العدد 904 - الجمعة 25 فبراير 2005م الموافق 16 محرم 1426هـ

نعيش مرحلة النخب السياسية الجديدة... "الإصلاح" ليس بدعة ومقاومته لن تطول

خلدون النقيب لـ "الوسط":

ريم خليفة Reem.khalifa [at] alwasatnews.com

لاشك أن منطقة الخليج تعتبر إحدى المناطق الحيوية التي مازالت تحظى باهتمام بالغ من قبل الدول الكبرى. .. هذه الدول التي تحمل في جعبتها الكثير من المخططات والمطامع الاستراتيجية، والتي من دون بسط هيمنتها على المنطقة لن تتحقق أهدافها.

والمراقب لتطورات المنطقة لا يمكن أن يتجاهل ما يدور من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية داخل دول ومجتمعات الخليج إلى ما قد تؤثر فيه بعض دول الجوار كالعراق من رسم خطوط جديدة في السياسة واثر ذلك مستقبلا على أنظمة المنطقة.

هذه المحاور وغيرها مما يخص الملف الخليجي جاءت في حوار أجرته "الوسط" مع المفكر والباحث الكويتي خلدون النقيب الذي زار المنامة حديثا بدعوة من مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة. وهذا نص الحوار:

كيف تقرأ حاليا الوضع العراقي وانتخاباته واثر ذلك على دول الخليج؟

- بالنسبة إلى الانتخابات العراقية فأهميتها للمنطقة عموما تكمن في أن المتغير الرئيسي يتركز في النخب السياسية التي هي بطور التغيير وبطور بدأت تظهر فيه نخب جديدة سواء كان على مستوى الحكام أو على مستوى المثقفين والسياسيين وهي فعلا بدأت تتشكل داخل العراق.

فمثلا من سيظهر في هذه الانتخابات وتحديدا الأشخاص ممن هم في الواجهة سيتركون المجال إلى جيل جديد، هذا الجيل الذي قسم منه تربى في الخارج ويمكن أن يعود فيما بعد وآخر موجود بالداخل أي الذي بقي في زمن صدام حسين.

واعتقد أنه سيكون هناك فرق بين الجيلين الذي تربى في الخارج والآخر الذي بقي في الداخل.

فالجيل الجديد ستكون نظرته براغماتية أي بمعنى أنه ما عادت قضايا الاستقلال والتحرر والمشاركة السياسية أولوياته فهو سيهتم بقضايا أخرى غير التي كانت تهتم بها عناصر المعارضة العراقية أو القادة السياسيين في السابق.

الشيء نفسه مع دول مجلس التعاون التي ستتأثر بصورة مباشرة بالأوضاع في العراق وتأثيرها سيختلف من دولة إلى أخرى... فلو نظرنا إلى البحرين فهي اليوم تحمل وضعا مختلفا وجيلا جديدا في شخص الحاكم في حين ستواجه المسألة نفسها في وقت قريب مع بعض دول المنطقة في ضرورة ظهور جيل جديد يتسلم الحكم.

أيضا مع حال المملكة العربية السعودية التي تمر في مرحلة مخاض وحتى سورية التي ستدفعها الضغوط الداخلية والخارجية إلى ظهور تكتلات جديدة.

وفي حال العراق... فإن قضية الاحتلال باعتقادي ستفرق قيادات المعارضة والجماعات التي ستتسلم الحكم فيما بعد... وحاليا العراقيون يطالبون بالمصالحة الوطنية، لكن يبدو أن عناصر الحكم المقبلة ستكون أكثر ارتباطا بالاحتلال لأن ذلك من مصلحتها!

صراع جديد

إذا سيبقى الاحتلال في العراق لمدة أطول لأنه قد يتعارض مع مصالح الحكم الجديد؟

- نعم فتلك العناصر التي جاءت غالبيتها من الخارج ليست لديها قاعدة شعبية في الداخل ويريدون أن يبنوا هذه القاعدة عن طريق الرشوة والبلطجة... أيضا هؤلاء يريدون أن يلعبوا دور القوة المهيمنة في الاقتصاد.

لقد شهدنا في السنتين الأخيرتين مثلا أن التكتل الذي مثله إياد علاوي وغيره كان يقوم بتصرفات تصل في بعض الأحيان إلى أن تتدخل سلطات الاحتلال في منع بعض سرقاته العلنية وأيضا بشأن عملية الاستيلاء على المناقصات وموارد الدولة وقد حدث ذلك بكثرة في زمن الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

وذكرت في كتابي "الدولة التسلطية في المشرق العربي" فرضية ركزت على الدولة التسلطية في العالم الثالث إذ ان النخب تحتكر مصادر القوة والثروة في انظمة هذه الدول التي قد تعطي جزءا من ذلك لبعض الجماعات التي تود مساعدتها فتصبح بذلك سياسيات ترضية... وهو ما سيحدث مع الوقت في العراق، أي سيكون هناك فريق مع المعارضة وآخر مع سياسات الترضية.

فالاتجاه نحو الاحتكار الفعال لمصادر القوة والثروة سيهيئ العراق للدخول في دوامة صراع جديد.

باعتقادك هل تقود هذه المرحلة الانتقالية التي يمر بها العراق إلى حرب اهلية؟

- لا، لن تصل الى مرحلة الحروب الأهلية لكن ستكون الأوضاع مضطربة وليست هناك حتمية في هذا "..." ومن الممكن أن تقوم النخبة الجديدة التي ستتسلم الحكم بوقف دوامة العنف وأن تبدأ فعلا بمصارحة وطنية.

والمصارحة الوطنية تبدأ على مبدأ أن وجود الاحتلال يؤدي إلى العنف وليس العكس. فلو أن العراقيين قرروا أن يتسلموا الاوضاع الامنية والاقتصادية وغيرها بأنفسهم عن طريق تحالف وطني فإن موجة العنف ستنحسر، لكنها لن تختفي لأن هناك مبررا للمقاومة.

ووجود الأميركان سيخلق هذا النوع من التحدي أمام بعض فئات الشعب العراقي التي ستظهر على شكل مقاومة تؤدي إلى العنف.

الأمر الآخر أن الجيل الجديد من النخب السياسية أكثر براغماتية ومن المحتمل أن تكون هناك مصالحة أسرع مع النخب السياسية في دول الخليج.

إصلاح وديمقراطية

هناك تخوف لدى بعض الدول العربية من استخدام مصطلح "إصلاح" وبدلا من ذلك استخدمت كلمتي "تحديث" و"تطوير" كما جاء في بيانات قمة زايد الخليجية وتونس العربية. ما تعليقك على ذلك؟

- الذين في موقع السلطة يتصورون أن استخدام مصطلح "إصلاح" يعني أن هناك شيئا خطأ... وفي عرفهم ليس هناك خطأ لكن المطالبة تكمن في الانفتاح لا في الإصلاح.

ففكرة الإصلاح عند بعض الأنظمة العربية وحتى بعض الخليجية حساسة بل إنها تمثل عندهم جريمة تصل إلى حد زج من ينادي بها في السجون من دون تهمة أو محاكمة حقيقية والأمثلة كثيرة حتى اليوم.

هناك مقاومة لفكرة الإصلاح بوصفها إلى حد بعيد بـ "البدعة"، لكن على المدى البعيد ستضعف هذه المقاومة وتضطر هذه الأنظمة إلى الاستجابة بفعل الضغوط الداخلية قبل الخارجية لأن هناك فئة واسعة من الطبقة الوسطى المتعلمة والطموحة التي تتقلد مناصب وتتميز بكفاءات مهنية وإدارية علمية مختلفة ستطالب بنصيبها من القوة والثروة داخل هذه الدول وهذا لن يتم الا من خلال إصلاح حقيقي.

هل تعتبر ديمقراطية الأنظمة العربية التي سعت إلى الإصلاح السياسي منذ سنوات قليلة ناقصة أم كاملة؟

- هذا الموضوع لابد أن ننظر إليه بنظرة متوازنة... الذين في موقع السلطة يرون أن الإصلاح والديمقراطية ممكنان، لكن بحدود وعلى مراحل.

وفي حال لم تتعاون معارضة الداخل معهم فرجال السلطة يكون لهم حق في ذلك... لأن الانفتاح السريع قد يؤدي إلى التسيب وفقدان الأمن واختلالات في التوازن السياسي وغيره... أيضا إلى أي مدى يمكن للنخب الحاكمة التنازل عن سلطاتها...!

هل يمكن أن يصدر العراق ديمقراطية جديدة لشعوب المنطقة العربية؟

- اعتقد أن العراق سيصدر إرهابا أكثر منه ديمقراطية لدول المنطقة... وأقرب مثال حرب افغانستان التي صدرت عرب الافغان. أيضا أن تأتي بلد من خارج الأقليم مثل الولايات المتحدة تبعد عن العراق عشرة آلاف متر وتحوله إلى منارة لديمقراطية في المنطقة... فهذا كلام سخيف برأيي!

فحتى تكون هناك ديمقراطية حقيقية فلابد من الاستجابة للمعايير الوطنية وبكل تأكيد لا يمكن فرض هذه المعايير من الخارج والأميركان يعلمون ذلك جيدا.

لكن من المحتمل أن نعاني في المستقبل القريب إن استقر العراق الذي لا نرى حتى الآن قرب المؤشرات على ذلك من العائدين من العراق إلى جانب المرتزقة أصحاب الجنسيات المختلفة، إذ إن هناك شركات خاصة تؤجر جنودا متقاعدين توكل اليهم مهمات إرهابية هدفها افتعال الأزمات التي تخدم مصالح جهة معينة.

بنظرك ما الديمقراطية التي تريد واشنطن تطبيقها في المنطقة العربية؟

- بوش يدعي أنه لا يقبل أن يكون حلفائهم العرب من المتسلطين أو الدكتاتوريين ومن خلال مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي أطلقها في وقت سابق سيطالب بأن يكون كل أصدقائهم في هذه المنطقة ديمقراطيين أي أن يتحولوا بين عشية وضحاها إلى ديمقراطيين! لكن هذا الكلام غير منطقي!

وقد أضرب مثالا قريبا من ذلك فعندما دخلت الولايات المتحدة شرق أوروبا ووسط آسيا اعتمدوا على حكام مستبدين، لكنهم منتخبون من خلال انتخابات صورية وأخرى هزلية وهذا ينطبق على اذربيجان وجورجيا وغيرهما.

فحكام هذه المنطقة التي تحكمها مجموعة تسمي نفسها بالديمقراطيين والليبراليين ما هم الا مجموعة من قطاع الطرق والحرامية وأيضا أدوات وضعتها واشنطن لتستعين بهم في حال أرادت أن تضرب إيران عسكريا.

لماذا لم يؤثر المشروع الطائفي والاثني الذي يدور حاليا في العراق على المشاركة الشعبية للانتخابات؟

- المشاركة والتصويت كان مجرد تسجيل موقف وشيء جديد للعراقيين... فالانتخابات نوع من الطقوس يكون لها معنى أو من دون معنى هذا لا يهم... المهم أنهم جربوا هذه الطقوس ليختاروا حكامهم الجدد!

أيضا لابد من التنويه إلى الصراع الدائر بين التيار الديني والتيار الليبرالي إلى جانب التيار الصدري الذي يعبر عن التيار الطبقي أي الطبقة المسحوقة... هذه الطبقة ستزداد في السنوات المقبلة والتي ظهرت بعد صدمة التحرر من النظام الصدامي الذي جعل الناس يلجأون إلى العلاقات "الوشائجية" للقبيلة والطائفة كون الوضع مضطربا ولم تكن هناك حكومة يستند إليها فحدثت حوادث الخطف التي مازالت مستمرة وتشمل الجميع من دون استثناء.

وبصراحة انني أرفض النظر إلى العراقي تبعا إلى مذهبه فالعراقي عراقي... حتى أن فكرة إقامة حكومة عراقية مبنية على أساس مذهبي هي فكرة مرفوضة وقد تخلق أوضاعا مضطربة.

منظومة التعاون

هل تعتقد أن واشنطن تسعى إلى تفكيك منظومة مجلس التعاون وخصوصا أنها اليوم توقع اتفاقات أمنية واقتصادية بصورة منفردة مع كل دولة من دول المجلس؟

- لا ندري لماذا أثارت الرياض موضوع توقيع المنامة اتفاق واشنطن للتجارة الحرة في حين لم تثر موضوع توقيع اتفاقات أمنية منفردة مع الجانب نفسه.

الاتفاقات الأمنية تحمل في طياتها بنودا سرية كان من المفترض أن توقع جماعيا لا انفراديا فلماذا استثناء الاتفاقات الاقتصادية منها! فواشنطن مع المنظومة الخليجية كان من المفترض أن تتعامل مع مجموعة اسيان والناتو بصور جماعية.

لكن اتوقع أن الدول الخليجية التي وقعت هذه الاتفاقات الأمنية ستسمح باستخدامها كقواعد عسكرية للأميركان تهاجم الدول التي تعارض واشنطن لأهداف استراتيجية مختلفة.

لا نريد أن نحدد اسم أية دولة خليجية لكن واحدة منها استخدمت أراضيها كقاعدة لضرب افغانستان وأيضا في تحرير العراق ومن ثم في احتلاله.

للأسف ستجد دول الخليج نفسها ملزمة بمساندة واشنطن وذلك من خلال إرسال قواتها وهذا يحصل دائما كما حصل مع اليابان وكوريا الجنوبية ودول حلف الناتو.

ولا ننس أن مشروع الشرق الأوسط الكبير هو ما تسعى إليه واشنطن في المنطقة، وذلك من خلال مخاطبتها بصورة منفردة لا جماعية مع الدول الخليجية إضافة إلى إدخال "إسرائيل" في المنطقة سياسيا وأمنيا واقتصاديا.

وليس الخليج وحده من سيكون ضمن اللعبة الأميركية الجديدة بل حتى القادة الفلسطينيون الجدد سيكون لهم نصيب مع الإسرائيليين والأميركان إلى جانب المصريين والأردنيين.

عدوى الإرهاب

كيف تقيم الوضع السياسي بالكويت في ظل موجة الإرهاب؟

- بالنسبة إلى الإرهاب في الكويت والسعودية فهو هامشي وغير وارد أن يصل الى مرحلة التهديد لنظام الحكم، لكنها كما ذكرت مسبقا ظاهرة مرتبطة بالوضع في العراق وفلسطين... وسيبقى هذا الوضع على حاله. أما مكافحة الإرهاب من قبل الأميركان فلن ينتهي لأنهم هم من يأتون به اينما ذهبوا وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها.

فمعالجة الإرهاب لا تتم بصورة أمنية ولا عسكرية فهناك فئات من الشباب بفكرهم المتطرف يعتقدون أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي نقنع بها واشنطن لاعادة النظر في سياستها للمنطقة العربية. طبعا هناك فئة كما في أي بلد عربي لا تستسيغ ما يحدث من قبل الأميركان مع العلم بأن الكويت قدمت حصتها من العرب الافغان وأيضا في الحركات السرية وذلك من خلال الخلايا النائمة التي تظهر في وقت الضرورة وهي منتشرة في جميع دول الخليج، وبالتالي فإن حال الرفض ستستمر من دون شك في ظل استمرار الوجود والتدخل الأجنبي.

لماذا يسيطر التيار الإسلامي على المناخ السياسي الحالي في الكويت؟ وأين دور باقي التيارات الاخرى؟

- باعتقادي أن التيارات الدينية مهيمنة حاليا بسبب أن الكثير من الناس ما عاد يثق بالأحزاب الليبرالية ولا اليسارية ولا القومية لعدة اعتبارات فبعد العام 1967 ينظر إلى التيار القومي بأنه فشل وكذلك الليبرالي الذي يستسيغ الإصلاح حاليا من خلال التدخل الأجنبي وهذا ما لا تحبذه غالبية الشعوب العربية فينظر لهم على أنهم جماعة متواطئة مع الغرب ودعاة للتغريب.

فما حصل بعد العام 1967 ليس موجة تدين بمعنى الورع وطلب الأمان في عالم مضطرب لكن تغيرت الحسابات والرؤى.

ولذلك فإن السلف والاخوان المسلمين ليس لهم تمثيل كبير في مجلس الأمة الكويتي، إذ لا يتجاوزون في غالبية الاحيان 18 في المئة من الأعضاء.

لكن التيارات الدينية المسيسة اليوم تعرف كيف تلعب لعبة السياسة وتدخل بإطار الشرعية الدينية إلى جانب سيطرتها على أدوات الإعلام بصورة أكثر فاعلية عن غيرها من باقي التيارات. لهذا نجد الليبراليين في الخليج أصبحوا عموما نخبة متقوقعة على نفسها لا وجود لها في الشارع.

واعتقد أن التاريخ سيعيد نفسه في دورات فيغذي نفسه بعوامل تدخل على العملية السياسية تسمح لليبراليين وغيرهم بالدخول في هذه العملية... المسألة مجرد وقت لا أكثر.

الحقوق السياسية

ماذا عن حقوق المرأة السياسية في الكويت ونضالها في هذا الجانب؟

- الموضوع هو موضوع مساومة بين الحكومة والتيارات الدينية... للأسف الحكومة ليست حريصة على ذلك، فطال الموضوع على رغم أهميته.

وغالبية من يطالب بهذه الحقوق هم من النخبة الليبرالية من نساء الكويت، لكنهم لا يستطيعون أن يتعاملوا مع القبليين ونسائهم... مطالبهم مقصورة داخل دائرتهم.

ألا تعتقد أنك تظلم المرأة الكويتية؟

- لا بل بالعكس انا لا أظلمها لكن واقع المرأة الكويتية تحكمه الموروثات الاجتماعية والنخبوية ومع ذلك فالمرأة مؤهلة أن تشغل كل المناصب حتى أنني طالبت في أحد المحافل بأن يكون لنساء الأسرة الحاكمة الحق في تقلد منصب الحكم كأميرة، وذلك من خلال تعديل دستور الدولة... فربما يكون لنا يوما أميرة تحكم البلاد... من يدي

إقرأ أيضا لـ "ريم خليفة"

العدد 904 - الجمعة 25 فبراير 2005م الموافق 16 محرم 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً