العدد 2785 - الأربعاء 21 أبريل 2010م الموافق 06 جمادى الأولى 1431هـ

استراتيجية الإسكان الجديدة... غامضة ومبهمة!

حيدر محمد haidar.mohammed [at] alwasatnews.com

ليس بوسعي أن أكون متفائلا بأن الاستراتيجية الإسكانية الجديدة التي أعلنتها وزارة الإسكان ستقضي على أزمة إسكانية مزمنة يبلغ قوامها 45 ألف طلب إسكاني في غضون سنوات قليلة من الآن كما أعلنت الوزارة.

وسبب عدم التفاؤل (لكي لا نقول التشاؤم) هو الغموض الكبير الذي يكتنف تفاصيل هذه الاستراتيجية من جهة، ومن ثم التضارب الواضح في أجزائها من جهة أخرى، وتعارضها مع التصريحات والخطط السابقة الخارجة من رحم الوزارة ذاتها.

لماذا لا يمكننا الاطمئنان إلى نجاح هذه الاستراتيجية؟

من دون عناء عسير، يمكن القول إن هذه الاستراتجية (هي الثالثة من نوعها خلال ثلاث سنوات، بمعدل استراتجية جديدة لكل سنة)، إذ إن الاستراتيجية الأخيرة سبقتها استراتيجيتان أخريان في ظرف زماني قصير جدا، فالاستراتيجية الأولى كانت البناء العمودي، وروجت له الوزارة ولم يقبله الشارع بصرف النظر عن واقعية أو عدم واقعية المؤيدين أو الرافضين. لكن الوزارة اعتبرت في حينها أن هذا الخيار هو السبيل الوحيد لحل المشكلة الإسكانية ولكن سرعان ما تراجعت الوزارة عن ذلك، وخففت من وطأة رفضها للرفض الشعبي والنيابي.

أما الاستراتيجية الثانية، فكانت «البيوت الذكية» التي نزلت مثل البرشوت لتحلق في سماء البحرين، فلم يَكَد يمر يوم واحد دون أن تؤكد وزارة الإسكان أن المشروع الذكي هو خيار البحرين الوحيد، وبالفعل استعانت بالجانب الصيني لبناء شراكة في انجاز هذه البيوت. وبدأ مسلسل «البيوت الذكية» يفرض على البحرينيين رغم عدم وجود دراسة جدوى حقيقية للمشروع.

وقدم الوزير تعريفا مغريا للبناء الذكي واصفا إياه بأنه «قوي ومتين ويمكن إنجازه بسرعة، وعازل للحرارة والرطوبة والصوت، فضلا عن أنه موفر للطاقة بشكل كبير، وهي مواصفات تناسب وضع البحرين»!

وهكذا فان وزارة الإسكان رمت بكل ثقلها لفرض المشروع الذكي سواء على مستوى التصريحات التي أدلى بها وزير الإسكان وكبار مسئولي الوزارة أو في المباحثات مع مجلس النواب. وبالفعل أنشأ بيتين (ولن أستعير لفظ الصندقتين)، ورتبت الوزارة جولات ميدانية للنواب الذين قضوا وطرا في هذين البيتين.

ومن ثم تعالت درجة الحماس للبناء الذكي لتبلغ ذروتها بإعلان وزارة الإسكان عن إنشاء المركز العالمي للبناء الذكي بالشراكة التمويلية مع بنك الإسكان والذي سيحتكر البناء الذكي في كل المنطقة!

ولكن على حين غرة أعلن مجلس التنمية الاقتصادية رفضه الصريح للبناء الذكي، ودعا وزارة الإسكان للتراجع عنه فورا والتخلي عنه للأبد، محذرا من أن هذا المشروع لا يناسب خصوصية الأسرة البحرينية ومن شأنه أن يسرب الأموال الوطنية للخارج، وطلب من وزارة الإسكان إعلان البديل في أسبوعين فقط.

في كل الأحوال المستغرب أن كلا الاستراتيجيتين السابقتين (البناء العمودي والبناء الذكي) تم إقرارهما دون أن يكون للناس رأي في ذلك، ثم تم التخلي عنها دون أن يكون للناس رأي أيضا، فالناس لم يؤخذ رأيها لا في القبول ولا في الرفض، ومن ثم هل كانت وزارة الإسكان تعمل طوال تلك المدة من دون الحصول على مباركة الحكومة ومجلس التنمية الاقتصادية!

وبعد النهاية غير السعيدة للبناء العمودي وكذلك الذكي، خرجت الوزارة بالاستراتيجية الإسكانية الجديدة، وهي الأكثر غموضا من سابقاتها.

وخرج علينا وزير الإسكان ليعلن أن وزارته تعتزم بناء 5000 وحدة سكنية بدءا من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل والذي يأتي في إطار الشراكة مع القطاع الخاص.

وأعلن الوزير الخطوط العريضة للخطة الإسكانية متوسطة المدى التي أعدتها الوزارة للسنوات الست 2009 - 2014 والتي تأتي في إطار الرؤية الاقتصادية للبحرين حتى العام 2030.

وحدد الوزير هدف الخطة في خفض فترة انتظار الوحدة السكنية إلى خمس سنوات مع نهاية العام 2014 من خلال تنفيذ المشاريع الإسكانية المدرجة على مسارين: الأول قيام وزارة الإسكان كالمعتاد ببناء وحدات سكنية بنفسها مباشرة في حدود مخصصات مشاريع بالموازنة، والمسار الثاني الدخول في شراكة مع المطورين وشركاء القطاع الخاص لبناء وحدات سكنية منخفضة التكاليف لذوي الدخل المحدود من المواطنين.

ولكن هناك لغز رياضي يستصعب فهمه في الاستراتيجية الإسكانية الجديدة (فهناك تشكيلة متنوعة «كوكتيل» من الأرقام أنا أقر بأنني عجزت عن فهمها، لذلك أترك للوزارة الموقرة والقراء الكرام التفكير بها:

المعادلة الحسابية المعقدة التي أعلنتها وزارة الإسكان تقول:

- سيتم بناء 5000 وحدة سكنية تبدأ في أكتوبر 2010، مع الخطة تشمل بناء 3500 وحدة إسكان اجتماعي وباقي الوحدات ستباع بأسعار غير مدعومة.

- عادت الوزارة مرة أخرى لتقول إنها تسعى لتوفير 50 ألف وحدة سكنية خلال خمس سنوات (هذا الرقم يعني عشرة أضعاف الرقم الأول!).

- المشروع سيتم تشييده في الجزيرتين رقم 13 و14 بالمدينة الشمالية (للمرة الأولى نسمع عن أرقام جزر في المدينة الشمالية، وهنا تساؤل فضولي أين هي الجزر من 1 - 12 لأننا انتقلنا فجأة للحديث عن الجزيرتين 13 و14؟!)، كما أنه ليس من المعلوم كيف نحل التضارب بين التصريحات السابقة لوزارة الإسكان عن تشييد المدينة الشمالية والتصريحات الجديدة.

- الحكومة ستضخ موازنة تقدر بنحو 140 مليون دينار خلال العامين القادمين للبناء الاجتماعي. (وهنا نسأل وزارة الإسكان ما هو تعريفها للبناء الاجتماعي وما الفرق بينه وبين البناء غير الاجتماعي؟).

- بحسب الوزارة فان المتطلبات السنوية المستحقة تصل على مدى عمر المشروع 25 عاما إلى 11.5 مليون دينار يدفع منها المستفيدون نحو 3.6 ملايين دينار وباقي المبلغ وقدره 7.9 ملايين دينار تتحمله الحكومة.

اسمحوا لي أن أقول إن ما سبق هو فوضى أرقام وليس استراتيجية جادة لحل المعضلة الإسكانية المتراكمة، ومن يتمكن من فك رموز المعادلة السابقة فانه يستحق أن يكون عبقريا بجدارة.

وطالما أن مناقصات الاستراتيجية الإسكانية الجديدة لم تعلن حتى الآن فكيف رست مراحل من المشروع على شركات بعينها قبل تحويلها لمجلس المناقصات لاختيار العطاءات الأفضل حسب قانون المناقصات؟ وابتغاء للشفافية ودرءا لأية شبهات فساد محتملة، مطلوبٌ من الوزارة أن توضح ملابسات تحويل تلك المشروعات للشركات من دون الالتزام بقانون المناقصات.

الشراكة مع القطاع الخاص في حل المشكلة الإسكانية، ولكن إذا كانت الوزارة تقول إنه لم يتم دعم هذه المشروعات، فما هو دور الوزارة، فالقطاع الخاص ليس جهة خيرية حتى يقدم أسعارا تفضيلية للبناء من دون دعم حكومي.

وأخيرا وليس آخرا: هل قدر المواطن البحريني - الذي ينتظر الخدمة الإسكانية لقرابة عشرين عاما - أن يكون حقلا للتجارب والى مدى غير معلوم؟!

إقرأ أيضا لـ "حيدر محمد"

العدد 2785 - الأربعاء 21 أبريل 2010م الموافق 06 جمادى الأولى 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 1:33 ص

      إذا في زمن الذروة

      الحين أسعار النفط فوق و هذا الوضع كان مطابق منذ عام 2000 و وزارة الإسكان ماشافت حل جذري للإسكان يعني متى يكون حل؟

اقرأ ايضاً