العدد 2918 - الأربعاء 01 سبتمبر 2010م الموافق 22 رمضان 1431هـ

نادر كاظم... يبحث في «مصير الكراهيات العريقة»

في كتابه الجديد «كراهيات منفلتة»

عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت صدر كتاب «كراهيات منفلتة: قراءة في مصير الكراهيات العريقة»، لنادر كاظم. ينطوي الكتاب على مقدمة مطولة وستة فصول موزّعة على 272 صفحة. يتناول الفصل الأول والذي جاء تحت عنوان «العزلة وجرأة الكراهيات المنفلتة» العلاقة بين العزلة والكراهيات المنفلتة وما تنطوي عليه من جرأة وحدة في الجرح والإيذاء. ويتناول الفصل الثاني «صعود المجال العام وكبت الكراهية» الدور الذي أنيط بالمجال العام في كبت الكراهية وتجلياتها. وفي الفصل الثالث «عولمة الاتصالات وعولمة الكراهيات» يرصد الكتاب خروج انعكاسات الكراهية اليوم عن إطارها المحلي الذي كان يقدمها، ويرصد في هذا الفصل انعكاسات أحداث متعددة تبدأ بصور رواية «آيات شيطانية» وحتى خطاب بابا الفاتيكان في العام 2006. ويتناول الفصل الرابع «تكتيكات الكراهية المصطنعة»، ويتناول الفصل الخامس واحدة من المسائل الحساسة وهي العلاقة بين التقية والنفاق بما هما تنويعان على كبت الكراهية بدافع من الخوف على النفس من أذى الآخرين. أما الفصل السادس فيركز على أهمية الاحترام بوصفه قيمة وخلقاً يدفع الإنسان إلى كف أذاه وكراهيته عن الآخرين بدافع احترام إنسانيتهم وكرامتهم.

ويتناول الكتاب في هذه الفصول واحداً من النوازع البشرية العنيدة والعدوانية وهي الكراهية. وهو يتناول الكراهية بوصفها نزوعاً عدوانياً يتسم بالعمق والتجذر في نفوس البشر. وهذا على خلاف ما ذهب إليه بعض الحداثيين ودعاة التحديث، وكثير من الشيوعيين اليوتوبيين الذين حلموا، في الماضي، بعالم بلا طبقات وبلا عداوات وبلا صراعات وبلا كراهيات. فالبرغم من تقدم الزمن إلا أن العداوات والتناحرات والكراهيات والأحقاد العنيدة بين البشر لم تختف، بل مازالت الكراهيات المنفلتة إلى اليوم قادرة على الاستفزاز والجرح والإيذاء، بل إنها ازدادت قدرة على ذلك مع زوال عزلة الجماعات (القوميات والأديان والطوائف)، واهتزاز فضاءاتها الخصوصية المغلقة، وتقدم الاتصالات بحيث صارت أخبار الكراهيات وحوادثها تنتقل بسرعة فائقة، وصارت تستحثّ معها، في كل مرة، انعكاساتها الخطيرة. وكأن «التسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات» الذي ابتدعته البرجوازية، كما جاء في الكتاب، وراهن عليه الماركسيون فيما بعد، قد بدأ يفعل فعله ولكن بطريقة عكسية. فالتعصب والتقوقع القوميان لم يتراجعا، وموقف العداء داخل الأمة وبين الأمم لم يختف، والكراهيات بين البشر لم تهتزّ. بل صارت تتغذّى على هذا «التسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات» والاتصالات، وتتوسّل به، بل تطوّعه لصالحها.

وبحسب الكتاب فإن انتعاش الكراهيات بين البشر إنما كان يستمد قوته من العزلة الجغرافية ومن التقوقع والانكفاء القديمين بين الجماعات. وقد تمكّنت الجماعات، في ظل هذه العزلة، من إنتاج كراهياتها وتداولها دون تكاليف باهظة. والسبب في ذلك أن العزلة كانت تؤمّن الأجواء المناسبة لانتعاش الكراهيات داخل كل جماعة. إلا أن هذا استنتاج متسرع كما يقول الكتاب؛ لأن التواصل المكثّف أصبح حقيقة اليوم بفضل التقدم المذهل في وسائل المواصلات والاتصالات والإعلام، إلا أن العزلة مازالت قائمة، والكراهيات العريقة مازالت منتعشة. والسبب أن وسائل المواصلات والاتصالات وسائل مرنة وطيعة ويمكن استخدامها في خدمة الأغراض المختلفة. بمعنى أن الجماعات تستطيع أن تعيد إنتاج عزلتها وكراهياتها بالاستعانة بهذه الوسائل. وإذا كان من شبه المستحيل تأمين العزلة المكانية القديمة في عالم جرى عولمته، وأصبح بمثابة «قرية كونية»، ومشبوكاً من أقصاه إلى أقصاه بشبكات اتصال معقدة ومتكاثرة، فإنه من غير المستحيل، في المقابل، أن تقوم الجماعات بإعادة إنتاج عزلتها الافتراضية والمتخيلة والتواصلية، وهي تفعل ذلك، اليوم، وبالتوسّل بشبكات الاتصالات المعقدة والمتكاثرة.

لا يمكن إنكار الدور الذي لعبه ذلك «التسهيل اللامتناهي للمواصلات» والاتصالات في تقريب البشر، وتقليص المسافات، وتجاوز الحدود الجغرافية التي كانت تفصل بينهم، إلا أن هذا لا يعني، بالضرورة، زوال عزلة الجماعات؛ لأن الجماعات قد تتساكن وتتجاور في المكان، إلا أن هذا لا يعني، بالضرورة، أنها تتعايش وتتواصل فيما بينها، وبدل العزلة المكانية سنكون أمام عزلة تواصلية. ويمكن لهذه العزلة التواصلية أن تعيد إنتاج نفسها بالتوسل بتكنولوجيا الاتصال والإعلام، وذلك حين لا يجد أبناء الجماعات حاجة ملحة إلى التواصل إلا مع نظرائهم من أبناء جماعتهم، وحين يتوسّل هؤلاء بأحدث تقنيات الاتصال لا لشيء سوى خدمة التواصل الخصوصي المغلق فيما بينهم وتعزيز الروابط بين أبناء جماعتهم فقط. وعلى الشاكلة ذاتها، فإن المجال العام الذي يتحدث عنه الكتاب في الفصل الثاني قد يصبح عديم الأهمية حين يكون مجزّأ بحيث يكون لكل جماعة فضاءاتها وفضائياتها وإذاعاتها وصحفها ومواقعها ومنتدياتها الإلكترونية الخاصة بها. وفي مثل هذه الظروف يمكن لذلك «التسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات» والاتصالات، ولذلك المجال العام المجزّأ أن يؤديا وظيفتهما بطريقة عكسية، فبدل أن يعززان التواصل والانفتاح والعيش المشترك، ويهددان بزوال الفواصل وكبت الكراهية، إذا بهما يعمّقان عزلة الجماعات الافتراضية والمتخيلة، ويعيدان إنتاج الفواصل والتنافر والكراهيات والحساسيات المتبادلة.

يعيد الكتاب النقاش مجدداً في علاقة العزلة بالكراهيات، وفي دور تكنولوجيا الاتصال والمواصلات في وضع حد لهذه العزلة ولكراهياتها العريقة. وهو ينتهي إلى القول بأن الاتصال المكثّف لا يهدد العزلة لكونه يسهّل حركة البشر ويحسّن من كفاءة اتصالاتهم، بل إنه يهدّد هذه العزلة حين يتمكن من تجاوز عزلة البشر التواصلية، وحين يضع الآخر أمام الذات على نحو واقعي ومتخيّل، وحين يحمل الجماعات على الالتفات إلى آخريها ومراعاتهم، وأخذهم بعين الاعتبار من أجل التعامل معهم باحترام يليق بهم، الأمر الذي يحفظ للناس كرامتهم الإنسانية ويؤمن لهم العيش المشترك. والثابت، كما جاء في مقدمة الكتاب، أن البشر لا يتورّعون عن التعبير عن كراهياتهم بفظاظة جارحة في ظل غياب الآخرين المستهدفين بالكراهية، إلا أنهم (وهذا مرهون بألا يكونوا وقحين) يحسبون ألف حساب حين يقف هؤلاء المكروهون أمامهم وجهاً لوجه على نحو واقعي أو متخيّل. قد نسمي هذا النوع من أخلاقيات مراعاة الآخرين والالتفات إليهم باهتمام مجاملةً أو حتى تقيةً أو نفاقاً، لكنه ليس، بالضرورة كذلك؛ لأن التقية والنفاق تصرفان أنانيان ويتأسسان، بالدرجة الأولى، على الاهتمام بالذات ومراعاة الذات وحمايتها من الأذى، كما أن الالتفات إلى الآخرين، في التقية والنفاق، لا يكون إلا بدافع الخوف والخشية من قوة هؤلاء الآخرين، في حين أن أخلاقيات المراعاة تنطوي على ضرب من الاهتمام بالآخرين بالدرجة الأولى، إلا أنه اهتمام من نوع مختلف؛ لأنه لم يكن، كما في التقية والنفاق، بدافع الخوف من قوة الآخرين، بل بدافع الاحترام، احترام الجانب الإنساني فينا وفيهم. وهذا الاحترام هو الذي يدفعنا إلى مراعاة الآخرين والحرص على تجنّب جرحهم والإساءة إليهم عمداً. ويبدو أن هذا النوع من مراعاة الآخرين، لا تكنولوجيا الاتصال ولا غيرها، هو الذي يمكن أن يهدد العزلة، وهو الذي يمكن أن يؤمّن التعايش والتواصل البناء والإيجابي بين البشر، الأمر الذي يمكن أن يضع مصير الكراهيات العريقة أمام مرحلة حرجة.

العدد 2918 - الأربعاء 01 سبتمبر 2010م الموافق 22 رمضان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً