العدد 698 - الثلثاء 03 أغسطس 2004م الموافق 16 جمادى الآخرة 1425هـ

الوعي في منتهاه: صدام حسين مثالاً!

حين قال صدام: «أنا لا أستطيع أن أدوس نملة»

حسن الصحاف comments [at] alwasatnews.com

«الآن تنطوي صفحة من تاريخ نهضتنا العربية وصفحة جديدة تبدأ، تنطوي صفحة الضعفاء الذين يقابلون مصائب الوطن بالبكاء وبأن يقولوا: «لا حول ولا قوة إلا بالله» صفحة النفعيين الذين ملأوا جيوبهم ثم قالوا: «لا داعي للعجلة، كل شيء يتم بالتطور البطيء»، صفحة الجبناء الذين يعترفون بفساد المجتمع اذا ما خلوا لأنفسهم حتى إذا خرجوا إلى الطريق كانوا أول من يطأطىء رأسه لهذه المفاسد». ميشيل عفلق أو عبدالله عفلق

إن من يقرأ «ميشيل عفلق» يعجب كيف خرج «صدام حسين» وجماعته من تحت عباءة فكره؛ لن أمتدح هذا الفكر هنا فنحن أبناء الضاد، أبناء الأمة العربية نعرف حق المعرفة ان «كلام الليل يمحوه النهار». بودي أن أسطر هنا كثيراً من مقالات الأب الروحي لـ «حزب البعث العربي الإشتراكي» الذي جاء بـ «صدام حسين» إلى السلطة، سلطة حكم «العراق» في الوقت الذي كان فيه المؤسس ورفاقه يعيشون في كنف «الطاغية» وفي ظل قصوره البالية، ويؤدلج له وهم يرددون من حوله: «زدنا تنظيراً»؛ ويعجب الإنسان مرة أخرى حين يقرأ العبارة التالية التي خطها يوماً ما هذا المؤسس على ورق ناصع البياض بحبر حالك السواد: «كان العرب القدماء يعتقدون أن نفس القتيل الذي لم يؤخذ بثأره تتحول بعد موته إلى طائر يحوم حول القبر صارخاً متوجعاً من عطشه المحرق. وكأن هذه حال ألوف النفوس توارى كل يوم في التراب قبل أن تشفي من الحياة ظمأها، لأن أوضاع المجتمع حولتها إلى حيوانات ذليلة تقضي العمر خافضة الرأس إلى الأرض تبحث عن لقمتها، بدلا من أن تكون مخلوقات بشرية مشرئبة نحو النور تمنح أحسن ما عندها».

لا أعرف أين كان المؤسس حين كان «الزعيم» و«الملهم» و«السيد الذي عرف كل شيء» و«السيد الذي أيده الله» و«القائد» يدفن الموتى في مقابره الجماعية، بل اني أريد أن أعرف كيف قال هذا المؤسس يومها إنه يفكر «لكل الذين يتململون في زوايا القبور من ثقل الآمال التي لم يتح لهم المجتمع تحقيقها في الحياة، ومن كنوز الخير والحب والحماسة التي بقيت كامنة في قلوبهم وما تسنى لهم اظهارها واستخدامها». ثم للنظر إلى هذا المجاز القاتل :«انهم أشبه بشجرة مورقة نقطعها ونلقيها في النار فتزهر وهي تحترق». إذا هكذا فالناس شجر مورق يلقى في النار ليزهر، بربكم هل رأيتم شجراً يزهر في النار؟ تصدق هذه المقولة إذا ما اعتبرنا الشرار المتطاير من النار زهراً من نار ونور!

ما الذي دعانا إلى أن نفتتح هذه العجالة بمقتطف استلفناه من مؤسس «حزب البعث» ورحنا نضيف إليه مقتطفات أخرى، ليس الأمر بغريب على البصير الباصر والفاطن العاقل، فـ «صدام حسين» في السجن هذه حقيقة أفرحت كثيراً من الأمهات وأثلجت كثيراً من صدور وقلوب الآباء. «صدام حسين» في السجن هذه حقيقة وليست حقيقة، كيف؟ المسألة بكل بساطة أنه وهو في سجنه يتمتع بحماية ليس مثلها حماية، وطعام يأتي في طائرة خاصة من معتقليه يشرف على طعامه دكتور وليس دكتاتوراً مثله، وهو في سجنه لا يكف يظهر للناس على انه إنسان وديع، أو كما قال وهو على رأس السلطة وليس في عمقها «إني لا أستطيع أن أدوس على نملة»! لكن أستطيع أن أقتل ولا يرف لي جفن، ألف ألف إنسان يخونون الأمة ويخونون الثورة. وأتساءل هنا من الذي خان الأمة؟ من الذي خان الثورة، يا ليت يقوى ويخبرني. إضافة إلى ذلك فهو أيضاً خرج علينا من تحت عباءة السجان الأميركي والسجان العراقي مرة فاتحاً فاه كث الشعر على قمة الرأس وعلى خدي صفحة الوجه وظهر اليدين اللتين لم تبقيا حياً بين حضن أمه إلا وأصابه شيء من مكرماته.

وظهر علينا مرة أخرى وهو تحت رحمة أبناء ضحاياه العراقيين في غرفة محكمة بين يدي قاض شاب رُبما قُتل أباه ومن رباه في عهد «جمهورية الرعب»، كما كان الناس يطلقون على العراق ابان حكمه الدكتاتوري. غير أن الحقيقة أن الرعب الذي كان بين الناس كان رعباً مزيفاً، رعباً لا صحة له. فكيف يُرعِب الناس من هو مرعوب أكثر من الناس أصلاً ؟ كيف يقمع الناس من هو مقموع أصلاً أكثر من الناس. «صدام حسين» كان «مقموعاً» من قِبل قوات الدول العظمى وعلى رأسها «أميركا» و«بريطانيا». كانت هاتان الدولتان على وجه الخصوص تملي عليه شروطها ومشروطيتها، لم يكن بكل تأكيد مثل «المغفور له فيصل» إنه يختلف عن «فيصل». فيصل كان جريئاً ووقف في وجه المد الآتي من غرب الجزيرة. لا نريد أن نطيل ولا أن ندخل في أزقة التاريخ المظلمة للدول العربية، فقط نود أن نقول إنه خرج علينا (أي صدام) وعلى صفحات إحدى الصحف التي تعتلي عرش الشهرة وقال كثيراً ولم يكف عن القول، بل إنه ذهب إلى أبعد من القول، كما إنه قيل عنه كثير. في الأيام الماضية قيل فيه إنه يعاني «من ضغط دم»، كيف يعاني إنسان من ضغط وهو «ليس عنده نقطة دم»؟ وقيل إنه «يرفض الخضوع للكشف عن سرطان البروستات»، وكيف يقبل الكشف وهو العارف أن الكشف قد يظهر إصابات أخرى وهو المستعجل لموته قبل أن يأخذ حكم الإعدام طريقه بيد الشعب إلى رقبته. فهو ليس كما الأبطال الذين يرفضون الموت على الفراش، بل يتحسرون لموتهم على الفراش، أما سمعتم: «وها أنا أموت على فراشي»؟. وقيل إنه «معزول في زنزانته» وهي «المكيفة». إنها رحمة «العراق» به وبغيره من الموهومين بالسلطة والقوة، وهي القادرة على إرجاعه إلى حفرة اختياره الجبانة. وقيل إنه «بدا مهزوماً ضعيفاً»، فهل أتوا بشيء جديد؟ لقد رأيناه مهزوماً شر هزيمة وفي قلبه يحمل أطناناً من الضغينة لا على الأميركان وحدهم بل على جل شعب العراق. وقالوا إنه لم يترك عاداته فهو مازال يحبذ «الفطائر والكعك والمقرمشات الأميركية المحلاّة (ذكرى أعياد ميلاده ومجونها) وكيف لا وهو محروم من أكل العراق الذي قدمه إلى ضحاياه مشبعاً بالسم الذي قطع أوصالهم قبل أحشائهم». ولا ينسون كباب الكاظمين وأصدقائه الكبابجية الذين يخلطون اللحم بالدم، وقيل إنه «يعتني بالورد»، وأي ورد هذا الذي يسمح لـ «صدام» أن يمسه؟ وهو إلى جانب هذا وذاك «يزرع الشجر» في «المعقل»، إنه شجر الحنظل الذي سيصلب عليه بعد أن تتدلى قدماه والاصفاد تلتف حواليه.

وأخيراً قالوا إنه «يتلو القرآن» ليل نهار، هنا نقول: «الهداية من الله»، فقد اهتدى من قبله مؤسس الحزب إياه وشهد الشهادتين قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى. أما القول إنه يكتب الشعر، فهذا لا عجب. فالعراق كله شعر من رأسه حتى أخمص قدميه، وإني لا أعرف طفلا يولد في العراق لا يكتب الشعر. الشعر في العراق هو وليد حضارته وليس وليد المصادفة التي خرج من رحمها صدام حسين. الشعر في العراق خلق للإنسانية معنى، وصدام دفن الشعر والمعنى في أشعاره وسلوكياته، وإن كانت أشعاره عن ألد أعدائه جورج بوش الابن.

تقول القصيدة التي كتبها صدام حسين عن جورج بوش في مطلعها:

هاي وهيه وهايه

وجورج بوش جاي وياييه

بمعنى إنه يتوقع سقوط جورج بوش الابن في الانتخابات.

لقد وعى صدام حسين الحقيقة القاتلة والقائلة بأحقية الإنسان في العيش الكريم في بيته بين زهوره وشجره وبين كعكات تصنعها له أيدي أعزة عليه من دون أن يخاف من سم قاتل تحمله له صينية تمّن بمرقة البامية باللحم أو تكة يؤتى بها له من على «جسر المسيب» أو من «مدينة الرعب» أو استكانة من الشاي (اللي ينقط عسل) تجلب من قلب مقهى من مقاهي بغداد. لقد وعى صدام حقيقة الواقع المرّ، غير انه ومع هذا الوعي محروم من خيرات العراق وخصوصاً خيرات دجلة والفرات. صدام لن يذوق طعم العراق الجميل الحاضر الذاهب في طريقه إلى المستقبل من دون خوف أو وجل، وإن سقط في الطريق جبل.

في الختام نرجو من الحكم في العراق أن يوفر لصدام حسين خط إنترنت كي يرى الفرق بينه وبين بوش الابن الذي يكتب فيه الشعر، ويرى قبل ذلك جورج بوش الأب وكلينتون الذي عرف كيف يستخدم سيجارة ليحدث ضجة فاقت ضجة صدام حسين التي راح ضحيتها الملايين في المقابر الجماعية، عساه يتعلم، بل عساه يتألم، ففي الألم بعض الرحمة.

ونهديه بعض مقولات مؤسس حزبه، عسى أن يرى فيها عزاءً لما هو فيه وما هو صائر إليه: «ان المشقة محتومة ولكنها ليست مرغوبة، ومن الواجب التغلب عليها حتى تخف وتختفي. عندئذ يصبح الذي يضحي بالأرض من دون أن يشعر بألم التضحية عائشاً في السماء، أو أن الأرض تستحيل سماء». وإذا لم تصدق المقولة هذه فقد تصدق هذه: «أن الأرض حينها تستحيل إلى نار جهنم تحرق الباطل، إن الباطل كان زهوقا».

الرئيس المصري الأول بعد الثورة في مصر، محمد نجيب، سجن في بيت، وبعد أن وافته المنية زار حشد من الناس ذلك البيت فوجدوا في حديقته «لوحة خشبية مكتوبا عليها: «هنا يرقد أعز اصدقائي»، أما اصدقاؤه فهي الكلاب التي ماتت قبل أن ترى موتته الشنيعة! والذين يترددون على مستشفى الكلاب في العباسية يجدون لوحات من الرخام، إحداها من عميد الطب هاشم فؤاد يتمنى لكلبه جنة الخلد! (انظر أنيس منصور في «الأهرام»، 27 يوليو 2004).

صدام حسين ليس له أصدقاء أعزاء من الكلاب الآن ليدفنها في حديقة معتقله قبل أن يموت طبيعياً أو بحكم العدالة الإنسانية، فقد دفن أصدقاءه الأعز عليه من الكلاب وهو يعيش في قصوره. حسين كامل كان أول آخرهم.

صرخ أحد الكتاب: «انظروا الى صدام حسين. أي رجل آخر غيره لكان مات منذ سنين بالسكتة أو الجلطة أو القرحة أو الآكلة.

ولكن ها هو يحضر المحكمة في أتم صحة وعافية»!

لقد وعى «صدام حسين» أخيراً ولكن... هل وعينا نحن؟

العدد 698 - الثلثاء 03 أغسطس 2004م الموافق 16 جمادى الآخرة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً