السيميوطيقا ونهاية الشيخ حسين العصفور

قاسم حسين

كاتب بحريني

ليس للسيميوطيقا ارتباطٌ بنهاية الشيخ حسين العصفور الفاجعة، وإنّما كانا موضوع الجلسة الصباحية في اليوم الأخير (الثلثاء) من مؤتمر علامة البحرين الكبير.

في الورقة الأولى تناول الشيخ النجفي علي كاظم جواد «السيميوطيقا في لغة الفقهاء»، مقرّرا أن الفقيه يمارس دور الناقد الأدبي في النص الفقهي، من حيث كونه وسيطا بين النص والمتلقي. والسيميوطيقا هو علمٌ حديثٌ يبحث في دلالة الألفاظ كما فهمناه من العرض المختزل للباحث. ففي الحوزة العلمية شخصياتٌ تتابع آخر ما ينتجه الفكر البشري المعاصر، وتقرأ ما تنتجه الجامعات الغربية وتتملاه دون عقدة نقصٍ أو انبهار. والأهم أنها تقدّم إنتاجها وإبداعها الخاص بكل ثقةٍ واعتداد بالذات، فهي وريثة جامعةٍ عريقةٍ تمتد لأكثر من ألف عام؛ وذات جذورٍ حضاريةٍ صلبةٍ، فلا تقف مبهورة أمام المنتَج الفكري الغربي، كما يحدث مع أنصار الحداثوية والتابعين لهم بإحسان.

الورقة الثانية للكاتب والمؤرخ والناقد البحريني محمد حميد السلمان، الذي كان واضحا أنه يخبّئ مفاجأة تحت إهابه، فمن الدقيقة الأولى نزل من المنصة ليشارك الجمهور معه في عملية بحثٍ جنائي عن قاتل الشيخ العصفور، باستخدام جهازٍ للعرض، ليستعرض التواريخ والروايات. واعتذر مقدّما للحضور (وأغلبهم من المشايخ)، بأنه ليس محقّقا دينيا ولا شأن له بالفقه، وإنّما لديه أسئلةٌ ومعلوماتٌ يريد أن يطرحها، وروايات متضاربة يريد أن ينقّحها، ليصل الجمهور بنفسه إلى النتيجة التي توصل إليها من قبل.

كان السؤال الكبير: كيف انتهت حياة الشيخ العصفور؟ ومَن؟ ولماذا؟ فالحدث حصل في فترةٍ مضطربةٍ سياسيا، إذ وقعت البلاد بحكم موقعها الجغرافي إلى بؤرة للتنافس بين القوى الاقليمية، وكانت الضغوط تأتيها من الشمال (فارس)، والشرق (عُمان)، والغرب (نجد)، وغير بعيدٍ عنهم العثمانيون في العراق.

في تلك الفترة العاصفة، كانت القوة الشمالية انحسرت عن الجزيرة، والشرقية انسحبت، وخلت الساحة من القوة المحلية، ودانت للقوة الباقية لأكثر من عقدٍ من الزمان. فهي قوةٌ ناشئةٌ، أخذت تتمدّد نحو المراكز الحضرية، بحثا عن مجال نفوذ سياسي واقتصادي أوسع. وفي مثل هذه الأوضاع تسعى القوة لإزاحة أية زعامةٍ يمكن أن تقف في طريقها، فكيف بشخصٍ انتهت إليه الزعامة الدينية، التي كانت ومازالت تملك تأثيرا كبيرا على الشارع، حتى لو كانت بعيدة عن دوائر السلطة والقرار... وفي هذا السياق يمكن أن تُفهم حادثة الاغتيال.

الروايات المحلية متضاربةٌ، والمصادر التاريخية تتجاوز ذكر التفاصيل، ولذلك ظلّت ستائر الغموض مسدلة على الحادثة ليطويها النسيان. وجاء السلمان ليجمع الخيوط، ويضرب بين الروايات، ويحقّق في قضيةٍ جنائيةٍ كما قال. فالشيخ حسين العلامة طُعن في ظاهر قدمه، ولما سأل ثلاثة أطباء اختصاصيين: هل يمكن أن يفضي ذلك للموت؟ أجابوا بإجماع: «لا... إلا أن تكون طعنة مسمومة».

تذكّرت وهو يسرد التفاصيل، قصة الشاعر دعبل الخزاعي، الذي قُتل بطعنةِ رمحٍ أيضا في ظاهر قدمه، وكانت الطعنة مسمومة. الفرق أن الخزاعي مات من يومه وهو في سن الثامنة والتسعين، بينما مات الشيخ وهو في منتصف خمسينياته، وفي عزّ عطائه الفكري.

في نهاية الجلسة، تقدّمت من السلمان، حيّيته على جميل عرضه ودقة استنتاجه، الذي وافقه عليه المؤرخ سالم النويدري. إنها السياسة مرة أخرى... حيث تدفع الشعوب الصغيرة الآمنة ضريبة مطامع الكبار. ولله الأسرار.

العدد 2750 - الخميس 18 مارس 2010م الموافق 02 ربيع الثاني 1431هـ

التعليقات (13)
التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أنت تعلق الآن كزائر .. يمكنك التعليق بـ3000 حرف عندالتسجيل من هنا

اقرأ ايضاً

شاركونا رأيكم