العدد 942 - الإثنين 04 أبريل 2005م الموافق 24 صفر 1426هـ

البلديون... عين على الشورى وأخرى على النواب

محمد حسن العرادي comments [at] alwasatnews.com

عندما أصبح قرار مقاطعة الانتخابات النيابية العام 2002 ماضيا، ازداد نصيب المجالس البلدية من المرشحين، وخصوصا على صعيد الشخصيات المحسوبة على المعارضة تاريخيا، وهكذا كانت المجالس البلدية محطة انتظار وصقل لكثير من الأعضاء البلديين الذين فضلوا أن يتخذوا خطوة للأمام بدل أن ينتظروا على الهامش أربع سنوات من دون طائل، وكأن لسان حالهم يقول "عصفور في اليد أفضل من عشرة على الشجرة"، لكن اللافت في الأمر أن عددا ممن قبلوا بعصفور المجالس البلدية لم يعودوا مقتنعين بالصيد الذي حصلوا عليه، لذلك نجد أن الأعين قد صارت ترمي طرفها أبعد من المجالس البلدية. لقد اكتشف البلديون أن العمل البلدي من النوع الذي يحتاج إلى الكثير من الجهود والتعب مقابل دراهم معدودات لا تغني ولا تسمن من جوع، ثم اكتشفوا أن أقرانهم أعضاء المجلس النيابي الأوفر حظا وحصيلة منهم، لم ينالهم من العتاب والهجوم والنقد والتجريح، أكثر مما نال البلديين، بل وجدوا أن دور المجالس البلدية في كثير من المحطات قد ارتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالمجلس النيابي، الذي قاطعه جل البلديين مخافة الاتهام بالتفريط في الحقوق الدستورية، فإذا الذي يخشون منه بالأمس، يقعون فيه اليوم عبر لجوئهم إلى البوابات الخلفية لمجلس النواب. بعض الذين ترشحوا للمجالس البلدية في العام ،2002 ولم يحالفهم الحظ، طرقوا باب الانتخابات النيابية فوجدوها أكثر مرونة وأقل صدودا، فما كان منهم إلا أن دلفوا إلى قاعات هذا المجلس المعطاء الذي كان أكثر كرما وسخاء من المجالس البلدية، فبالإضافة إلى المرتبات المجزية والألقاب التي لم يحلموا بها من قبل، هناك من العلاوات والمكافآت والهبات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ناهيك عن المعاملة الخاصة من قبل الناس أو من الأجهزة الحكومية والمؤسسات الرسمية والخاصة معا. هل فاز النواب بالجولة واكتشف البلديون أنهم يتنافسون على فتات الموائد؟ إنها ليست محاولة لتسطيح المسألة وتصوير الأمر على أنه سباق نحو من يقبض أكثر؟ لكنما ذلك من قبيل المقارنة بين ما يتعرض له البلديون من نقد وهجوم من قبل الكثير من المواطنين الذين يرون أن المجالس البلدية لم تقدم أو تؤخر شيئا، وبين ما يلاقيه النواب من النقد والهجوم الذي لا يختلف إلا في الشكل فقط، مع الملاحظة أن النواب قد كرسوا جل وقتهم وجهدهم لتحسين مستوياتهم المعيشية وحياتهم الاجتماعية، في حين أن البلديين لم ولن يستطيعوا تحقيق معشار ما حصل عليه النواب. وإذا كان هذا الاتهام وذاك على قدر واحد من التهكم والنقد! فإن الفائز هنا من دون شك هم أعضاء مجلس النواب الذين سيخرجون بحصيلة مالية جيدة وربما تقاعد معتبر، ومزايا وعطايا فوق الطاولة وتحت الطاولة لا يعلم بها إلا الله والعارفون ببواطن الأمور! وأيا كان تقدير المشتغلين بالعمل السياسي وقدرتهم على إقناع أنفسهم والمواطنين بان هناك فرقا كبيرا بين المشاركة في المجالس البلدية والمجلس النيابي، فإن الكثير من المواطنين ومن بينهم البلديون أنفسهم سوف لن يعيروا هذا الفرق كثيرا من الأهمية في المستقبل المنظور. لقد أسس العمل البلدي والمشاركة فيه لقناعة بدأت تكبر بين صفوف الكثير من الأعضاء البلديين بعدم وجود فرق بينهم وبين النواب، إلا من حيث المكافآت والمداخيل المالية، بل إن بعض البلديين بات على قناعة تامة بأنهم قد بذلوا من الجهود والمتابعة ما هو أكثر بكثير من بعض النواب الذين لم يسمع صوتهم في مجلس النواب حتى الآن إلا في المناسبات والغرف المغلقة، ويبدو أن هذه القناعة قد فتحت أعين عدد من الأعضاء البلديين وشهيتهم على المجلس النيابي وربما على مجلس الشورى أيضا. وأعتقد جازما أن عددا من الجمعيات السياسية ستلاقي صعوبة بالغة في إقناع عناصرها البلدية بالترشح إلى الانتخابات البلدية المقبلة، وليس هناك من فرق في ذلك بين الجمعيات التي شاركت في برلمان 2002 أو الجمعيات التي قاطعته، بل إن الجمعيات المقاطعة قد تجد نفسها في مأزق كبير عندما يتمرد عدد من أعضائها على التوجيهات بالترشح للمجالس البلدية وخصوصا المتمكنين منهم، لأنها في هذه الحال ستكون مطالبة بتوفير البدلاء الأكفاء لهذه العناصر، وهو ما لن يكون متوافرا بسهولة ويسر، ثم ان هذا المأزق سيكبر ويزداد اتساعا عندما يقرر عدد من الأعضاء البلديين الترشح للنواب أو القبول بمبدأ التعيين في مجلس الشورى المقبل. إن الاستحقاقات تأتي تباعا، وأعتقد جازما بأن الدخول في لعبة القبول بالمشاركة في الانتخابات البلدية والعزوف عن المشاركة في الانتخابات النيابية استحقاق قد ولد تناقضا بدأ صغيرا جدا لكنه ترعرع وكبر بعيدا عن أعين المعارضة، التي بدأت في تلمس الخطر المقبل، فسارعت إلى إعداد كوادر الصف الثاني للحلول في المقاعد المرجحة للخلو بسبب عزوف البلديين المحسوبين على المعارضة عن الترشح لها. من هنا نجد الحديث عن مبادرات للاستعدادات المبكرة للانتخابات البلدية، تمثلت في إعلان بعض الجمعيات عن تدريب كوادر جديدة من بينها عدد من الكوادر النسائية للمشاركة في الانتخابات البلدية. ولا يقف الأمر عند حدود الجمعيات السياسية المشاركة أو المعارضة بل إن ذلك سيتعداها حتى يصل إلى الحكومة المطالبة بإعادة النظر في المسألة برمتها، لأن إحجام ذوي الخبرة عن الترشح للانتخابات البلدية وتركها لعناصر جديدة قليلة الخبرة والمعرفة سيعيد التجربة إلى نقطة البداية، وهو ما سيؤدي إلى طرح سؤال كبير عن جدوى المجالس البلدية ومدى النجاح الذي حققته، وسيزيد الأمر تعقيدا خصوصا إذا بقي الحال على ما هو عليه بالنسبة إلى موقف المعارضة من مسألة الدخول في الانتخابات النيابية المقبلة، لأن ذلك سيساهم في إضعاف المجلس النيابي أكثر ما هو عليه الآن، وإذا حدث ذلك فإن المشروع الاصلاحي كله سيكون محل شك وتشكيك من قبل الكثير من الجهات المحلية والدولية. لقد دارت العملية الديمقراطية وأصبح لها آلياتها وشروطها التي تفرضها على الجميع، ولم يعد ممكنا أن تدعي جهة بعينها أنها تمسك بكل خيوط اللعبة وبأنها قادرة على توجيهها الاتجاه الذي تريد، من هنا فإن الجميع مطالب بالقبول بشروط اللعبة الديمقراطية التي تحتم التعامل الحكيم والمرن والمتزن من قبل الجميع. لقد صار غير بعيد ذلك الوقت الذي سيجد الجميع فيه أنفسهم مطالبين بتقديم تنازلات ربما من النوع المؤلم ليلبي شروط اللعبة الديمقراطية، ومن غير المستبعد أن تجد الحكومة نفسها مطالبة بإعادة النظر جديا في صلاحيات مجلسي الشورى والنواب لتعيد الاعتبار إلى المجلس المنتخب وتخصه بشكل تام بكل صلاحيات التشريع والرقابة، فيما تجعل مجلس الشورى للرأي والمشورة تمشيا مع نص وروح الميثاق الذي توافق عليه الجميع. بل إن الأمر قد يتعدى ذلك لأن شروط اللعبة الديمقراطية كلما استمرت فرضت واقعا جديدا، قد يتمثل في أن تلجأ الحكومة إلى تغيير طبيعة تكوين مجلس الشورى ذاته من خلال اللجوء إلى آليات مبتكرة لجعله منتخبا بصورة جزئية أو كلية. ومن بين الآليات التي يمكن للحكومة أن تلجأ لها، أن تختار عددا من أعضاء المجالس البلدية المنتخبة من قبل المواطنين لتضمهم إلى مجلس الشورى، على أن تجرى انتخابات تكميلية للمقاعد التي خلت نتيجة هذا الاختيار الذي سيوفر خيارا آخر لجعل مجلس الشورى أكثر قبولا، وفي هذا المجال فإن الإعلان عن إمكان اختيار عدد من أعضاء المجالس البلدية المنتخبة لعضوية مجلس الشورى المقبل، سيعيد البريق للمجالس البلدية ويزيد من حدة التنافس عليها، في الوقت الذي يساهم في تعزيز مكانة مجلس الشورى أيضا. وحتى تكتمل الصورة فإن من المهم أن تفكر الحكومة في إعادة النظر في المرتبات والمكافآت التي يحصل عليها الأعضاء البلديون باتجاه رفعها إلى ما لا يقل عن 1500 دينار شهريا، لأن ذلك سيؤدي إلى ترسيخ الخبرات البلدية من خلال إقناع الأعضاء المتميزين بالترشح للعمل البلدي مرات أخرى، بالإضافة إلى تشجيع بعض الكفاءات على التقدم للتنافس على مقاعد المجالس البلدية. وعلى الجهة الأخرى فإن المعارضة مطالبة بتقديم بعض القراءات المختلفة والمتجددة لقضية المشاركة والمقاطعة في الانتخابات البرلمانية، من خلال الفصل بين الدخول إلى قبة البرلمان كأعضاء ممثلين للشعب وبين القبول بالتعديلات الدستورية المختلف بشأنها مع الحكومة، ذلك أن لعبة شد الحبل التي تشهدها الحياة السياسية في البحرين لن تنتهي بمجرد حل المسألة الدستورية، لأنها مرتبطة بشكل مباشر باللعبة الديمقراطية نفسها. وفي تصوري المتواضع فإن الدخول في الانتخابات النيابية المقبلة والفوز بغالبية مناسبة من مقاعد البرلمان سيزيد من قوة المعارضة، ولن يسلبها حقها في الاحتجاج أو المطالبة بإجراء التعديلات الدستورية المناسبة. إننا مطالبون بالتوقف عن طرح الأسئلة على طريقة "البيضة أو الدجاجة"، ولربما وفرت إعادة القراءة هذه فرصة مناسبة لاحتفاظ المعارضة بالمبادرة، وفرضت موازين قوى جديدة تتناسب مع إفرازات مرحلة المشاركة في العمل البلدي، بحيث لا تخسر المعارضة خبرات كوادرها البلدية التي ستقاطع الانتخابات البلدية المقبلة، وتلوح بإمكان شق عصا الطاعة والدخول في الانتخابات النيابية أو القبول بمبدأ التعيين في مجلس الشورى بعيدا عن مظلة المعارضة. إنه امتحان واستحقاق آن أوانه، وصار لزاما على الجميع التفكير في التعاطي معه بجدية أكبر، وأعتقد جازما بأن أعضاء المجالس البلدية الحاليين هم الذين سيشكلون ملامح الحياة التشريعية القادمة، في حين أن عددا كبيرا من أعضاء مجلسي الشورى والنواب سيجدون أنفسهم على الهامش نتيجة تغير الموازين الانتخابية، و"إن غدا لناظره قريب". * كاتب بحريني

إقرأ أيضا لـ "محمد حسن العرادي"

العدد 942 - الإثنين 04 أبريل 2005م الموافق 24 صفر 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً