العدد 962 - الأحد 24 أبريل 2005م الموافق 15 ربيع الاول 1426هـ

الديمقراطية والاحتلال "1"

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

مسلسل التفجيرات والقتل المجاني والهجمات المتوحشة على المؤمنين والآمنين لايزال يحصد يوميا الابرياء في أحياء مدن العراق وقراه. والأهداف ليست خافية على أحد. فالقصد منها استدراج الأطياف والطوائف إلى ردود فعل غاضبة تفتح الباب أمام ولوج العراق نحو اتون الفتنة الأهلية. والمستفيد الوحيد منها في النهاية: الاحتلال الأميركي. العمليات الهمجية ضد المدنيين ازدادت في الفترة الأخيرة وبات الناس في املاكهم وأرزاقهم هم المستهدفون في وقت تراجعت ضربات المقاومة ضد الاحتلال. وهذا الأمر يطرح بدوره علامة استفهام كبيرة. فما هو سر تراجع العمليات ضد قوات الاحتلال وارتفاعها ضد الشعب العراقي؟ "السر" أيضا ليس خافيا على أحد. فمن يرتكب الجرائم اليومية ضد الناس الابرياء يقصد الاساءة للمقاومة العراقية الشريفة وتشويه سمعتها وتعطيل دورها وافتعال فجوة سياسية بينها وبين المجتمع. وفي النهاية يكون الطرف الذي يرتكب تلك الحماقات ضد الأهداف السهلة يغطي الاحتلال من خلال قتل الناس في بيوتهم ومساجدهم وحسينياتهم. المستفيد إذا من تواصل مسلسل الاجرام ضد المدنيين هو الاحتلال الذي يريد تحويل وجوده العسكري إلى سياسة تكتسب شرعية دولية من خلال إثارة الحساسيات المذهبية والطائفية والمناطقية والعشائرية والاقوامية. وهذه الحساسيات السلبية لم تعد تقتصر الآن على الشارع بل بدأت بعض أصوات المجلس الوطني المنتخب "البرلمان" تردد اصداء لغة تتحدث عن الحصص والمغانم والمقاعد والوزارات بكلمات لا تخلو من تشنجات عصبية وقبلية. وإذا كانت النخبة "المختارة" و"المنتخبة" تتحدث بمثل هذه اللغة التي تنم عن تفرقة وتباعد وتباغض وعدم ثقه... فكيف سيكون أمر الناس في حال نجح الاحتلال في اشعال نار الفتنة الأهلية؟ إنه سؤال. وسؤال العراق يختزل الكثير من التوقعات المتعلقة بمصير المنطقة وتحديدا الدول المجاورة لبلاد الرافدين. السؤال يتعلق باحتمالين لا ثالث لهما. إذا نجحت التجربة السياسية الجاري اعدادها الآن فإن احتمالات نشرها "تعميمها" تصبح واردة بأقل كلفة. وإذا فشلت التجربة فإن احتمالات تفكك العراق تصبح واردة، وبالتالي ستتعرض المنطقة - وتحديدا الدول المجاورة - إلى اهتزازات أمنية وأهلية ربما تؤدي إلى زعزعة استقرار الكثير من الدول وإثارة الفتن في مجتمعاتها. بين الاحتمال الأول "إعادة توحيد دولة العراق ديمقراطيا" والاحتمال الثاني "تفكك الدولة ونشوء دويلات صغيرة طائفية ومناطقية ومذهبية واقوامية" يكمن السؤال: اين يتجه العراق؟ حتى الآن تبدو كل الخيارات مفتوحة. وهذا يفسر إلى حد كبير تلك الفوضى الأمنية. فالفوضى الأمنية في النهاية تعكس حالات تجاذب سياسية وعدم اتفاق مختلف أطراف المجتمع وأطيافه على خيار موحد يعيد ترتيب العلاقات الطائفية والمذهبية وفق منظومة وطنية تسهم في إنتاج دولة الحرية والعدالة. مراقبة المشهد العراقي اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الانتخابات، تكشف عن وجود خلل بنيوي اعمق من كل التقديرات النظرية. والتطمينات التي تطلقها بعض الهيئات والاحزاب والشخصيات عن ان العراق دولة موحدة لم تعرف ولا تعرف الاصطدامات المذهبية والطائفية، وأن الشعب العراقي موحد المشاعر وتجاوز منذ زمن تلك العقبات... ليست بالضرورة صحيحة وربما تكون بعيدة عن الواقع ولا تتصل بتفصيلات الوقائع الجارية يوميا على الأرض. فالدمار الذي ترتكبه جهات مجهولة "معلومة عند الاحتلال" ضد الناس سيؤدي مع مرور الوقت إلى إحداث فرقة أهلية ستعجز المرجعيات عن ضبطها في حال اندلع العنف وانجرف الشارع وراء تداعياته. ومن يراقب مفاوضات الهيئات السياسية في المجلس الوطني "التشريعي" بشأن تشكيل حكومة وترتيب حصص لن يلقى صعوبة في اكتشاف الحساسيات التي تفرق أكثر مما تجمع. فالمجلس المنتخب تنتهي مدة ولايته في يناير/ كانون الثاني ،2006 ومضى حتى الآن على وجوده أكثر من ثلاثة أشهر ولم يتفق أعضاء البرلمان على صيغة مشتركة تجنب الدولة مصير التفكك. وهذا الأمر إن دل على شيء فإنه يدل على وجود اختلافات كثيرة وأعمق من كل التوقعات. المسألة إذا خطيرة وهي تطرح اسئلة عن معنى الديمقراطية في بلد يعيش في زمن لم يصل مجتمعه إلى مرحلة الدولة. فالدولة المقوضة أصلا في العراق تظهر الآن وبعد الاحتلال على أنها الطرف الاضعف في معادلة الصراع قياسا بتلك الشبكات الطائفية والمذهبية الممتدة في مناطق جغرافية محددة

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 962 - الأحد 24 أبريل 2005م الموافق 15 ربيع الاول 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً