العدد 870 - السبت 22 يناير 2005م الموافق 11 ذي الحجة 1425هـ

السياسة الخارجية لإدارة بوش تثير قلق الألمان

سمير عواد comments [at] alwasatnews.com

سرعان ما أوشك الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على بدء ولايته الثانية أشعر العالم عبر عبارات قليلة أن شيئا خطيرا قد يحدث في المرحلة المقبلة. وكأن مغامرة العراق ليست كافية. وكان قراره بتعيين كونداليزا رايس مستشارة البيت الأبيض للأمن القومي وإحدى أبرز من يطلق عليهم لقب الصقور في واشنطن خلفا لكولين باول قد هيأ وضع المحللين والمراقبين الدوليين على أهبة الاستعداد. وكما كان منتظرا فإن بوش لم ينس خلافه مع إيران في ظل الفوضى القائمة في العراق. وكشفت رايس أن العلاقة المعقدة مع إيران ستكون الشغل الشاغل للإدارة الأميركية خلال الولاية الثانية.

المعنيون بالسياسة الخارجية الألمانية أجمعوا على أن الموقف الأميركي الواضح تجاه إيران واستخدام لغة تهديد قاسية لا ينذر بأنباء طيبة. وقال أحدهم ان التلويح بالعصا يشكل صفعة للجهود التي يقوم بها الأوروبيون منذ أشهر لإقناع إيران بالتراجع عن برنامج تخصيب اليورانيوم، المادة الرئيسية التي تستخدم في إنتاج القنبلة النووية، وعدم التفكير بإنتاج أسلحة الدمار الشامل. في المقابل يعرض الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر أهم شريك تجاري لإيران التوقيع أخيرا على اتفاقية تجارية مع إيران من شأنها أن تدعم قدرتها الاقتصادية وفتح السوق الأوروبية بصورة أوسع أمام منتجاتها. كما يعرض الأوروبيون تقديم الخبرة التقنية كي تتمكن إيران من الحصول على برنامج نووي يستخدم لأغراض سلمية بحتة. واشترطت إيران أن تعترف الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة لهيئة الأمم المتحدة بأن إيران لا تعمل لهدف إنتاج أسلحة الدمار الشامل.

مازالت واشنطن تنظر لإيران على أنها واحدة من الدول السيئة على حد تعبير بوش. بينما مجلس الشيوخ الأميركي يدرس إمكان إصدار قرار جديد يتعلق بإيران ويدعو إلى نشر الديمقراطية، وبصورة أوضح قلب نظام الحكم بالتعاون بصورة خاصة مع المعارضة الإيرانية في الخارج عن طريق تسلل معارضين إلى الداخل وأيضا جواسيس يعملون لحساب وزارة الدفاع الأميركية يعملون في جمع معلومات عن المنشآت النووية الإيرانية. ويقول شتيفان كورنيليوس المحلل السياسي في صحيفة "زود دويتشه" الصادرة بمدينة ميونيخ ان كل ما يسمعه العالم من بوش ورايس وأعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي عن إيران يعتبر تكرارا لما قالوه حين نشأ النزاع مع العراق.

قبل شهر فقط طالب وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر بأن تنضم واشنطن للمفاوضات التي يجريها الأوروبيون مع إيران. وذكر فيشر آنذاك أن أسوأ ما يمكن تصور حصوله هو نزاع عسكري مع إيران. ليس من المستغرب صدور هذا الموقف عن الحكومة الألمانية فقد رفضت ألمانيا حرب العراق منذ البداية وحذرت من عواقبها وتجد أنها على ضوء الخسائر البشرية والعسكرية والمادية التي تتكبدها القوة العظمى في العراق تأكيدا لصحة تحذيراتها. إضافة إلى ذلك فإن ألمانيا أهم شريك سياسي وتجاري لإيران منذ عهد الشاه رضا بهلوي كما هي نافذة إيران الوحيدة على الغرب. اليوم يفرك فيشر يديه وهو يرى بوش يعمل شخصيا على افشال المفاوضات الدائرة مع إيران. وقد سربت مصادر إعلامية عن انعقاد مؤتمر في واشنطن دعت إليه المجلة الأميركية "The Atlantic Monthly" كان بمثابة لعبة حرب جديدة، شارك فيه خبراء متخصصون وعسكريون وأعضاء سابقون في الحكومة الأميركية إذ تم التوصل إلى نتيجة متناقضة مفادها: قياسا للقدرات العسكرية الأميركية بالإمكان غزو إيران والإطاحة بالنظام الحاكم فيها وذلك على رغم أن إيران أقوى كثيرا من العراق في ظل الرئيس السابق صدام حسين. لكن المشاركين في المؤتمر حذروا من المخاطر السياسية والعسكرية لحرب جديدة في منطقة الخليج وأجمعوا على استبعاد فكرة الغزو. وتم الاتفاق على إمكان توجيه ضربة عسكرية لإيران. ويعتقد دبلوماسيون ألمان أن واشنطن ستواصل استخدام لغة التهديد لإشعار القيادة الإيرانية أنها تشحذ السكين وأنها ستستخدمها إذا سعت إيران لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. ويخشى الأوروبيون بصورة خاصة أن تصر القيادة الإيرانية على التمسك ببرنامجها النووي وبالتالي تصعيد النزاع مع الغرب و"إسرائيل". يقر الأوروبيون بأن الوقت لا يسير لصالح الحل السلمي ويخشون على الأكثر أن تصر إيران على أن امتلاك أسلحة نووية مسألة قومية تتفق عليها التيارات السياسية كافة ولأسباب مقنعة من وجهة النظر الإيرانية. ترى إيران نفسها مهددة وتسببت تصريحات بوش ورايس بزيادة هذا التهديد. باكستان التي ترتبط بحدود معها تملك القنبلة النووية وهناك قوات أميركية منتشرة بأعداد كبيرة حول حدودها في العراق وأفغانستان.

وأبلغت زعيمة حزب الخضر الشريك الصغير في الائتلاف الحاكم بألمانيا كلاوديا روت صحيفة "برلينر تسايتونغ" في إطار تعليقها على تهديدات بوش ورايس: "نحتاج إلى حلول دبلوماسية وليس إلى تهديدات باستخدام العنف". وحذرت روت من أن تصعيد النزاع النووي مع إيران سيهدد الأمن في منطقة الخليج ودعت واشنطن إلى دعم استراتيجية التفاوض التي يعمل بها الاتحاد الأوروبي لهدف إقناع إيران بالتراجع عن رغبتها بامتلاك أسلحة الدمار الشامل. وكان الصحافي الأميركي سيمور هيرش الذي سبق وأن كشف عن فضيحة تعذيب المعتقلين في سجن أبو غريب قد أبلغ محطة التلفزيون الألمانية "آي آر دي" مساء الثلثاء أن الصقور في واشنطن يعتقدون أن لديهم تفويضا من الشعب الأميركي لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران. وأثارت المعلومات التي نشرها هيرش في مجلة "New Yorker" قلقا واسعا في ألمانيا. وقال خبير قضايا السياسة الخارجية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم غيرنوت إيرلر: "إذا صحت التقارير بشأن خطط عسكرية أميركية ضد إيران فإن واشنطن تكون قد وجهت صفعة قوية إلى سياسة التفاوض التي يعمل بها الاتحاد الأوروبي تجاه إيران". وأضاف إيرلر قوله: "اختار الاتحاد الأوروبي عن قصد طريق التفاوض مع إيران وعدم استخدام لغة التهديد كي يتحقق النجاح المنشود". وكشف إيرلر عن اندهاشه لأن الحكومة الأميركية اجتهدت في نفي المعلومات التي كشفها هيرش وقال "ان واشنطن مصممة على ما يبدو لتوسيع حرب العراق". وكان عضو البرلمان الألماني التابع لحزب الخضر كريستيان شتروبلي أكثر وضوحا في انتقاده إذ وصف الإشارات التي صدرت عن واشنطن بأنها خطيرة جدا وأبلغ صحيفة "برلينر تسايتونغ": "أخشى أن يشعر الرئيس الأميركي أنه من خلال إعادة انتخابه، أن الشعب الأميركي يؤيد سياسته في العراق وأنه يؤيد شن حرب جديدة ضد إيران". وقال شتروبلي إنه ينبغي على الأوروبيين أن يتكاتفوا لمعارضة استخدام القوة العسكرية ضد إيران، مشيرا إلى أن هذا من واجب السياسة الخارجية الألمانية، ودعا إلى توضيح الموقف الألماني خلال الزيارة المقبلة التي سيقوم بها بوش لألمانيا في فبراير/ شباط المقبل في إطار جولة أوروبية. كما انتقد الاتحاد المسيحي المعارض تصريحات بوش ورايس على رغم أن الاتحاد المسيحي انحاز لبوش في حرب العراق وكلفه خسارة الانتخابات العامة في سبتمبر/ أيلول .2002 فقد أعرب عضو البرلمان روبريشت بولينز عن استغرابه كون واشنطن ليست مهتمة إطلاقا بتقديم عرض للتفاوض مع إيران وقال: "سنحقق نتائج سياسية مع إيران بصورة أسرع لو تراجع الأميركيون عن استعراض عضلاتهم".

لم تصدر كلمة واحدة في برلين عما يجري تداوله وراء أبواب مغلقة: الورقة الإسرائيلية. قبل أشهر أطلعت الحكومة الإسرائيلية واشنطن على مشروع خطة وضعها الموساد لضرب المنشآت النووية في إيران عن طريق غارات جوية كما فعلت "إسرائيل" ضد مفاعل عسيراك العام 1981 في العراق. لكن الأوروبيين يقولون إن المنشآت الإيرانية محمية بصورة أفضل كما أنها منتشرة في عمق الأراضي الإيرانية. ويحذر الأوروبيون من العواقب السياسية لمثل هذا الهجوم ويقولون إن الولايات المتحدة تحتاج إلى إيران لغرض تحقيق الاستقرار في العراق وفي حال الاعتداء عليها سيثور شيعة العراق على القوات الأميركية المتمركزة في العراق. حتى اليوم جمعت واشنطن معلومات عن ثلاثمئة موقع داخل إيران. السيناريو الذي يثير الفزع في نفوس السياسيين الأوروبيين على الأكثر هو أن تنطلق مقاتلات حربية إسرائيلية تجاه إيران وتجر بذلك الولايات المتحدة إلى مغامرة عسكرية لا أحد يستطيع حصر نتائجها العسكرية والسياسية

العدد 870 - السبت 22 يناير 2005م الموافق 11 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً