العدد 614 - الثلثاء 11 مايو 2004م الموافق 21 ربيع الاول 1425هـ

المعارضة المتأمركة

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

تنمو منذ أكثر من عقد في أوساط المعارضات العربية نزعة استسلامية لنمط الغرب وتفكيره يمكن وصفها بـ «المعارضة المتأمركة». هذه المعارضة خطيرة للغاية لأنها تشوه صدقية خطاب المعارضات العربية وبرامجها للتغيير وتحولها إلى مجرد أجهزة سياسية تابعة لواشنطن ومجرد أبواق تردد ما تقوله دوائر صنع القرار في «البنتاغون». وخطورة هذه «المعارضة المتأمركة» أنها انتقلت الآن وفي فترة الرئيس الحالي جورج بوش من الكلام إلى الفعل وباتت على قناعة تامة بأن التغيير لا يحصل الا بعون من الخارج وان الاصلاح والتنمية والديمقراطية وغيرها من شعارات لا يكون الا بالقوة المسلحة تملكها دولة واحدة هي الولايات المتحدة.

بدأت هذه المعارضة ترفع رأسها على استحياء بعد انهيار «جدار برلين» وتفكك المعسكر الاشتراكي وسقوط الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، وتشكلت نواتها الأولى باندماج مجموعات أميركية تقليدية معجبة بالنموذج الغربي ومجموعات «سوفياتية» كانت ترفع شعارات يسارية وشيوعية أصيبت بالاحباط بعد ان تداعى نموذجها الاشتراكي في أوروبا الشرقية.

اندمجت أو تزاوجت المجموعات المنتمية إلى المعسكرين في كتلة سياسية جديدة تروج للأفكار الأميركية مستفيدة من الفراغ الدولي وضعف الأنظمة العربية وعدم قدرتها على تطوير نفسها وتحقيق الانفتاح الداخلي والتصالح مع المجتمعات.

بدأت هذه النواة تكبر في وسط المعارضة العراقية وأخذت تدفع مختلف القوى إلى القبول بفكرة اللجوء إلى واشنطن وطلب المساعدة لخلع صدام. وكانت ذريعة هذه «المعارضة المتأمركة» ان الوضع الدولي تغير ولم يعد بالإمكان المراهنة على التغيير من الداخل بسبب نجاح الدولة في السيطرة على كل مرافق الحياة والاقتصاد والثقافة والسياسة. كذلك لم يعد بالإمكان المراهنة على الوضع الدولي بسبب غياب المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة وصعوبة قيام بدائل تأخذ عن موسكو تلك المهمات التي كانت تقوم بها.

استغلت «المعارضة المتأمركة» غياب البدائل الدولية والاقليمية والمحلية للترويج لفكرة «عودة الاستعمار» مؤقتا وضمن وظيفة محددة وهي اقتلاع الأنظمة من الخارج من طريق الاحتلال وإعادة بناء دولة جديدة بمساعدة أميركية تكون على النمط الغربي.

بداية لاقت «المعارضة المتأمركة» مقاومة شديدة من المعارضات العربية وتحديدا تلك التي ترى في «الأجنبي» قوة لا تريد الخير للأمة وإنه اسهم تاريخيا في ترسيخ الأنظمة ودعمها وحتى تشجيعها على مطاردة المعارضة وانتهاك حقوق الإنسان العربي.

إلا أن هذه المقاومة بدأت تفتر وتتراجع أمام هجوم «المعارضة المتأمركة» وخصوصا تلك الفئة «اليسارية سابقا» التي تعودت على التعامل مع أجهزة الأجنبي بذرائع ايديولوجية. ونجحت هذه الفئة في الصعود سريعا واحتلت مواقع قيادية بسبب علو صوتها واستعدادها للقبول بدفع أي ثمن مقابل تحقيق برنامجها.

وتغذت هذه الفئة «اليسارية سابقا»، من مبالغة الأنظمة المعنية بالاسقاط الخارجي بانغلاقها الداخلي وعدم استعدادها للانفتاح والتفاهم والتسوية السياسية بين الدولة والمجتمع. فالأنظمة المنغلقة على نفسها لم تدرك بسرعة ذاك التحول الكبير الذي حصل في منظومة العلاقات الدولية ومعنى نجاح أميركا في قيادة العالم من دون منافس.

هذا التمسك في الانغلاق والافراط في استخدام السلطة وعدم التسامح الداخلي شجع «المعارضة المتأمركة» على اظهار خطابها التغييري - الانقلابي باستخدام قوة خارجية (عسكرية) بغطاء محلي للقيام بعملية الخلع من طريق الاحتلال كما حصل في العراق.

عملية الخلع في العراق استغرقت أكثر من 13 سنة لأسباب كثيرة منها عدم وجود كتلة ايديولوجية في إدارة البيت الأبيض مقتنعة بمثل هذه السياسة العدوانية التي تذكر العالم بفترة الاستعمار المباشر. وتأخرت أيضا لعوامل دولية كثيرة منها أزمة الاتحاد اليوغوسلافي وانفجاره وتطايره إلى دويلات صغيرة غير مستقرة، كذلك عدم نضوج الظروف الاقليمية - الايديولوجية (العربية) التي تسهل أو تتقبل مثل هذه الأفكار التي تروج لها «المعارضة المتأمركة».

الآن كما يبدو ترى هذه الفصائل ان الأمور باتت سانحة بعد ان نجحت عملية الخلع الأولى في العراق. وبغض النظر عن النتائج المخزية التي توصلت اليها واشنطن في انتاج النظام البديل تظن المعارضات المتأمركة ان هناك فرصة للتغيير ولابد من انتهازها حتى لو استخدمت كل الوسائل لاضعاف الأنظمة وارباكها من نوع اللعب على مشاعر الاقليات وإثارتها ضد الدولة.

هذا النوع من «المعارضة المتأمركة» يخيف لأنه يجرد المسألة الديمقراطية من كل عناصرها الوطنية والثقافية ويحولها إلى مجرد آلات للاقتلاع وليست وسيلة للبناء.

والخطر ان يكرر «المتأمركون» سيناريو العراق في أكثر من بلد عربي وتحديدا تلك التي تجاور فلسطين وتحيط بها. فهذا ما تتمناه «إسرائيل» ويحرض شارون واشنطن عليه. وهذا موضوع آخر

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 614 - الثلثاء 11 مايو 2004م الموافق 21 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً