العدد 900 - الإثنين 21 فبراير 2005م الموافق 12 محرم 1426هـ

حسن مكي أو حسن البصري

جعفر الديري comments [at] alwasatnews.com

لم يترك هذا الرجل - الذي فجعنا برحيله - مكانا واحدا من دون أن يترك عليه بصمته. بصمة الرجل المحب العطوف الذي يملأ الأمكنة بهجة وانشراحا بخفة دمه ودماثة خلقه. وهو الإنسان المثقف الذي طالما شهدت المنابر صولاته والقائه المتميز في قصائد حماسية تلهب المشاعر بحب آل البيت "ع".

كنت التقيته منذ أن وعيت على الحياة، ومنذ أن كان مدرسا في احدى المدارس الحكومية، وهو رجل لا يلين له جانب في ذات الله. شديد الانتقاد لكل خطأ ولكن بأسلوبه الخاص به وهو السخرية، كان ينتقد كل من يجعله التعصب أعمى القلب والضمير. وهذا الأمر جر عليه الكثير من الويلات، فعلى رغم كونه مدرسا متميزا، يحبه التلاميذ وينشرحون لطريقته في الشرح وأسلوبه المتميز في الأداء فإنه لم يظفر من التدريس إلا بوجع الرأس والتعب، فلم يكن ليحظى بأية ترقية تليق به، فظل مدرسا يطفئ شمعة عمره بكده واجتهاده من دون أن ينال شيئا مما يستحق.

قد يكون لهؤلاء الذين تجاهلوا عطاءه واستمروا في مدارات جهده شيء من الحق في غضبهم وتغاضيهم عنه، فالسخرية التي طبعت حياة هذا الرجل كانت سخرية مرة مثيرة للحنق الى أبعد حدود. كيف لا وهو القادر على أن يجعل كل من يصوب عليه سهامه مثار ضحك وفكاهة دائمة. أخبرني مرة أحد المدرسين ممن عمل معه في مدرسة واحدة أن المدير والطاقم الاداري للمدرسة كانوا يخشون حسن، ويحاولون الخروج من كل مكان يحضره فيه خوفا من لسانه وسخريته، مع أن حسن لم يكن من أولئك الذين ينسون وقارهم فتدفعهم السخرية لنطق كلمات بذيئة، بل على العكس كانت سخريته لا تهزأ بالشخص وانما بفعل الشخص.

والحديث عن شاعرية حسن مكي حديث يطول، فالرجل كانت له طريقته الخاصة وأسلوبه المتميز القادر على استثارة المشاعر. وهو الرجل الذي على رغم مرضه وأوقاته الصعبة كان حريصا على المشاركة ولكن بكل جديد. فلم تكن المنابر لتستهلكه وانما كان مدققا حريصا على إضافة شيء الى رصيده الشعري. وأذكر أنه في احد الاحتفالات الكبيرة استطاع أن يجعل من المسجد مساحة رحبة للحماسة وهو يلقي قصيدته الرائعة في آل البيت النبوي الشريف "ع" ويثني على أوضاع المسلمين ويختم بلبنان وحزب الله منطلقا في القاء يتماوج فيه الحب للمؤمنين والكرة لـ "إسرائيل".

ليس الشعر ما كان يتميز به حسن فقط فقد كان خطاطا ماهرا ورساما جميل الألوان والأشكال وذلك ما يشهد به نادي الدير الثقافي والرياضي الذي طالما زين واجهاته الداخلية برسوماته وخطوطه، وما تشهد به أيضا أروقة المدارس التي عمل فيها التي تزينت من لوحاته وأفكاره الجميلة.

ولا أظنني مبالغا اذا قلت أن حسن استطاع أن يخلق له جوه الخاص به. فمنذ أن كنا صغارا ونحن نضحك مع بعضنا بعضا فننادي فلان باسمه حتى اذا التفت الينا أدرنا رؤوسنا وقلنا فلان النبي أو الامام وليس أنت. ومنذ أن كنا صغارا كنا نمد أيدينا الى زملائنا، حتى اذا مدوا الينا أيديهم مددناها لآخرين. ولم نكن نعلم وقتها أن هذه الحركات تعلمناها من حسن مكي الذي شاهدته يوما في عيد من أعياد الفطر المبارك وهو يمد يده الى فلان من الناس حتى اذا مد يده قال له والابتسامة لا تفارقه وجهه، فلان الأكبر أولا.

رحمك الله يا أبا علي، رحمك الله أيها الصديق العزيز الذي كان يملأ حياتنا وأوقاتنا ببسمته الجميلة وضحكته التي لا تفارق محياه. رحمك الله يا بن الدير الذي ترعرع فيها ونشأ بين ترابها. رحمك الله وأنت في أحسن حال ورحمك الله وأنت تقاسي أهوال المرض. رحمك الله ورحم ارادتك التي كانت أقوى من الحديد. رحمك الله شاعرا مبدعا وتشكيليا متميزا وخطاطا ماهرا ولسانا صادقا وحياة ملؤها المحبة للدير والناس. رحمك الله يوم أن ولدت في الدير ورحمك الله يوم أن ووري جثمانك في مقبرة الدير وسط محبيك وأصدقائك.

هؤلاء لا يموتون يبقون مع الحياة ومع الناس وفي كل مكان تمشي فوقه قدمان. الطيبون الذين يشتاقهم الناس ويبكون لفراقهم وتضج قلوبهم لذكراهم. هؤلاء يمشون مع الناس أحياء في جلساتهم ومسامراتهم ويبقون ما بقيت الحياة

العدد 900 - الإثنين 21 فبراير 2005م الموافق 12 محرم 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً