العدد 2358 - الأربعاء 18 فبراير 2009م الموافق 22 صفر 1430هـ

أوباما والعودة إلى أفغانستان

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

وقع الرئيس باراك أوباما أمس على قرار إرسال 17 ألف جندي أميركي إضافي إلى أفغانستان لإنهاء مهمة «مكافحة الإرهاب» التي فشل سلفه جورج بوش في تحقيقها. القرار جاء بعد لقاءات متواصلة أجراها أوباما مع القيادة العسكرية وأجهزة المخابرات في البنتاغون. كذلك جاء ليؤكد التزامه بوعوده التي أطلقها في الانتخابات.

القرار ليس جديدا لأنه ينسجم مع قناعات الرئيس التي تؤكد أن بؤرة الإرهاب تكمن في أفغانستان وأن بوش أخطأ حين لم يكمل مهمته في المربع الأول واتجه إلى العراق ليفتح معركة وهمية وخاسرة. أوباما لا يعترض على حرب بوش في أفغانستان وإنما يزايد عليه لفظيا انطلاقا من قراءة ساذجة ترى أن الإرهاب بؤرة جغرافية وليس لها علاقة بالسياسة والاجتماع والتكوين الثقافي المعطوف على الاحتلال والظلم. اعتراض أوباما اقتصر على حرب بوش في العراق لذلك وعد جمهور الناخبين بأنه في حال فاز في معركة الرئاسة سيسحب قواته من بلاد الرافدين في مدة لا تتجاوز 16 شهرا وسيرسل المزيد منها إلى أفغانستان لاستكمال مهمة كان يجب أن تنتهي منذ زمن.

القرار الذي وقعه أوباما أمس جاء في سياق قناعات سياسية تعتمد فكرة تبسيطية تتلخص برؤية عسكرية تقوم على معادلة ساذجة: تخفيف القوات في العراق وزيادتها في أفغانستان. التخفيف يؤدي إلى انسحاب تدريجي والزيادة تؤدي إلى اقتلاع الإرهاب من جذوره... وتنتهي برأيه المشكلة وتعود القوات الأميركية إلى بلادها ظافرة منتصرة.

هذه المعادلة الساذجة كررها أوباما في تصريحات كثيرة. فهو يرى أن المشكلة بدأت مع أفغانستان ويجب أن تنتهي هناك... لكن لنفترض أن «القاعدة» نجحت في توسيع شبكاتها الإرهابية وأخذت تتمدد جغرافيا وتخترق الحدود فإن أوباما لا مانع لديه من ملاحقة الخلايا ومطاردتها جوا وبرا من دون احترام لسيادة الدول لأن المهمة برأيه يجب أن تنتهي حتى لو اقتضى الأمر فتح جبهة عسكرية إضافية مع باكستان التي تتخذ منها «القاعدة» محطات خلفية وملاذات آمنة.

الحرب إذا مفتوحة جغرافيا وزمنيا في حال فشلت القوات الإضافية في كسر المعادلة. والفشل يعني أن أوباما سيكون في موقف صعب لا يستطيع الخروج منه خاسرا ما سيدفعه من جديد إلى زيادة القوات اضطراراَ. والزيادة المضافة على الإضافة قد تورط واشنطن في رمال متحركة وأخطاء يمكن أن تشكل مادة خصبة للإرهاب يستفيد منها لتحسين سمعته وتوسيع رقعة انتشاره الشعبي وامتداده السياسي بين المدنيين على طول الخط الفاصل بين أفغانستان وباكستان.

الخط الفاصل بدوره ربما يتحول إلى ساخن في حال واصلت الطائرات الأميركية «من دون طيار» في قصف القرى وأحياء المدن بذريعة مكافحة الإرهاب. والخط الساخن على حدود تتعايش فيها القبائل وتتداخل تضاريسها البشرية قد يتحول إلى صاعق تفجير يثير المشاعر (الفزعة والتضامن العشائري) ما يرفع درجة الضغط على حكومة أسلام أباد وربما يورطها للتدخل لمساعدة واشنطن أو مواجهتها.

احتمال اتساع نطاق المطاردة مسألة واردة وتدخل باكستان في حال انتقلت المعركة إلى أراضيها ليس مستبعدا. وهذا يعني أن المشكلة البسيطة برأي أوباما ستبدأ بالتضخم مهما كان السلوك السياسي الذي ستتبعه حكومة إسلام أباد. فالتحالف مع أميركا في حربها الخاصة سيؤدي إلى انعكاسات سلبية في الداخل الباكستاني وربما بساعد على تأجيج الشارع وتسخين التوتر الأهلي. وعدم التحالف سيرفع من درجة الحرارة المتأزمة أصلا مع واشنطن ما سيفتح الباب أمام احتمالات خطيرة.

أزمة متدحرجة

القرار الذي اتخذه أوباما أمس خطوة غير حكيمة لأنه يحتمل في إطاراته السياسية مجموعة خيارات مفتوحة على أزمة متدحرجة. ويشكل التسرع في اتخاذ القرار بداية لسياسة ميدانية قد تورط قوات الاحتلال في تحالفات غير مضمونة وخصومات غير محسوبة يرجح أن تساهم في زعزعة الاستقرار في دائرة جغرافية شديدة الحساسية تنذر بمواجهات عسكرية على الحدود الباكستانية - الهندية.

الخروج من الحرب أصعب من دخولها. والقراءة المتسرعة التي تعتمد معادلة ساذجة تبسط الأمور حتى تكون الفكرة مقنعة وقابلة للتطبيق يمكن أن تنقلب على صاحب القرار وتدخله في مشكلة متناسلة لا يعرف كيف يسيطر على انفعالاتها وتداعياتها. الأمر نفسه حصل مع بوش في مسألة العراق حين توجه إلى واشنطن عشرات المتعاملين والمتعاونين ينصحونه بإعلان الحرب على بلاد الرافدين بذريعة أن الشعب ينتظره وهو على أتم الجهوزية لاستقباله بالزهور والعطور. وانتهى به المطاف إلى الانسياق في حرب وهمية دمرت العراق وقوضت الدولة ونال في آخرها رمية حذاء.

الاحتمال نفسه يمكن أن يتكرر مع أوباما بعد أربع سنوات. فمن يرتكب خطأ بوش لا يستبعد أن يتشابه مصيره حتى لو كان السيناريو غير متطابق في المكان والزمان. فالتبسيط الذي ورط بوش في العراق وأقنعه بالمغامرة أخذ يتكرر مع أوباما في أفغانستان حين توجه إليه عشرات المتعاملين والمتعاونين لتشجيعه على القرار في اعتبار أن الخطوة ذكية وتلقى الترحيب من كابول والشعب الأفغاني ينتظره لاستقباله بالزهور والعطور.

القرار الذي وعد أوباما الناخب الأميركي باتخاذه إذا فاز بالرئاسة، كان بإمكانه تجاهله أو دراسته من كل الجوانب بشكل مستفيض حتى لا يتورط في أزمة مفتوحة ويرجح أن تتدحرج ميدانيا في حال أصيبت الخطوة بالإحباط وظهرت المشكلة على حقيقتها. فالنظرية تختلف معادلتها في التطبيق، لأن الاختبار العملي يولد قناعات تجريبية لا تتوافق بالضرورة مع الحسابات الورقية. والسؤال لماذا اتخذ أوباما هذا القرار في وقت تعاني واشنطن من أزمة مال وتواجه صعوبات في إنعاش الاقتصاد وإخراجه من منطقة الركود؟ أجوبة كثيرة يمكن افتراضها غير الوعد الانتخابي. إلا أن الرد السريع لا يستبعد وجود ضغوط من «اللوبي العسكري» وشبكة الإخطبوط المخابراتية و«مافيات» مؤسسات التصنيع الحربي. فهذه المجموعات نجحت في ترسيخ نفوذها في الإدارة السابقة وباتت تمتلك أدوات ضغط تثير المتاعب للإدارة الجديدة.

مسارعة أوباما للوفاء بوعده الانتخابي جاء ليلبي حاجة اقتصادية لقطاع الصناعات العسكرية. فهذه المؤسسات شهدت فروعها في عهد بوش أفضل الأوقات بسبب الامتيازات التي أغدقتها عليها موازنات فاقت في أرقامها كل الحروب الأميركية سواء في كوريا أو فيتنام. والتورط في «تورابورا» يمكن أن يفتح أمامه الكثير من الأبواب المقفلة. فالقرار الذي وقعه أوباما أمس ربما كان خطوة للتهرب من ضغوط «لوبيات» الصناعات العسكرية على الإدارة في الداخل إلا أنه قد يورط واشنطن في أزمة متدحرجة يصعب الخروج منها من دون ضربة حذاء

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2358 - الأربعاء 18 فبراير 2009م الموافق 22 صفر 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً