غير عادية، رئيس المخابرات الألمانية بي أن دي، أوغوست هانينغ الذي أطلع الحضور على تقرير أعده جهاز الأمن عن الوضع الأمني في ألمانيا والإجراءات التي يمكن اتخاذها لمواجهة اعتداء محتمل يستهدف ألمانيا.

وكان القبض على ثلاثة مغاربة في اسبانيا واحتمال أن تكون تفجيرات مدريد من عمل منظمة «القاعدة» قد أثار قلقا كبيرا في نفوس المسئولين الألمان الذين لم يخفوا أبدا أنهم يفضلون أن تكون منظمة (إيتا) الباسكية الجهة المنفذة للجريمة الدامية لأن هذا يحصر القضية ضمن الحدود الاسبانية أما أن تعلن «القاعدة» مسئوليتها فإن هذا يكشف عن بعد جديد بالغ الخطورة.

إذ لم يسبق وأن شعرت دول الاتحاد الأوروبي بتهديد مباشر من «القاعدة» على رغم حملات المداهمة والاعتقالات وإجراء محاكمتين ترتبطان بهجوم 11/9 على الولايات المتحدة في هامبورغ، كما أن أجهزة الأمن الأوروبية لم تعتبر التفجيرات في جربة وبالي اعتداء مباشرا ضد دول أوروبا لكن تفجيرات مدريد أوضحت أن «القاعدة» تخلت عن التمييز فقبل وقت فجرت قنابل في فنادق ومبان. سكنية في الرياض والدار البيضاء غالبية ضحاياها من العرب والمسلمين. ويعتقد المراقبون أن اعتماد «القاعدة» في حجتها على غزو العراق، مفاده أنها عازمة الآن على مواصلة تحدي الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وتقديم الدليل إلى واشنطن أن الحرب المناهضة للإرهاب التي أعلنتها كرد فعل على هجوم الحادي عشر من سبتمبر، لم تقض عليها. ويعتقد المراقبون أيضا أن «القاعدة» شرعت في معاقبة الدول التي تحالفت مع واشنطن في غزو العراق وأن تفجيرات مدريد قد تكون البداية.

وقالت مصادر حكومية في برلين ان مجلس الأمن القومي الألماني وافق مبدئيا على اقتراح قدمته بلجيكا بإنشاء وكالة أوروبية للاستخبارات الخارجية يعمل عملاؤها في عدد من بلدان الشرق الأوسط لتعقب النشطين في منظمة «القاعدة» وقالت هذه المصادر انه ينبغي أخذ الأمور على محمل الجد ونبه أحد المعلقين كيف رفضت إدارة بوش دعوات عدد من الزعماء الأوروبيين بعدم استخدام القوة العسكرية كرد فعل على الهجوم على نيويورك وواشنطن وطالب هؤلاء بتعاون دولي لمواجهة جذور الإرهاب مثل مكافحة الفقر ونشر الديمقراطية ودولة القانون وقال المعلق شتيفان كورنيليوس في تعليق نشرته صحيفة «زود دويتشة» ان بوش تجاهل هذه الدعوات وصمم على استخدام القوة العسكرية التي لم تؤد إلى نتيجة مقنعة ولم تضع نهاية للإرهاب، فيما انقسم الأوروبيون حول حرب العراق إذ لعب رئيس الوزراء الاسباني أثنار دورا بارزا في قيام هذا الانقسام وكتب عليه أن تكون مساندته لواشنطن في غزو العراق سبب وقوع تفجيرات مدريد على رغم أن 90 في المئة من المواطنين الاسبان كانوا ضد هذه الحرب.

كما برز اثنار بين أشد المؤيدين لهذه الحرب وراح يروج لمزاعم واشنطن ولندن بأن العراق يملك أسلحة الدمار الشامل، التي لم يعثر عليها حتى بعد احتلال العراق. يوم الأحد عوقب اثنار وحزبه الحاكم على كذبه في أزمة العراق وهكذا حمله الناخبون بعض الذنب لأن تبعيته للرئيس الأميركي ومساندة حرب العراق مهدت لتفجيرات مدريد.

ليس هناك من يشعر بالخوف بعد جريمة مدريد أكثر من حكومات الدول التي ساندت واشنطن في حرب العراق. مدريد أولا فمن التالي على قائمة «القاعدة»؟ إن دولا مثل ألمانيا التي عارضت حرب العراق لا تستثني نفسها من اعتداءات محتملة لكن الرأي الغالب أن الدول المستهدفة بصورة أكبر هي التي ساندت القوة العظمى في حرب العراق. يشير تقرير من لندن الى أن السلطات البريطانية اتخذت كامل الاحتياطات منعا لوقوع تفجيرات مماثلة لما حصل في مدريد وهذا أقصى طاقاتها. وشرعت الاستخبارات البريطانية بزرع عملائها في القطارات لحماية المسافرين.

يذكر أن هناك 2500 محطة للقطارات في بريطانيا كما يبلغ عدد الأشخاص الذين يستخدمون شبكة المواصلات في مدينة لندن وحدها خمسة ملايين ما يعرض هذه الشبكة للإصابة بسكتة قلبية في أية لحظة. وتتخوف لندن أن تتعرض إلى اعتداء بأسلحة كيماوية وجرثومية لهذا السبب تم تزويد فرق الأمن التي تحرس محطات المترو ومحطات القطارات الرئيسية مثل الموجودة في واترلو وفكتوريا بمعدات لتقفي أثر أسلحة الدمار الشامل. من الناحية السياسية تعرف بريطانيا أنها الجهة الأوروبية المعرضة أكثر من سائر دول أوروبا الغربية لخطر هجمات إرهابية لأنها أهم حليف للولايات المتحدة ورئيسها بوش وثاني أكبر طرف في الحرب المناهضة للإرهاب. وطلب رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير من موظفيه الأمنيين التأهب لمواجهة أي طارئ.

وكان هذا قد دعا قبل أيام قليلة على وقوع جريمة مدريد لمواصلة الحرب المناهضة للإرهاب والقيام بحرب وقائية مماثلة لحرب العراق. وكتب فيرغال كين المعلق في صحيفة «إندبندنت» والذي عمل مراسلا في ايرلندا الشمالية عدة سنوات أن الكثير من البريطانيين بدأوا يفكرون بتغيير طريقة حياتهم وتجنب محطات المترو والقطارات لكنهم يعرفون أن الإرهابيين يملكون الأوراق بأيديهم ففي ايرلندا يتجنب المتمردون إلحاق الأذى بالمدنيين لكن الإرهاب الجديد لم يعد يميز. في العاصمة البولندية يسود جو حذر وذلك قبل أسابيع قليلة على استضافة سياسيين واقتصاديين من أنحاء العالم للمشاركة في مؤتمر الاقتصاد الأوروبي. كما تتوقع دوائر الأمن البولندية توافد آلاف المعارضين للعولمة ولا تستبعد أن يستغل الإرهابيون هذه المناسبة.

وقد أعلن رئيس الوزراء لازيك ميلر أن المخابرات البولندية ليس لديها معلومات عن وقوع اعتداء من قبل ما وصفهم بإرهابيين عرب لكن وسائل الإعلام المحلية تتحدث عن ما يناقض هذا الرأي وتعتقد أن بولندا مهددة لأنها تقف إلى جانب واشنطن في العراق وحصلت كمكافأة على دورها، على منطقة تخضع لسيطرتها في العراق ولها كتيبة خاصة يشرف عليها جنرال بولندي في صفوفها أيضا وحدات تابعة للجيش الاسباني.

بعد تفجيرات مدريد صدرت عناوين إحدى الصحف الكبرى في وارسو تقول: لقد جاء دورنا. أمر وزير الداخلية البولندي بفرض إجراءات أمنية مشددة على المعابر الحدودية على غرار ما حصل بعد هجوم 11/9/2001. وأثارت تفجيرات مدريد حزنا واسعا في بولندا لأن بين الضحايا ثلاث من البولنديات تم التعرف عليهن وأعلن الرئيس البولندي ألكسندر كوازنيفسكي يوم الجمعة المقبل يوما للتضامن مع الشعب الاسباني

العدد 559 - الأربعاء 17 مارس 2004م الموافق 25 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً