العدد 942 - الإثنين 04 أبريل 2005م الموافق 24 صفر 1426هـ

المشهد العربي...استحقاقات الداخل وتأثيرات الخارج

محمد غانم الرميحي comments [at] alwasatnews.com

المشهد العربي اليوم بالغ السوء ومتراجع إلى مرحلة لم تشهد من قبل، ومازال بعضنا متشبثا بما هو قديم من شعارات زاعقة، من دون التفات إلى الاستحقاقات المحلية والإقليمية الملحة والواجبة التحقيق. ثلاثية المشهد تتمحور في لبنان والسودان والعراق، ولكنها لا تقتصر على المناطق الثلاث تلك، بل هناك لاعبون في الجوانب الإقليمية المجاورة، يؤثرون ويتأثرون بما يحدث سلبا في هذه الثلاثية الخطرة، وهي مرحلة عربية تذكرنا بمرحلة سابقة في الثمانينات حينما أدى العجز العربي إلى انكفاء دفعت الشعوب فيها أثمانا باهظة. استولت حوادث لبنان في الأسابيع الأخيرة على مقدمة مسرح الصراع العربي ومازالت تفعل، واللاعبون في لبنان كثر، منهم قوى داخلية وإقليمية وخارجية، إلا أن العيب الأكبر هو في عدم توافق داخلي لبناني مزمن، وكان لبنان قد وصل إلى توافق نسبي، لعب الدور الرئيسي فيه الرئيس رفيق الحريري، لعدد من الأسباب، كونه من الطائفة السنية، التي لم تدخل تجاذبات الحرب اللبنانية الطائفية الطويلة والمريرة، وكونه رجل علاقات دولية وإقليمية واسعة، وكونه رجل سياسة يعرف ممرات لبنان ومزالقه السياسية الخطرة. ومن قتل الحريري استهدف ضمن ما استهدف، التوافق اللبناني الممكن، ولعل المشهد الشعبي الحزين الذي تفجر على فقد رفيق الحريري في لبنان، هو مشهد في صلبه بكاء قائد محتمل وممكن للبنان، واستمرار البكائية على الحريري يعني في بعض منها فقدان "البطل" الذي يتوق لبنان المجتمع والدولة أن يحصلوا عليه، لنقلهم من حال التنافر العام إلى التوافق الوطني النسبي. والمشهد اللبناني لم ينته بعد، فقد فتح اغتيال الحريري ليس بوابة التجاذب السياسي الداخلي التي تبدأ بالمزايدة ولا تنتهي عندها، بل وفتح أيضا بوابة التدخل الدولي من جانب مجلس الأمن على أوسع أبوابها، ومن المحتمل أن يصدر قرار دولي قريبا يتابع مسلسل الوضع اللبناني، من مدخل الاستقصاء فيمن قتل الحريري، ومن أمر بقتله ومن غطى على الفعلة الشنيعة، ولكنه لن ينتهي هناك مهما تمنى الفرقاء، وبالتالي فان القوى الدولية سيكون لها موضع قدم راسخة في الشأن اللبناني على أجندة ما هو معلن دوليا للمنطقة العربية، وهي أجندة لا أعتقد أن سياسيي لبنان يجهلونها. وفي الجانب الآخر وبعد صدور قرار مجلس الأمن بمحاكمة المتورطين في مجازر دارفور، يدخل السودان من جديد، بعد أن اعتقد البعض انه وضع على سكة الخلاص، يدخل متاهة جديدة، من أول نتائجها ما أعلن عن "تجميد" الاتفاق مع الجنوب، وإلى أن يتم ذلك سيفتح أبواب جهنم على السودان والمنطقة، التي ما أن قربت على الراحة، حتى أغلقت من جديد، ويستمر استنزاف السودان الذي لم يصدق كثيرون أن نخبته السياسية حقيقة قد توافقت. أما المشهد العراقي، فيحتاج إلى قارئ بخت أو فنجان ليحل طلاسمه، فبعد الاحتفال القصير بنجاح الانتخابات الأخيرة، سقط العراق في تجاذبات منعت حتى اليوم وبعد أسابيع طويلة من تلك الانتخابات، من أن تكتمل المؤسسات الدستورية، وأن يكون هناك حكومة ورئيس وزراء، بل ورئيس جمهورية، إنما تصاعد التنافر إلى درجة محرجة لكل الأطراف، مع ازدياد تدفق الدم المتصاعد من العمليات الانتحارية والإرهابية التي تقع يوميا على أفراد الشعب العراقي يصبح القتل شبه مجاني في إنحاء العراق. وكان الوضع يستدعي الترحم على ما فات في أزمان سابقة من أمان إن قورن بما يحدث الآن استدعى امتنان بعض العراقيين، وليس بعيدا اليوم الذي تتناول فيه الأمم المتحدة الشأن العراقي بقرار جديد من مجلس الأمن، بسبب فشل ذريع في إدارة الحكم والمجتمع من قبل النخبة العراقية الجديدة. فشل النخبة العراقية عن الإبحار بالعراق إلى بر الأمان النسبي، في هذا الجو المتلاطم والمعبأ بالهزات، دليل على إفلاس من نوع ما، وما عودة الأشكال التقليدية في التصدر للشأن العام، كما حدث أخيرا في إصدار "فتوى" للسنة العراقيين العرب بجواز الانضمام لقطاعات الجيش والشرطة، "شريطة أن لا يساعدوا المحتل"! إلا مظهرا لمخبر، وهو فراغ الساحة من السياسيين، وعدم قدرتهم على النهوض بمهماتهم التي كثيرا ما تحدثوا عنها في الخارج. صديق عراقي "عبدالمنعم الاعسم" أهداني كتابه الأخير المعنون "العراق، عنف، ديمقراطية"، يقول فيه بالنص: "نحن العراقيون لسنا مؤهلين لإدارة أنفسنا، لنعترف، لقد حانت ساعة الحقيقة، ساعة الإقرار بما أصبح معروفا، فالعالم كله يتصرف معنا على أساس أننا قاصرون: إذا ناقشنا فبالسكاكين والعصي، وإذا اختلفنا فبالأسنان والنواجذ، وإذا أحببنا فإننا نخلع على المحب ما يسترنا من ورق التوت، وإذا كرهنا نكره حتى سابع جار لخصمنا"! هذا النص بالغ السخرية وبالغ الإحباط، وقد يراه البعض متشائما، إلا أن الحقائق على الأرض تميل إلى تصديقه والاقتراب من معناه العام. يشير الاعسم للمشترك بين مس بل، وكانت تحكم العراق في العشرينات من القرن الماضي، وميشيل عفلق، وبول بريمر، لتسمية البعض من الذين حكموا العراق من الخارج، تدليلا على القصور الذاتي. حقيقة الأمر أن العراق مثله مثل لبنان، ومثله مثل السودان، يعطي الدليل على قصور مرضي لدى النخبة في التقاعس عن الحكم الحكيم. كنت اسأل صديقا لبنانيا عن ظاهرة لفتت انتباهي: لماذا يصر كثير من السائقين اللبنانيين أن يخترقوا إشارات المرور بعنف لافت؟ قال الصديق: اللبنانيون لا يقودون بلدهم فيكتفوا بقيادة سياراتهم! أمام هذه المظاهر مازال بعض القريبين إلى السذاجة السياسية من المراقبين والكتاب العرب، يناقشون بممانعة غريبة تأثير الخارج على الداخل، وكأن هناك داخل مطلق أو خارج مطلق! ثلاثية لبنان، السودان، العراق لا تتوقف هناك، إنها تبدأ فقط، ففي الجوار العربي من الحوادث ما ينذر بتكرار مثل تلك التفاعلات، ليس بالضرورة تكرارا ميكانيكيا وصورة طبق الأصل لما حدث ويحدث، إنما التفاعلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هي نفسها، لقد أصر بعض قادة لبنان السياسيين في تصريحاتهم أن بلدهم ليست جورجيا أو أذربيجان، وهو قول صحيح إن اعتقد البعض أن التكرار ميكانيكي، إنما جرم السفهاء ومحدودي البصيرة، قد تؤدي بالأوطان إلى ما لا تحمد عقباه. * كاتب كويتي

إقرأ أيضا لـ "محمد غانم الرميحي"

العدد 942 - الإثنين 04 أبريل 2005م الموافق 24 صفر 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً